- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 1  ص 330 : -

توريث السلطة


إن معاوية لما تم الأمر له أراد أن يجعله وراثة في عقبه فأخذ يدبر الامر لذلك .

قال ابن عبد ربه ( 155 ) : " ولم يزل يروض الناس لبيعته أي بيعة يزيد سبع سنين . يشاور ويعطي الأقارب ويداني الأباعد " وكان شأنه في ذلك شأنه في تشييد الملك لنفسه في بادئ أمره . ففي كلتا الحالتين كان يغري بالامرة والمال ، وإن أعيته الحيلة لم يتورع عن أي شئ حتى القتل والاغتيال .


بيعة يزيد في الكوفة :

قال ابن الاثير ( 156 ) : وكان ابتداء بيعة يزيد وأوله من المغيرة بن شعبة ، فإن معاوية أراد أن يعزله عن الكوفة ، ويستعمل عوضه سعيد بن العاص ، فبلغه ذلك ، فسار إلى معاوية ، وقال لأصحابه : إن لم أكسبكم ولاية وإمارة لا أفعل ذلك أبدا ، ومضى حتى دخل على يزيد وقال له : قد ذهب أعيان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ، وكبراء قريش ، وذوو أسنانهم ، وإنما بقي أبناؤهم ، وأنت من أفضلهم ، وأحسنهم رأيا ، وأعلمهم بالسنة والسياسة ، ولا أدري ما

  ( 155 ) العقد الفريد في تاريخ الخلفاء 3 / 129 ط . الجمالية .
( 156 ) في حوادث سنة ست وخمسين من ابن الاثير 3 / 214 215 ، والطبري 6 / 169 170 . ( * )
 
 

- ج 1  ص 331 -

يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة ، قال : أو ترى ذلك يتم ؟ قال : نعم . فأخبره يزيد أباه ، فأحضر المغيرة ، واستخبره ، فقال المغيرة : قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان ، وفي يزيد منك خلف فاعقد له ، فإن حدث بك حادث كان كهفا للناس ، وخلفا منك ، ولا تسفك دماء ، ولا تكون فتنة ، قال : ومن لي بهذا ؟ قال : أكفيك أهل الكوفة ، ويكفيك زياد أهل البصرة ، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك .

قال : فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك ، وترى ونرى ، فرجع إلى أصحابه ، وقال : لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد ، وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا ، ثم رجع المغيرة إلى الكوفة ، وأوفد مع ابنه موسى عشرة ممن يثق بهم من شيعة بني أمية ، وأعطاهم ثلاثين ألف درهم ، فقدموا عليه ، وزينوا له بيعة يزيد ، فقال معاوية : لا تعجلوا بذا ، وكونوا على رأيكم ، ثم قال لموسى سرا : بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال : بثلاثين ألفا ، قال : لقد هان عليهم دينهم !


زياد في بيعة يزيد :

وكتب معاوية إلى زياد وهو بالبصرة : أن المغيرة قد دعا أهل الكوفة إلى البيعة ليزيد بولاية العهد بعدي ، وليس المغيرة بأحق بابن أخيك منك ، فإذا وصل إليك كتابي فادع الناس قبلك إلى مثل ما دعاهم إليه المغيرة ، وخذ عليهم البيعة ليزيد ، فلما قرأ زياد الكتاب دعا برجل من أصحابه يثق بفضله وفهمه فقال : إني أريد أن أئتمنك على ما لم آتمن عليه بطون الصحائف ، إيت معاوية ، فقل له : يا أمير المؤمنين ! إن كتابك ورد علي بكذا ، فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد وهو يلعب بالكلاب والقرود ! ويلبس المصبغ ! ويدمن الشراب ! ويمشي على الدفوف ، وبحضرتهم الحسين بن علي ، وعبد الله ابن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ! ولكن تأمره أن يتخلق بأخلاق هؤلاء حولا وحولين ، فعسنا أن نموه على الناس . فلما صار الرسول   

- ج 1  ص 332 -

إلى معاوية وأدى إليه الرسالة ، قال : ويلي على ابن عبيد ! والله لقد بلغني أن الحادي حدا له " إن الأمير بعدي زياد " ، والله لأردنه إلى أمه سمية وأبيه عبيد ( 157 ) .


وفي الطبري وابن الاثير ( 158 ) بتفصيل أوفى . وفيه : إن الرسول قال لزياد : لا تفسد على معاوية رأيه ، ولا تبغض إليه ابنه ، وألفي أنا يزيد فأخبره أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في البيعة له وأنك تتخوف خلاف الناس عليه لهنات ينقمونها عليه ، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه . وأن زيادا قبل ذلك ، فقدم الرسول على يزيد فذكر ذلك له ، فكف عن كثير مما كان يصنع ، وكتب زياد معه إلى معاوية يشير بالتؤده وأن لا يعجل ، فقبل منه ، فلما مات زياد عزم على البيعة لابنه يزيد فأرسل إلى عبد الله بن عمر مائة ألف درهم فقبلها فلما ذكر البيعة ليزيد ، قال ابن عمر : هذا أراد ! إن ديني إذن علي لرخيص ( 159 ) .


بيعة يزيد في الشام :

قال ابن عبد البر في الاستيعاب ( 160 ) : إن معاوية لما أراد البيعة ليزيد خطب أهل الشام وقال لهم : يا أهل الشام ! قد كبرت سني ، وقرب أجلي ، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاما لكم ، وإنما أنا رجل منكم ، فأروني رأيكم ، فأصفقوا واجتمعوا وقالوا : رضينا عبد الرحمن بن خالد ، فشق ذلك على معاوية ، وأسرها في نفسه ، ثم إن عبد الرحمن بن خالد مرض ، فأمر

  ( 157 ) اليعقوبي في تاريخ ط . أوربا 2 / 261 262 .
( 158 ) الطبري 6 / 169 170 ، وابن الاثير 3 / 214 215 .
( 159 ) وفي تاريخ ابن كثير 9 / 5 ، وذكر قبول ابن عمر ذلك ، وفي الحلية 1 / 296 ولم يذكر وقت ارساله إليه .
( 160 ) الاستيعاب 2 / 396 بترجمة عبد الرحمن المرقمة 1697 ، وأسد الغابة 3 / 289 . وعبد الرحمن هو ابن خالد بن الوليد المخزومي ، قال ابن عبد البر : وكان ممن أدرك النبي ، وكان من فرسان قريش وشجعانهم ، وكان له فضل ، وهدى حسن ، وكرم ، إلا أنه كان منحرفا عن علي ، وذكر أن أخاه المهاجر الآتي ذكره كان مع علي بصفين . ( * )
 
 

- ج 1  ص 333 -

معاوية طبيبا عنده يهوديا وكان عنده مكينا أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها ، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات .

وقال الطبري وابن الاثير ( 161 ) : وأمر ابن اثال النصراني أن يحتال في قتله ، وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه خراج حمص . . . فوفى معاوية بما ضمن له .


وقال ابن عبد البر : ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفيا ، هو وغلام له ، فرصدا ذلك اليهودي ، فخرج ليلا من عند معاوية ومعه قوم هربوا عنه ، فقتله المهاجر ، ثم قال ابن عبد البر : وقصته مشهورة عند أهل العلم .


بيعة يزيد في المدينة :

في الإمامة والسياسة : إن معاوية كتب إلى مروان وكان واليه على المدينة أن يذكر بيعة يزيد لهم ، فأبى ذلك ، وأبته قريش ، وكتب إلى معاوية : إن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك ، فأرني رأيك ، فعزله معاوية عن عمله ، وولى سعيد بن العاص المدينة ، فذهب مروان مع جمع من بني أمية إلى الشام غضبان ، وأغلظ الكلام لمعاوية ، فقابله معاوية باللين ، وزاد في عطائه ، وأرجعه راضيا ( 162 ) .

  ( 161 ) الطبري 6 / 128 ، وابن الاثير 3 / 195 وقد ذكرا : أن خالد بن عبد الرحمن بن خالد هو الذي قتل ابن آثال ، وقد ذكر اغتياله كذلك في المغتالين من الاشراف ص 47 ، وابن كثير في حوادث سنة 46 ، 8 / 31 ، والاغاني 14 / 13 ، وأورده ابن شحنة مختصرا . راجعه بهامش ابن الاثير 11 / 133 . وقال ابن أبي أصيبعة في كتابه " عيون الانباء في طبقات الاطباء " ص 171 ، ط . بيروت 1965 ما يلي : وكان ابن آثال خبيرا بالادوية المفردة والمركبة وقواها ، وما منها سموم قواتل . وكان معاوية يقر به لذلك كثيرا . ومات في أيام معاوية جماعة كثيرة من أكابر الناس والأمراء من المسلمين بالسم .

( 162 ) الإمامة والسياسة 1 / 144 146 ، وقد أوردته ملخصا ، واورده المسعودي باختصار مع اختلاف في جواب معاوية له . راجع المسعودي تحقيق محمد محيي الدين 3 / 37 . ( * )

 
 

- ج 1  ص 334 -

ثم أراد معاوية أن يغري بين بني أمية ليفرق كلمتهم ، فأمر سعيد بن العاص بهدم دار مروان ، وتصفية أموال ، كما حدث بذلك ابن الاثير وقال ( 163 ) : في سنة أربع وخمسين عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة ، واستعمل مروان ، وكان سبب ذلك : أن معاوية كان قد كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان ، ويقبض أمواله كلها ليجعلها صافية ، ويقبض منه فدك ، وكان وهبها له ، فراجعه سعيد بن العاص في ذلك ، فأعاد معاوية الكتاب بذلك ، فلم يفعل سعيد ، ووضع الكتابين عنده ، فعزله معاوية ، وولى مروان ، وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد ابن العاص ، وهدم داره ، فأخذ الفعلة وسار إلى دار سعيد ليهدمها فقال له سعيد : يا أبا عبد الملك ! أتهدم داري ؟ قال : نعم .

كتب إلي أمير المؤمنين ، ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت . فقال : ما كنت لافعل . قال : بلى والله ، قال : كلا ! وأراه كتابي معاوية إليه بذلك ، وقال له : إنما أراد معاوية أن يحرض بيننا ، فقال مروان : أنت والله خير مني ، وعاد ولم يهدم دار سعيد

وكتب سعيد إلى معاوية : العجب مما صنع أمير المؤمنين ينافي قرابتنا ، إنه يضغن بعضنا على بعض ، فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الاخبثين ، وعفوه ، وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء ، وتوارث الأولاد ذلك ، فوالله لو لم نكن أولاد أب واحد إلا لما جمعنا الله عليه من نصرة أمير المؤمنين الخليفة المظلوم ، واجتماع كلمتنا ، لكان حقا على أمير المؤمنين أن يرعى ذلك ، فكتب إليه معاوية يعتذر . 
 

  ( 163 ) ابن الاثير 3 / 212 213 ، والطبري 6 / 164 165 . ( * )   
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب