|
- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد
مرتضى العسكري ج 1 ص 23 : - |
|
بسم الله الرحمن الرحيم
( يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ
أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا
*
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ
لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا
*
يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ
بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ
ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
*
وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ
وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ
وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا
*
يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ
النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ
بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ
وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا
*
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ
تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) .
حكمة تعدد زوجات الرسول صلى
الله عليه وآله :
نبدأ بحوث الكتاب بإذنه تعالى ببيان
حكمة تعدد زوجات الرسول في ما يأتي : قال الله سبحانه
في سورة الأحزاب : ( يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ
أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا
مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ
وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ
خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ
مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ
نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن
يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ
الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا
عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ
وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ
مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ
أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ
وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ
عَلِيمًا حَلِيمًا لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن
بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ
وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ
يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
رَّقِيبًا ) ( الآيات / 50 52 ) .
شرح
الكلمات :
أ - أجورهن : مهورهن .
ب أفاء : أفاء عليه
فيئا ، أي جعل له الغنيمة التي لم تلحق فيها مشقة له .
ج - وهبت نفسها للنبي : أي طلبت من الرسول أن يتزوجها
بلا مهر .
د - حرج ، الحرج : الضيق في باب النكاح .
ه
- ترجي : ترجي هنا بمعنى تنحي عنك من تشاء .
و - تؤوي : تؤوي هنا بمعنى
تضم إلى نفسك من تشاء منهن .
ز - الحلم : الحلم في
اللغة : الاناة وضبط النفس عند الغضب مع القدرة ، وفي
المصطلح الإسلامي : من أسماء الله الحسنى ، أي لا
يعاجل بالعقوبة ويصفح .
ح - رقيبا : الرقيب في اللغة :
الحافظ المراعي ، وفي المصطلح الإسلامي : من أسماء
الله الحسنى ، أي الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء .
تفسير
الآيات :
إننا نرى أن بعض الآيات ومن ضمنها هذه الآيات
نزلت لتخبر عن انتهاء أمد العمل ببعض الأحكام التي
نزلت بوحي غير قرآني ، مثل الآية 65 و 66 من سورة
الأنفال التي قال الله فيها : (
إِن يَكُن مِّنكُمْ
عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ . .
الآنَ خَفَّفَ اللّهُ
عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن
مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ . .
)
إننا نرى حكم ( إن يكونوا عشرين يغلبوا مائتين ) ،
كان قد نزل بوحي غير قرآني ، ولما انتهى أمد العمل به
نزلت الآيتان ليخبر الله في الأولى بهما ، أن الله كان
قد أنزل بوحي غير قرآني أن يغلب عشرون مائتين .
وفي
الثانية يخبر سبحانه انتهاء أمد ذلك ، والآن إن يكن
منكم مائة يغلبوا مائتين .
وكذلك الشأن في آيات خبر
تعدد زوجات الرسول ( ص ) من سورة
الأحزاب ، فإن الله
سبحانه أخبر فيها أنه كان قد أحل لخاتم أنبيائه من
آتاهن مهورهن من أقاربه وغيرهن من المؤمنات اللاتي
هاجرن معه ، ثم أخبر تعالى أنه أحل له الزواج بغيرهن
من المؤمنات وأحل له امرأة مؤمنة طلبت منه أن يتزوجها
ووهبت له مهرها إن أراد النبي أن يستنكحها .
وإن هذا
الحكم خاص بالنبي من دون المؤمنين ، وقد علم الله ، أي
عين ما فرض عليهم في أزواجهم وفي نساء ملكوها بشراء
وغيره . تنحي عنك من تشاء ممن وهبت نفسها لك وتضم إلى
نفسك من تشاء
منهن أو يكون المعنى تؤخر من
تشاء من أزواجك فلا تضاجعها ، أو تطلق من تشاء وتمسك
من تشاء ، ولعل المقصود إحلال كل ذلك لخاتم الأنبياء (
ص ) ، وأنه أحل له أن ينحي من شاء من الواهبات أنفسهن
ويضم إلى نفسه من شاء منهن ويؤخر مضاجعة من شاء من
أزواجه ويضاجع من شاء منهم لا جناح عليه في كل ذلك ،
ويعمل في كل ذلك بما يرى فيه من المصلحة ، وإن علمهن
أن نزول الرخصة في كل ذلك من الله تعالى أقر لاعينهن
وأدنى إلى رضاهن لما يعلمن أن ذلك من الله ولهن الثواب
في طاعة الله برضاهن بذلك ، ولو علمن أن ذلك من قبلك
لحزن وحملن ذلك لميلك إلى بعضهن دون بعض ، والله يعلم
بما في قلوبكم من الرضا والسخط ، وكان الله عليما
بمصالح عباده ، حليما في ترك التعجيل في عقوبتهم .
ولا
يحل لك النساء بعد نزول هذه الآيات ولا أن تبدل بهن ،
تطلق بعضهن وتتزوج بغيرهن إلا ما ملكت يمينك من
الكتابيات ، فأحل له أن يتسراهن .
ونرى أن هذه الآيات
نزلت بعد فتح مكة وانتهاء الحرج الذي كانت المؤمنات
المهاجرات يعشنه ، وكان عدد زوجات الرسول صلى الله
عليه وآله يومذاك تسع نسوة من أمهات المؤمنين .
وقد
جاء في أصول الكافي في تفسير الآيات بسنده : عن أبي
عبد الله ( ع ) في قول الله عزوج : ( يا أيها النبي
إنا أحللنا لك أزواجك ) كم احل له من النساء ؟ قال :
ما شاء من شيء .
وفيه بإسناده عن أبي عبد الله ( ع )
قال ، قلت : ( لا يحل لك النساء من بعد ، ولا أن تبدل
بهن من أزواج ) ؟ فقال : لرسول الله صلى الله عليه
وآله أن ينكح ما شاء من بنات عمه وبنات عماته وبنات
خاله وبنات خالاته وأزواجه اللاتي هاجرن معه ، وأحل له
أن ينكح من عرض المؤمنين بغير مهر وهي الهبة ، ولا تحل
الهبة إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله ، فأما لغير
رسول الله فلا يصلح نكاح إلا بمهر ، وذلك معنى قوله
تعالى : ( وَامْرَأَةً
مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ) .
* *
*
رجعنا في تفسير الآيات إلى
تفسير الطبري والقرطبي ومجمع البيان .
ونقلنا أعلاه ما
اخترنا مما ذكروا في تفسير الآيات .
وبعد ذلكم ندرس في
ما يأتي حكمة تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وآله
بإذنه تعالى .
بيان الحكمة في تعدد زوجات الرسول صلى
الله عليه وآله : تعرف حكمة تعدد زوجات الرسول صلى
الله عليه وآله مع ملاحظة الظروف الاجتماعية التي
عاشها الرسول صلى الله عليه وآله والمسلمون الأوائل في
صدر الإسلام ، وخاصة الظروف الاجتماعية التي كانت
تعيشها النساء يومذاك .
وفي هذا الصدد قال الله سبحانه
:
أ - في سورة النحل : (
وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل
وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر
به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما
يحكمون ) ( الآيتان / 57 - 58 ) .
ب - في سورة
الإسراء
: ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم
إن قتلهم كان خطأ كبيرا ) ( الآية / 31 ) .
ج - في
سورة الأنعام : ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن
نرزقكم وإياهم ) ( الآية / 151 ) .
د - في سورة
التكوير : ( وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت ) (
الآيتان / 8 ، 9 ) .
قال القرطبي : الموءودة :
المقتولة ، وهي الجارية تدفن وهي حية ، سميت بذلك لما
يطرح عليها من التراب ، فيؤودها أي يثقلها حتى تموت .
وقال ابن عباس في تفسير الآيات : كانت المرأة في
الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة ، وتمخضت على رأسها ، فإن
ولدت جارية رمت بها في الحفرة ، وردت التراب عليها ،
وإن ولدت غلاما
حبسته ، ومنه قول الراجز :
سميتها إذ ولدت تموت * والقبر صهر ضامن زميت والزميت :
الوقور .
وفي تفسير الطبري ما موجزه : كان الرجل من
ربيعة أو مضر يشترط على امرأته ، أن تستحيي جارية وتئد
أخرى ، فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل أو راح
من عند امرأته ، وقال لها : أنت علي كظهر أمي إن رجعت
إليك ولم تئديها ، فتخذ لها في الأرض خدا وترسل إلى
نسائها فيجتمعن عندها ثم يتداولنها حتى إذا أبصرته
راجعا دستها في حفرتها ثم سوت عليها التراب ( 18 ) .
وفي تفسير القرطبي والطبري عن قتادة ، قال : كانت
الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ، ويغذو كلبه ، فعاتبهم
الله على ذلك ، وتوعدهم بقوله : ( وإذا الموءودة سئلت
) ( 19 ) .
قال المؤلف : إنما كانوا يغذون كلبهم
لأنه
كان ينفعهم في حراسة بيتهم وماشيتهم ، بينما لم تكن
البنت تجلب لأولئك الوائدين نفعا .
وقال أبو الفرج في
الأغاني : وفد قيس بن عاصم على رسول الله صلى الله
عليه وآله فسأله بعض الأنصار عما يتحدث به عنه من
المؤودات التي وأدهن من بناته ، فأخبر أنه ما ولدت له
بنت قط إلا وأدها .
ثم أقبل على رسول الله صلى الله
عليه وآله يحدثه فقال له : كنت أخاف سوء الاحدوثة
والفضيحة في البنات ، فما ولدت لي بنت قط إلا وأدتها ،
وما رحمت منهن موءودة قط إلا بنية لي ولدتها أمها وأنا
في سفر فدفعتها أمها إلى أخوالها فكانت فيهم ، وقدمت
سألت عن الحمل ، فأخبرتني المرأة أنها ولدت ولدا
| |
( 18 ) تفسير
الطبري 8 / 38 . ط . بولاق في تفسير ( قد خسر الذين . . ) .
( 19 ) ما نقلناه عن القرطبي إلى هنا في تفسيره
الجامع ، 19 / 232 - 233 . والخبر الاخير رواه الطبري - أيضا - في تفسير ، 30 /
46 . ( * ) |
|
|
ميتا . ومضت على ذلك سنون
حتى كبرت الصبية ويفعت ، فزارت أمها ذات يوم ، فدخلت
فرأيتها وقد ظفرت شعرها وجعلت في قرونها شيئا من خلوق
ونظمت عليها ودعا ، وألبستها قلادة جزع ، وجعلت في
عنقها مخنقة بلح ، فقلت : من هذه الصبية فقد أعجبني
جمالها وكيسها ؟ فبكت ثم قالت : هذه ابنتك ، كنت خبرتك
أني ولدت ولدا ميتا ، وجعلتها عند أخوالها حتى بلغت
هذا المبلغ .
فأمسكت عنها حتى اشتغلت عنها ، ثم
أخرجتها يوما فحفرت لها حفيرة فجعلتها فيها وهي تقول :
يا أبت ما تصنع بي ؟ ! وجعلت أقذف عليها التراب وهي تقول : يا
أبت أمغطي أنت بالتراب ؟ ! أتاركي أنت وحدي ومنصرف عني
؟ ! وجعلت أقذف عليها التراب ذلك حتى واريتها وانقطع
صوتها ، فما رحمت أحدا ممن واريته غيرها .
فدمعت عينا النبي صلى الله عليه وآله ثم قال : " إن
هذه لقسوة ، وإن من لا يرحم لا يرحم " ( 20 ) .
وقال القرطبي : إن قيس بن عاصم سأل النبي صلى الله
عليه وآله وقال : يا رسول الله إني وأدت ثمان بنات كن
لي في الجاهلية ، قال : " فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة
" قال : يا رسول الله إني صاحب إبل ، قال : " فأهد عن
كل واحدة منهن بدنة إن شئت " ( 21 ) .
وقال القرطبي :
" إنه كان من العرب من يقتل ولده خشية الإملاق ، كما
ذكر الله عزوجل . وكان منهم من يقتله سفها بغير حجة
منهم في قتلهم ، وهم ربيعة ومضر ، كانوا يقتلون بناتهم
لاجل الحمية .
وروي أن
رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ، كان لا يزال
مغتما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال له
رسول الله صلى الله عليه وآله : مالك تكون محزونا ؟
فقال : يا رسول الله ، إني أذنبت ذنبا في الجاهلية
فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت .
| |
( 20 ) الأغاني 12 / 144 . والخلوق : ضرب من الطيب . والودع : خرز بيض جوف في
بطونها شق كشق النواة تتفاوت في الصغر والكبر ،
والواحد : ودعة . والجزع : الخرز اليماني الصيني فيه
سواد وبياض . والمخنقة : القلادة . وكيسها : عقلها .
( 21 ) القرطبي ، التفسير الجامع ، 19 /
332 - 333 . ( * ) |
|
|
فقال له : أخبرني عن ذنبك ،
فقال : يا رسول الله ، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم
، فولدت لي بنت فتشفعت إلي امرأتي أن أتركها فتركتها
حتى كبرت وأدركت ، وصارت من أجمل النساء فخطبوها ، فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في
البيت بغير زواج ، فقلت للمرأة : إني أريد أن أذهب إلى
قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي ، فسرت
بذلك وزينتها بالثياب والحلي ، وأخذت علي المواثيق
بألا أخونها .
فذهبت إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت
الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر فالتزمتني ،
وجعلت تبكي وتقول : يا أبت إيش تريد أن تفعل بي ؟
فرحمتها ، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية ، ثم
التزمتني وجعلت تقول : يا أبت لا تضيع أمانة أمي ،
فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها حتى
غلبني الشيطان فأخدتها وألقيتها في البئر منكوسة ، وهي
تنادي في البئر : يا أبت ، قتلتني . فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت . فبكى رسول الله
صلى الله عليه وآله وأصحابه ، وقال : " لو أمرت أن
أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك " ( 22 ) .
وفي شأن هؤلاء
أنزل الله تعالى : ( وإذا بشر أحدهم
بالأنثى ظل وجهه
مسودا وهو كظيم " . ( النحل / 58 ) .
قال ابن الأثير
في ترجمة صعصعة من أسد الغابة ما موجزه : صعصعة بن
ناجية جد الفرزدق همام بن غالب الشاعر وكان من أشراف
بني تميم وكان في الجاهلية يفتدي الموءودات وقد مدحه
الفرزدق بذلك في قوله :
وجدي الذي منع الوائدات * وأحيا الوئيد فلم توأد
قال : قدمت على النبي صلى الله
عليه وآله فعرض علي الإسلام فأسلمت وعلمني آيات من
القرآن ، فقلت : يا رسول الله إني عملت أعمالا في
الجاهلية فهل لي فيها من أجر ؟ قال : وما عملت ؟ قلت :
ضلت ناقتان لي عشراوان فخرجت
| |
( 22 ) القرطبي
، تفسير سورة التكوير ، الآية الثامنة ، 19 / 232 - 234 . ( * ) |
|
|
أبغيهما على جمل لي فرفع لي
بيتان في فضاء من الأرض فقصدت قصدهما فوجدت في أحدهما
شيخا كبيرا ، فبينما هو يخاطبني وأخاطبه إذ نادته
امرأة قد ولدت قال وما ولدت قالت جارية قال فادفنيها
فقلت أنا أشتري منك روحها لا تقتلها فاشتريتها بناقتي
وولديهما والبعير الذي تحتي.
وظهر الإسلام وقد أحييت
ثلاثمائة وستين موءودة أشتري كل واحدة منهن بناقتين عشراوين وجمل ، فهل لي من أجر ؟ فقال رسول الله صلى
الله عليه وآله : هذا باب من البر لك أجره إذ من الله
عليك بالإسلام ( 23 ) .
ولما كانت إعالة البنت تسبب
ضائقة اقتصادية لوالدها ، أمرت قريش بطلاق بنات رسول
الله صلى الله عليه وآله كالآتي خبره :
روى ابن إسحاق
قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد زوج عتبة
بن ابي لهب رقية أو أم كلثوم ، فلما بادى قريشا بأمر
الله تعالى وبالعداوة ، قالوا : إنكم قد فرغتم محمدا
من همه ، فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن . فمشوا إلى
أبي العاص فقالوا له : فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي
امرأة من قريش شئت ، قال : لاها لله ، إني لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة
من قريش .
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يثني
عليه في صهره خيرا ، فيما بلغني . ثم مشوا إلى عتبة بن
أبي لهب ، فقالوا له : طلق بنت محمد ونحن ننكحك أي امرأة
من قريش شئت ، فقال : إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد بن
العاص ، أو بنت سعيد بن العاص فارقتها ، فزوجوه بنت
سعيد بن العاص وفارقها . ولم يكن دخل بها ،
فأخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له ، وخلف عليها
عثمان بن عفان بعده ( 24 )
.
هكذا فعلت قريش لما أرادت أن تكيد رسول الله
كيدا يقعده عن دعوته
| |
( 23 ) أسد
الغابة 3 / 21 .
|
( 24 ) سيرة ابن
هشام 2 / 296 . ( * )
|
|
|
|
للتوحيد وعمدت إلى إرجاع
بناته إلى بيته ليشغلوه بهن عن مقارعتهم ومقابلتهم .
وذلك لان المرأة لم تكن تشترك يومذاك في الغزو ولا في
سفر التجارة وغيرهما من الاعمال الجالبة للثروة . ومن
ثم كانت أبدا ودائما عالة على الرجل .
* * *
كانت تلكم
ظروف العرب عامة في شبه الجزيرة العربية .
وكانت ظروف
المسلمين خاصة كالآتي : ظروف المسلمين في فجر الإسلام
: أشتد إيذاء قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله
وأصحابه في مكة فأمرهم الرسول صلى الله عليه وآله أولا
بالهجرة إلى الحبشة .
وأخير بالهجرة إلى المدينة وبذلك
حرم المهاجرون منكل ما كانوا يملكون من وسائل العيش
بمكة المكرمة ، ثم التحق بهم الرسول صلى الله عليه
وآله في المدينة واتخذها دار هجرته .
وتدرج المسلمون
في الالتحاق به ، وكان جلهم لا يملكون من وسائل العيش
شيئا فأسكن الرسول صلى الله عليه وآله الفقراء من
رجالهم في صفة مسجده وعاشوا في أشد حالات الفقر وسموا
بأصحاب الصفة .
وكان في من هاجر إلى المدينة نساء قد
توفي أزواجهن أو من استشهد أزواجهن بعد ذلك في غزوات
الرسول صلى الله عليه وآله ولم يكن لهن رجل يعيلهن
وكان إسكانهن مع الرجال في صفة مسجده غير ميسور .
ولما
ذكرناه لم يكن للرسول بد من القيام بإيوائهن بنفسه صلى
الله عليه وآله وإعالتهن .
وبالإضافة إلى ذلك كانت
تتحقق في زواج الرسول صلى الله عليه وآله ببعضهن مصالح
كبيرة للإسلام والمسلمين مثل تبدل العداء والخصومة بين
الرسول صلى الله عليه وآله والمسلمين مع قبيلة أبي
سفيان ، إلى التودد والألفة ورفع الخصومة .
كما سندرس
بإذنه تعالى بعض ذلك في الاخبار الآتية .
* * *
|