- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 1  ص 304 : -

لمعاوية أيضا قصص طويلة مع قراء أهل الكوفة الذين سيرهم عثمان إلى الشام .


روى البلاذري : أن عثمان لما عزل الوليد عن الكوفة ، ولاها سعيد بن العاص ، وأمره بمداراة أهلها .

فكان يجالس قراءها ووجوه أهلها ، ويسامرهم ، وتذاكروا يوما عنده السواد ( * ) والجبل ، ففضلوا السواد ، وقالوا : هو ينبت ما ينبت الجبل وله هذا النخل ، فقال صاحب شرطة سعيد : لوددت أن هذا السواد للأمير ، ولكم أفضل منه ، فقال له الأشتر : تمن للامير أفضل منه ولا تمن له أموالنا ، فقال : ما يضرك من تمنى حتى تزوي ما بين عينيك ، فوالله لو شاء كان له ، فقال الأشتر : والله لو رام ذلك ما قدر عليه ، فغضب سعيد وقال : إنما السواد بستان لقريش ، فقال : أتجعل مراكز رماحنا وما أفاء الله علينا بستانا لك ولقومك ، والله لو رامه أحد لقرع قرعا يتصأصأ منه ( * ) ووثب بصاحب الشرطة فأخذته الأيدي .

فكتب سعيد بن العاص بذلك إلى عثمان وقال : إني لا أملك من الكوفة مع الأشتر وأصحابه الذين يدعون القراء - وهم السفهاء - شيئا .

فكتب إليه أن سيرهم إلى الشام ، فخرج المسيرون من قراء أهل الكوفة فاجتمعوا بدمشق فبرهم معاوية وأكرمهم ثم إنه جرى بينه وبين الأشتر قول حتى تغالظا ، فحبسه ، ثم أخرجه من الحبس ، وبلغ معاوية أن قوما من أهل دمشق يجالسون الأشتر وأصحابه ، فكتب إلى عثمان : إنك بعثت إلي قوما أفسدوا

  ( * ) " السواد " . رستاق العراق وضياعها التي افتتحها المسلمون على عهد عمر ، سمي بذلك لسواده بالزروع والنخيل ، وحد السواد من حديثة الموصل طولا إلى عبادان ، ومن العذيب بالقادسية إلى حلوان عرضا ، فيكون طوله مائة وستين فرسخا ، و " الجبل " ما بين اصبهان إلى زنجان إلى قزوين وهمدان ودينور وقرمسين والري وما بين ذلك . معجم البلدان .
( * ) " تصأصأ عنه " : خاف منه ، ذل له . ( * ) 
 
 

- ج 1  ص 305 -

مصرهم وأنغلوا ، ولا آمن أن يفسدوا طاعة من قبلي ويعلموهم مالا يجيدونه حتى تعود سلامتهم غائلة واستقامتهم اعوجاجا . فكتب إلى معاوية يأمره أن يسيرهم إلى حمص ففعل ( 86 ) .


وروى المدائني أنه كان لهم مع معاوية بالشام مجالس طالت فيها المحاورات والمخاطبات بينهم ، وأن معاوية قال لهم في جملة ما قال : إن قريشا قد عرفت أن أبا سفيان أكرمها وابن أكرمها إلا ما جعل لنبيه فإنه انتجبه وأكرمه ، ولو أن أبا سفيان ولد الناس كلهم لكانوا حلماء .

فقال له صعصعة بن صوحان : كذبت ! قد ولدهم خير من أبي سفيان من خلقه الله بيده ونفخ من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا له ، فكان فيهم البر والفاجر والكيس والأحمق ( 87 ) .

وإنما كان معاوية يشكو من بقاء صحابة النبي كأبي ذر ، وعبادة بن الصامت وغيرهما من التابعين وقراء المسلمين وأخيارهم في الشام خشية أن يعرفوا أهل الشام بما خفي عنهم من الإسلام وأحكامه ، فلا يستطيع معاوية آنذاك أن يعيش فيهم عيشة كسرى وقيصر ، وبعد أن بلغ السيل الزبى ، وثار المسلمون بعثمان في المدينة كتب عثمان إلى معاوية فيمن كتب إليه من ولاته يستمده ويقول : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن أهل المدينة كفروا ، وأخلفوا الطاعة ، ونكثوا البيعة ، فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول .

فلما جاء معاوية الكتاب تربص به وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد علم اجتماعهم ، فلما أبطأ أمره على عثمان كتب إلى أهل الشام يستنفرهم . . ( 88 ) الحديث .
 

  ( 86 ) الانساب 5 / 39 43 ، وقد أوردناها منه ملخصة .
( 87 ) الطبري 5 / 88 90 ، وابن الاثير 3 / 57 60 ، وشرح النهج 1 / 158 160 .
( 88 ) الطبري 5 / 115 116 . ( * )
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب