|
- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد
مرتضى العسكري ج 1 ص 47 : -
|
|
نتيجة البحث
على أثر انتشار
الجوع والفقر في شبه الجزيرة العربية كانت الأسر
الفقيرة في مكة تعتقد ، أي تذهب إلى البر وتستسلم
للموت ، ليموت أفراد الأسرة واحدا بعد الآخر ، وهذا الأمر وإن كان قد عالجه هاشم في مكة إلا أن الفقر كان
سائدا في غيرها من المناطق الفقيرة في شبه الجزيرة
العربية ، إلى حد أنهم كانوا يئدون بناتهم خشية الفقر
والاملاق، ولذلك منعهم الله سبحانه عن ذلك وقال : (
لا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن
قتلهم كان خطأ كبيرا ) ( الاسراء / 55 ) .
ومن ثم قررت
قريش أن يطلق أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله
بناته ليقعده إعالتهم عن القيام بأداء رسالته ، وكل
ذلك كان في الحالات الاعتيادية للإنسان العربي في
العصر الجاهلي ، وبناء على ما ذكرنا ، كيف كانت حالة
الإنسان الذي ترك كل وسائل الحياة في موطنه مكة هاجر
إلى الحبشة في أفريقيا أولا ، ثم إلى المدينة وبعيدا
عن موطنه وأسرته ووسائل عيشه .
في مثل هذا الظرف آوى
رسول الله صلى الله عليه وآله نيفا وثمانين من
المهاجرين الفقراء في صفة مسجده . وتعاون المتمكنون من
المسلمين في إعالتهم .
كان من الحكمة أن يصاهر رسول
الله صلى الله عليه وآله بعض خصومه لتلين قلوبهم عليه
صلى الله عليه وآله وعلى المسلمين . وبسبب ذلك رأيناه
صلى الله عليه وآله قضى عنفوان شبابه مع زوجة أيمة حتى
بلغت خمسا وستين عاما أو دون ذلك من عمرها ، وبلغ عمره
الشريف خمسين عاما .
تزوج بعد وفاتها بأيمة مسنة أخرى
من المسلمات ، ثم عقد على ابنة واحدة غير مزوجة في
حياته الزوجية وتزوج بعدها حفصة بعد أن تأيمت وعرضها
والدها عمر على أبي بكر فلم يرد عليه كلمة ، فغضب من
ذلك . فعرضها على عثمان حين توفيت زوجته رقية بنت رسول
الله صلى الله عليه وآله . فقال عثمان : ما أريد أن
أتزوج اليوم . فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه
وآله .
وأنقذ الرسول صلى الله عليه وآله الموقف
المتأزم بين الصحابة الثلاثة وتزوج حفصة . وتوفي أبو
رهم زوج ميمونة ، فتأيمت في مكة ، فلما ذهب الرسول صلى
الله عليه وآله للعمرة في السنة السابعة من الهجرة
وعرضها زوج أختها العباس على رسول الله صلى الله عليه
وآله ، وتداركها
رسول الله صلى الله عليه
وآله بزواجه بها .
ثم تزوج بعدها من امرأة استشهد
زوجها في غزوة بدر ، وبقيت أيمة لا معيل لها . فأقامت
عنده ثمانية أشهر وتوفيت .
ثم تزوج من ابنة عمته أم
سلمة بعد أن استشهد زوجها في أحد ، وترك زوجته مع
أربعة أولاد لا معيل لهم .
ثم تزوج من ابنة شيخ بني المصطلق القبيلة التي كانت تسكن قريبا من المدينة
وانكسرت في قتالها معه فأطلق الصحابة جميع الأسرى من
قبيلة زوجة الرسول صلى الله عليه وآله . وبذلك أصبحت
قبيلة بني المصطلق من أنصار الرسول صلى الله عليه وآله
والمسلمين .
وكذلك فعل في زواجه بصفية ابنة رئيس
اليهود في حصن قموص من قرى خيبر .
وفي عمرة القضاء
تزوج ميمونة بمكة بعد ما تأيمت وبقيت بين المشركين
وأخذها معه إلى المدينة .
وزوج ابنة عمته زينب حفيدة
عبد المطلب من مولاه زيد وكان قد تبناه . وبذلك كسر
العرف الجاهلي في الاعتداد بالنسب . وجعل الكفء في
الزواج : الاسلام والايمان .
غير أن زينب لم تطق ذلك
وجعلت من الحياة الزوجية في بيت زيد جحيما لا يطيق
تحمله زيد . وكان يشكو ذلك إلى رسول الله صلى الله
عليه وآله ويريد الفراق منها ، ويصبره الرسول عليها .
فأخبره الله أن عليه أن يتزوج مطلقة زيد الذي تبناه
ليكسر بذلك عرفا جاهليا آخر وهو احتسابهم الابن
المتبنى في جميع الشؤون كالابن من صلب أبيه . فأطاع
الرسول صلى الله عليه وآله أمر الله في ذلك .
ثم تزوج
من أم حبيبة ابنة ألد أعدائه وشيخ قريش بعد أن هاجرت
مع زوجها إلى الحبشة وتوفي زوجها وبقيت بلا معيل في
بلد الغربة ، فهل تعود إلى دار إبيها وأمها في دار
الشرك ليفتنوها عن دينها . أم ماذا تصنع ؟ وإذابها
يشملها حنو الرسول صلى الله عليه وآله ويخطبها ويجري
عقد النكاح بكل مظاهر الاحترام ، ويبلغ أبا سفيان
الخبر فيقول ما يدل على اعتزازه بهذه المصاهرة أنه :
الفحل لا يقدع أنفه .
وتتجلى حكمة تعدد زوجات الرسول
صلى الله عليه وآله في أخبار الواهبات أنفسهن ، فقد كن
يتهافتن على رسول الله ( ص )
تهافت الفراش على النور . كما دل على
ذلك الاخبار السابقة .
ولا
عجب من ذلك ، فإن المرأة إنسانة تحتاج الحياة الزوجية
إلى جنب حاجاتها المعيشية الأخرى . ولم يكن من المعيب
على المرأة المسلمة أن تظهر هذه الحاجة إلى نبيها دون غيره ، ويتضح ذلك في خبر المرأة التي عرضت نفسها على
النبي ( ص ) وقالت : إني وهبت نفسي ، فقامت طويلا .
فقال رجل : زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة ، فقال النبي : هل عندك من شيء تصدقها ؟ قال : ما عندي إلا
إزاري ! فقال : إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك ،
التمس شيئا . فقال : ما أجد شيئا . فقال التمس ولو
خاتما من حديد ، فلم يجد . فقال : أمعك من القرآن شيء ؟
قال : نعم ، سورة كذا وسورة كذا وسماها ، فقال : زوجتك
بما معك من القرآن
* * *
وهكذا يتضح لنا بجلاء وجوه
الحكمة في تزوج الرسول صلى الله عليه وآله ببضع عشر
امرأة مؤمنة ، غير أن أحاديث أم المؤمنين عائشة التي
سبق إيراد بعضها ونورد بعضا منها في البحث الآتي
وبعضها الآخر في المجلد الثاني إن شاء الله تعالى .
إن
تلكم الأحاديث من أم المؤمنين عائشة هي التي شوشت تلكم
الأخبار فإنها تلقي في الذهن أن تعدد الزوجات من قبل
الرسول صلى الله عليه وآله كان استجابة منه لهوى النفس
- معاذ الله - فإن أصحاب الصحاح والسنن من الأحاديث
رووا عنها - مثلا - أنها قالت لرسول الله صلى الله
عليه وآله بعدما نزل قوله تعالى : (
ترجي من تشاء
وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك
) قالت : والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك .
إننا
نرى أن أم المؤمنين عائشة يمكن أن تتحدث بمثل هذا
الحديث بعد عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وفي
حكومة الخلفاء وحين كانت المتحدثة الرسمية للحكومة ،
أما أن تخاطب الرسول صلى الله عليه وآله وتقول له في
عصر حكومته في المدينة : ( ما أرى ربك إلا يسارع لك في
هواك ) لا يمكن أن يقع ذلك ، لان في هذا القول طعنا
بمنشأ الوحي إذ أن منشأه هوى نفس الرسول صلى الله عليه
وآله - معاذ الله - ،
بل وطعن في منزلة الوحي
تعالى شأنه عن ذلك . ومهما يكن من أمر فان أمثال هذا
الحديث من أم المؤمنين عائشة حجبت الرؤية الصحيحة
لحكمة تزوج الرسول صلى الله عليه وآله بأكثر من عشر من
المؤمنات به ، وألقت في الأذهان أن ذلك كان منه صلى
الله عليه وآله بدافع هوى النفس ومتابعتها ، واستفاد
منها خصوم الإسلام في ما كتبوا ونشروا عن رسول الله
صلى الله عليه وآله ما نشروا .
وأخيرا وبعد انتشار
أمثال هذه الأحاديث في كتب صحاح الحديث ومسانيدها ألا
ينبغي لنا أن نقوم بدراسات في سبيل تمحيص سنة الرسول
صلى الله عليه وآله ، إذا فليعذرنا العاتبون اللائمون
! ! مؤاخذة أبناء الغرب الزواج المبكر لدى المسلمين
بالإضافة إلى ما ذكرنا يؤاخذ أبناء الغرب على رسول
الله صلى الله عليه وآله زواجه بعائشة في صغر سنها ،
والسبب في ذلك أنهم دائما يتخذون من مجتمعهم وأعرافهم
مقياسا لمعرفة الحق والباطل ، فما وافق أعرافهم في
مجتمعهم حق وتقدم وإنسانية ، وباطل وجهل وتخلف ما
خالفها .
وإذا درسنا الظروف الخاصة بكل من المجتمع
الشرقي والغربي أدركنا أن المناخ في مثل المحيط الهندي
وشبه الجزيرة العربية حار يؤدي إلى النضج المبكر في
البنت ، فهي ترى العادة الشهرية في سن مبكر ، وليس
الأمر كذلك في مناخ شديد البرودة مثل مناخ الغرب ولذلك
فان الزواج بصغيرة السن كان عاما في ذلك المناخ ولم
يخص الرسول صلى الله عليه وآله ، ولم يكن يتأخر زواج
الصغيرة عندهم إلا لظروف خاصة بالبنت ، وفي الغرب -
أيضا - تنكح البنت الصغيرة لكن لا من قبل زوجها بل من
قبل أخلائها ، ولا تدخل البنت في بيت زوجها بكرا
وبلغني أن دخولها على زوجها بكرا يعد منها تخلفا وجهلا
.
وبعد ذلك لست أدري هل تنقطع صلة الخليلين بعضهم مع
بعض بعد الزواج في محيط يختلط فيه الجنسان بحرية مطلقة
! وكيف يكون أمر طهارة
المولد في مثل هذا المحيط ؟
أما في الإسلام فانه يحرم اتخاذ الخليل على الجنسين
كما قال سبحانه وتعالى : ( ولا متخذات أخذان ) (
النساء / 24 ) وقوله تعالى : ( ولا متخذي أخذان
) (
المائدة / 51 ) والمقصود من الخدن هنا الصديق من الجنس
الآخر وجمعه الاخدان ، كما يعاقب الإسلام العقوبة على
الاتصال الجنسي غير المشروع ويجلد الطرفين مائة جلدة
إذا لم يكن لديهما سبيل إلى الاتصال الجنسي المشروع ،
وفي حالة الاتصال الجنسي غير المشروع مع وجود الزوج
للمرأة وللرجل الزوجة أو المملوكة يرجم الزاني منهما ،
وفي مثل هذا المجتمع يتيسر المحافظة على طهارة النسل ،
أما في المجتمع الغربي المتحلل عن كل هذه القيود كيف
يتيسر المحافظة على طهارة النسل ؟
لست أدري ! بعد
ذكرنا الحكمة في تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وآله
ندرس في ما يأتي أدوارا من حياة أم المؤمنين عائشة :
|