|
- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد
مرتضى العسكري ج 1 ص 326 : - |
|
اشترى معاوية دهاة الرجال في عصره
بالإمرة والمال والاستلحاق بالنسب ، وصانع الرؤساء ،
وداهن أعداءه ، وبذل وافر المال ، وتظاهر بالحلم
والاغضاء عن خصومه أجمعين ، حتى إذا اتسق له الامر ،
وتم له الملك ، أظهر دخيلة نفسه ، وجعل الخلافة ملكا
عضوضا .
فأمر بأن تصطفى له الصفراء والبيضاء ، فلا
يقسم بين الناس ذهب ولا فضة ( 145 ) ، واستصفى لنفسه
ما كان لكسرى وآل كسرى من الصوافي في أرض الكوفة
وسوادها . فبلغت جبايته خمسين ألف ألف درهم من أرض
الكوفة وسوادها .
وكتب إلى عبد الرحمن بن أبي بكرة بمثل
ذلك في أرض البصرة ، وأمرهم أن يحملوا إليه هدايا
النيروز والمهرجان ، فكان يحمل إليه في النيروز وغيره
والمهرجان عشرة آلاف ألف ( 146 ) .
| |
( 145 ) بترجمة الصحابي الحكم بن عمرو الغفاري من
طبقات ابن سعد 7 / 28 ، والاستيعاب
1 / 117 ، والطبري 6 / 141 ، وابن الاثير 3 / 202 ، والنبلاء 2 / 340 ، ولفظه : كتب
زياد : ان أمير المؤمنين أمر أن تصطفى له الصفراء
والبيضاء ، فكتب إليه إني وجدت كتاب الله قبل كتاب
أمير المؤمنين . وأمر مناديا فنادى : أن أغدوا على
فيئكم . فقسمه بينهم ، فوجه معاوية من قيده وحبسه . فمات فدفن في قيوده
وقال : إني مخاصم .
( 146 ) اليعقوبي ط . دار بيروت 2 / 218
. ( * ) |
|
|
وفعل معاوية بالشام
والجزيرة واليمن مثل ما فعل بالعراق من استصفاء ما كان
للملوك من الضياع وتصييرها لنفسه خالصة ، وأقطعها أهل
بيته وخاصته .
وكان أول من كانت له الصوافي في جميع
الدنيا ، حتى بمكة والمدينة ، فإنه كان فيهما شئ يحمل
في كل سنة من أوساق التمر والحنطة ( 147 ) ، وأقطع
فدكا مروان خاصة ( 148 ) .
ثم شدد النكير على من ناوأه
، ولما صار إلى المدينة أتاه جماعة من بني هاشم ،
وكلموه في أمورهم ، فقال : أما ترضون يا بني هاشم أن
نقركم على دمائكم وقد قتلتم عثمان حتى تقولوا ما
تقولون ؟ فوالله لانتم أحل دما من كذا وكذا ، وأعظم في
القول .
فقال له ابن عباس : كل ما قلت لنا يا معاوية
من شر بين دفتيك ، أنت والله أولى بذلك منا ، أنت قتلت
عثمان ، ثم قمت تغمص على الناس أنك تطلب بدمه . فانكسر
معاوية . . الحديد .
ثم كلمه الأنصار ، فاغلظ لهم في
القول ، وقال لهم : ما فعلت نواضحكم ؟ قالوا :
أفنيناها يوم بدر لما قتلنا أخاك وجدك وخالك ، ولكنا
نفعل ما أوصانا به رسول الله . قال : ما أوصاكم به ؟
قالوا : أوصانا بالصبر . قال : فاصبروا . ثم أدلج
معاوية إلى الشام ولم يقض لهم حاجة ( 149 ) .
وأمر
معاوية بمنبر النبي صلى الله عليه وآله أن يحمل من
المدينة إلى الشام وقال : لا يترك هو وعصا النبي
بالمدينة ، وهم قتلة عثمان، وطلب العصا ، وحرك المنبر
فكسفت الشمس فتركهما. وقيل : إن الصحابة منعوه عن ذلك
( 150 ).
وكان اشد الناس بلاء يومذاك شيعة علي خاصة ،
فقد كان أمر ولاته بلعن علي على المنبر ، وقال للمغيرة
بن شعبة لما ولاه الكوفة سنة إحدى
| |
( 147 ) المصدر السابق ص 234 و ( الوسق ) بفتح أوله وثانيه :
ستون صاعا أو حمل بعير .
( 148 ) المصدر السابق ص 305
.
( 149 ) اليعقوبي ط . دار بيروت 2 / 223 والنواضح ،
مفردها الناضح : البعير يستقى عليه .
( 150 ) ابن الاثير 3 / 199 ، ومروج الذهب . ط . السعادة 3 / 35 .
( * ) |
|
|
وأربعين قد أردت إيصاءك
بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك ، ولست
تاركا إيصاءك بخصلة ، لا تترك شتم علي وذمه ، والترحم
على عثمان والاستغفار له ، والعيب لأصحاب علي والاقصاء
لهم ، والاطراء لشيعة عثمان والادناء لهم ( 151 ) .
فأقام المغيرة على الكوفة عاملا لمعاوية لا يدع شتم
علي والوقوع فيه ، والدعاء لعثمان والاستغفار له .
وكان حجر بن عدي يرد عليه ، ثم توفي المغيرة ، وولي
زياد مكانه ، فوقع بينه وبين حجر ما وقع مع المغيرة .
وفي رواية أن زيادا أطال يوما الخطبة ، وأخر الصلاة ،
فخشي حجر أن تفوت الصلاة ، فنادى : الصلاة ، فاستمر
زياد في خطبته ، فنادى حجر : الصلاة ، إلى ثلاث مرات ،
فضرب حجر يده إلى كف من الحصى في وجه زياد ، وثار إلى
الصلاة ، وثار الناس معه إلى الصلاة ، فقطع زياد خطبته
، وصلى بهم ، ثم أمر الشرط أن يأتوا به ، فمنعه قومه
وأخفوه ، حتى استأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية ،
فأجابهم إلى ذلك ، فسجنه وأحد عشر من أصحابه ، ثم كتب
عليه شهادة أنه شتم الخليفة ، ودعا إلى حربه ، وأخرج
عامله . .
وشهد عليه بعضهم في الكتاب ، وكتب في الشهود
اسم شريح بن هانئ ، ثم أرسلهم مع الكتاب إلى المعاوية
، فلحق بهم شريح ، فلما بلغوا إلى معاوية قرأ الشهادة
على حجر ، وقرأ كتاب شريح ، فإذا فيه : بلغني أن زيادا
كتب شهادتي ، إن شهادتي على حجر أنه يقيم الصلاة ،
ويؤتي الزكاة ، ويديم الحج والعمرة ، ويأمر بالمعروف ،
وينهى عن المنكر ، حرام الدم والمال ، فإن شئت فاقتله
، وإن شئت فدعه .
فقال معاوية : أما هذا فقد أخرج نفسه
من شهادتكم ، وحبس القوم بمرج عذراء ( * ) ، وشفع خواص
معاوية في بعضهم فأطلقهم ، وبعث إلى من بقي منهم يعرض
عليهم البراءة من علي ، واللعن له وإلا قتلهم ، فقالوا
: لسنا فاعلين ذلك ، فحفروا لهم القبور ، وأحضرت
| |
( 151 ) تاريخ الطبري ،
ط . أوربا 2 / 113 . |
( * ) مرج عذراء : حوالي دمشق . ( * )
|
|
|
الاكفان ، وقام حجر وأصحابه
يصلون عامة الليل ، فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم ،
فقال لهم حجر : أتركوني أتوضأ وأصلي ، فإني ما توضأت
إلا صليت . فتركوه فصلى ، ثم انصرف منها وقال : والله
ما صليت صلاة قط أخف منها ، ولولا أن تظنوا في جزعا من
الموت لاستكثرت منها ، ثم قال : اللهم إنا نستعديك على
أمتنا . . أما والله لان قتلتموني بها فإني لأول
المسلمين كبر في نواحيها ( 152 ) ، وأول فارس من
المسلمين هلك في واديها . .
ثم مشى إليه قاتله بالسيف
، فارتعد ، فقالوا له : زعمت أنك لا تجزع من الموت ،
فابرأ من صاحبك ، وندعك ، فقال : ومالي لا أجزع ! وأرى
قبرا محفورا ، وكفنا منشورا ، وسيفا مشهورا ، وإني
والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب ، فقتلوه
وقتلوا ستة معه ، وقال اثنان منهما : إبعثوا بنا إلى
أمير المؤمنين ، فإنا نقول في هذا الرجل مقالته ، فأذن
لهما معاوية ، فقال لاحدهما : أتبرأ من دين علي الذي
يدين الله به ؟ فسكت ، فشفعوا فيه ، فأطلق سراحه ،
ونفاه إلى الموصل ، وأما الآخر ، فقال له معاوية : يا
أخا ربيعة ! ما تقول في علي ؟ قال : دعني ولا تسألني
فهو خير لك ! قال : والله لا أدعك ، قال : أشهد أنه
كان من الذاكرين لله تعالى كثيرا ، ومن الآمرين بالحق
، والقائمين بالقسط ، والعافين عن الناس ، قال : فما
قولك في عثمان ؟ قال : هو أول من فتح أبواب الظلم ،
وأغلق أبواب الحق ، قال : قتلت نفسك ! قال : بل إياك
قتلت ، ولا ربيعة بالوادي ، يعني ليشفعوا فيه . فرده
معاوية إلى زياد ، وأمره ان يقتله شر قتلة فدفنه حيا (
153 ) .
وفي الاستيعاب ( 154 ) : ان حجرا قال لمن حضره
من أهله : لا تنزعوا عني
| |
( 152 ) قد ذكر ابن كثير
بترجمة حجر من أسد الغابة : أنه قالها
أول ما قدم مرج عذراء .
( 153 ) أوردتها ملخصة من الطبري 6 / 155
160 ، ط . أوربا 2 / 111 143 ، في ذكره حوادث سنة احدى وخمسين ، وابن الاثير كذلك 3 / 202 209 ، وراجع
الاغاني 16 / 10 وابن عساكر 2 / 379 .
( 154 ) في
الترجمة 548 من الاستيعاب ، وأسد الغابة 1 / 385 386 ،
وهو حجر بن عدي الادبر الكندي الملقب بحجر الخير ،
وكان من فضلاء الصحابة وفد إلى النبي ، وشهد القادسية . ( * ) |
|
|
حديدا ، ولا تغسلوا عني دما
، فإني ملاق معاوية على الجادة .
قتل معاوية كثيرا من
شيعة علي من أشباه حجر وعذب . وذلك حنقا منه عليهم
وتوطيدا لملكه ، وفي سبيل تشييد ملكه لم يرتدع معاوية
عن أي منكر يفعله بأعدائه ، أو أوليائه . وقد انصرف في
أول عهده إلى توطيد أساس ملكه . ومن بعده إلى توريثه
لعقبه .
|