- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 1  ص 342 : -

إننا نعلم أن محمد بن أبي بكر كان قد قتل سنة سبع وثلاثين ، وحجر بعد الخمسين ، فلماذا سكتت أم المؤمنين كل هذه السنوات الطوال عن مطالبة معاوية بدم أخيها ، حتى إذا قتل حجر ذكرته ! ؟

نرى أن السبب في ذلك أنها كانت قد أوفدت الحارث من المدينة إلى الشام تشفع في حجر ، وانتشر خبر ذلك في البلاد وفيما الناس مع أم المؤمنين واثقون من نجاح مسعاها ، وإذا بالوفد يرجع خائبا ، ولم يسبق لها مثل ذلك ، فعظم عليها ، وغضبت على معاوية ، وجابهته بقوارص الكلم ، وذكرته بدم أخيها المهدور بعد زهاء خمس عشرة سنة ، فلان لها معاوية ، وذكرها بما بينهما ، وبسوابقه في قضاء حوائجها ،  

- ج 1  ص 343 -

غير أن كل ذلك لم يخفف من سورة غضبها ، وبقيت حانقة عليه خاصة ، وعلى بني أمية عامة ، لان الخلاف بينهما كان قد اتسعت شقته بعد مخالفة عبد الرحمن شقيق أم المؤمنين لبيعة يزيد ، وموته الفجائي إثر هذه المخالفة .


وقد أخرج البخاري قصة مخالفته باخترال في صحيحه ( 190 ) وقال : كان مروان واليا على الحجاز استعمله معاوية ، فخطب فجعل يذكر يزيد ابن معاوية لكي يبايع بعد أبيه ، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا ، فقال : خذوه ، فدخل بيت عائشة ، فلم يقدروا عليه ، فقال مروان : إن هذا الذي أنزل الله فيه : " والذي يقول لوالديه أف لكما أتعدانني " فقالت عائشة من وراء الحجاب : ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري .


وروى ابن الاثير ( 191 ) أن معاوية كتب إلى مروان في بيعة يزيد ، فقام مروان خطيبا فقال : إن أمير المؤمنين قد اختار لكم ، فلم يأل ، وقد استخلف ابنه يزيد بعده ، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر . فقال : كذبت والله يا مروان ! وكذب معاوية . ما الخيار أردتما لأمة محمد ، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية ، كلما مات هرقل قام هرقل فقام مروان : هذا الذي أنزل الله فيه " والذي قال لوالديه أف لكما " الآية ، فسمعت عائشة مقالته من وراء الحجاب ، فقامت من وراء الحجاب ، وقالت : يا مروان ! يا مروان ! فأنصت الناس ، وأقبل مروان بوجهه ، فقالت : أنت القائل لعبد الرحمن إنه نزل فيه القرآن ؟ ! كذبت والله ما هو به ، ولكنه فلان بن فلان ، ولكنك فضض من لعنة الله .

وفي رواية ، فقالت : كذب والله ! ما هو به ، ولكن رسول الله لعن أبا

  ( 190 ) البخاري 3 / 126 ، في تفسير سورة الاحقاف .
( 191 ) ابن الاثير 3 / 199 في حوادث سنة 56 ، وينبغي أن تكون هذه القصة بعد القصة الاولى من أمره مروان بهدم دار سعيد وبالعكس وبعد أن روض من نفوس بني أمية على أخذ البيعة ليزيد . ( * )
 
 

- ج 1  ص 344 -

مروان مروان في صلبه ، فمروان فضض من لعنة الله عزوجل ( 192 ) . إنتهى .


لم يتمكن مروان من أخذ البيعة ليزيد ، فقدم معاوية الحجاز حاجا ، ودخل المدينة وكان من خبره معهم ما ذكرنا بعضه ، ومن خبرهم أيضا ما رواه ابن عبد البر ( 193 ) حيث قال : قعد معاوية على المنبر يدعو إلى بيعة يزيد ، فكلمه الحسين بن علي ، وابن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ، فكان كلام ابن أبي بكر : أهرقلية ! ؟ إذا مات كسرى كان كسرى مكانه ، لا نفعل والله أبدا .

وبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد ، فردها عليه عبد الرحمن ، وأبى أن يأخذها ، وقال : أبيع ديني بدنياي ! ؟ فخرج إلى مكة ، فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد ابن معاوية .

وذكر ابن عبد البر بعده وقال : إن عبد الرحمن مات فجأة بموضع يقال له : " الحبشي " ( 194 ) على نحو عشرة أميال من مكة فدفن بها ، ويقال : إنه توفي في نومة نامها ، ولما اتصل خبر موته بأخته عائشة أم المؤمنين ( رض ) ظعنت من المدينة حاجة حتى وقفت على قبره ، وكانت شقيقته ، فبكت عليه وتمثلت :

وكنا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
( 195 )

  ( 192 ) أخرج القصة بتفصيلها في الاغاني 16 / 90 91 ، وراجع ترجمة الحكم بن أبي العاص من الاستيعاب ، وأسد الغابة ، والاصابة ، والمستدرك 4 / 481 ، وابن كثير 8 / 89 ، وراجع الاجابة ص 141 ، وترجمة عبد الرحمن في ابن عساكر 4 / 226 ، و " الفضض " القطعة من الشئ .
( 193 ) بترجمة عبد الرحمن من الاستيعاب 2 / 393 ، وأسد الغابة 3 / 306 ، والاصابة 2 / 400 ، وشذرات الذهب في حوادث سنة 53 ه‍ ، وقريب منه في المستدرك 3 / 476 .
( 194 ) قال الحموي : الحبشي : جبل بأسفل مكة بينه وبين مكة ستة أميال مات عنده عبد الرحمن فجأة ، فحمل على رقاب الرجال إلى مكة ، فقدمت عائشة من المدينة ، وأتت قبره وصلت عليه وتمثلت البيتين .
( 195 ) البيتان لمتمم بن نويرة اليربوعي في مرثية لاخيه مالك حين قتله خالد بن الوليد يوم البطاح ، وجذيمة : هو جذيمة بن الابرش من ملوك الحيرة وكان له نديمان ضرب بهما المثل . يقول متمم : كنت وأخي مالك كنديمي جذيمة مدة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا ، ولما تفرقنا بعد قتله أصبحنا كأننا لم نبت معا ، وتمثلت أم المؤمنين بالبيتين في شأنها وأخيها عبد الرحمن . راجع مروج الذهب للمسعودي في ذكره ملوك الحيرة .( * ) 
 
 

- ج 1  ص 345 -

أما والله لو حضرتك لدفنتك حيث مكانك ، ولو حضرت ما بكيت . وفي المستدرك : رقد في مقيل قاله فذهبوا يوقظونه فوجدوه قد مات فدخل نفس عائشة تهمة أن يكون صنع به شر وعجل عليه فدفن وهو حي .

دب الخلافة بين أم المؤمنين وبني أمية من جديد ، ووقع الشر ، وخسرت أم المؤمنين في هذه المعركة شقيقها عبد الرحمن ، حيث مات ميتة مجهولة ، بل ميتة معلومة حين مات في طريقه إلى مكة ، كما مات الأشتر ( 196 ) في طريقه إلى مصر ، مات عبد الرحمن بن أبي بكر كما مات عبد الرحمن بن خالد ، وسعد بن أبي وقاص ، والحسن بن علي ، مات هؤلاء جميعا ليفسحوا المجال لاخذ البيعة ليزيد .


وقع الشر بين أم المؤمنين وبني أمية من جديد ، وفقدت أم المؤمنين شقيقها في هذه المرة ، وليس لها من الانصار ما تستطيع أن تقيمها حربا عوانا على بني أمية بعد أن فقدت طلحة والزبير ، ومحمد بن طلحة وعبد الرحمن بن أبي بكر إلى آخرين ، فتمثلت بشعر لبيد :

  ( 196 ) الاشتر هو مالك بن الحرث النخعي ، أدرك الرسول ، وكان رئيس قومه ، شترت عينه في اليرموك ، فلقب بالاشتر ، وله مواقف شهيرة في الجمل وصفين مع علي ، وفي سنة ثمان وثلاثين ولاه على مصر ، فدس معاوية إلى دهقان كان بالعريش العريش كانت مدينة من أول أعمال مصر من ناحية الشام أن احتل بالسم للاشتر ، فأترك لك خراجك عشرين سنة ، فلما نزل الاشتر العريش سمه الدهقان في عسل ، فقال معاوية : " لله جنود من العسل " ، مروج الذهب ط . بيروت 2 / 139 ، وراجع المغتالين من الاشراف ص 39 ، واليعقوبي 2 / 139 ط . بيروت ، ومعجم البلدان لغة بعلبك ، وشرح النهج 2 / 29 ، وترجمته من الاستيعاب ، وأسد الغابة ، والاصابة ، والطبري في حوادث سنة 38 39 . ( * )   
 

- ج 1  ص 346 -

ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الاجرب
لا ينفعون ولا يرجى خيرهم * ويعاب قائلهم وان لم يشغب


تقدم السن بأم المؤمنين ، فلا تستطيع الركوب وقطع المفاوز لاشعال نار الحرب على آل أمية بالسيف ، فأعلنت عليهم حرب الدعاية ، وبدأت بمروان أمير المدينة الغشوم ، فجابهته بما ورد عن الرسول في أبيه ، من لعنه أباه ، وهو في صلبه ، وأنه فضض من لعنة الله ، ونرى أنها لم تكتف بذكر الحديث في ذم بني أمية حسب ، وانما أخذت تحدث في هذا الدور بما سمعته عن رسول الله في فضل علي وفاطمة وأمها خديجة ، إرغاما لبني أمية عامة ، ولمعاوية خاصة ، فإنه لم يكن أشد على معاوية من نشر فضائل علي وفاطمة .


وخاصة لمكان الحسين بين المسلمين ، فقد كان يومذاك المرشح الأول للخلافة الإسلامية ، إذن فما ورد من الحديث النزر اليسير عن أم المؤمنين في فضل علي وفاطمة وأمها خديجة ينبغي أن يكون ذلك كله في هذا الدور .
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب