- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 1  ص 366 : -

دواعي وضع الحديث :


في عصر معاوية انتشر أصحاب الرسول - المستضعفون في الأرض الذين كانوا قد التفوا حول علي في عصره ( 246 ) في البلاد بعد عام الجماعة ، والتف

  ( 246 ) في تاريخ الإسلام للذهبي ( 2 / 149 ) : كان مع علي يوم الجمل ثمانمائة من الانصار وسبعمائة ممن شهد بيعة الرضوان ومائة وثلاثون بدريا .

وفي تاريخ ابن خياط ( 1 / 180 ) كان مع علي صفين ثمانمائة ممن شهد بيعة الرضوان ، وفي صفين لنصر بن مزاحم ( 449 ) قال قيس بن سعد بن عبادة لنعمان بن بشير وكان هو ومسلمة بن مخلد مع معاوية في صفين : " أنظر يا نعمان ! هل ترى مع معاوية الا طليقا أو أعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور ، أنظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون الذين رضي الله عنهم ، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك ، ولستما والله ببدريين ، ولا عقبيين ، ولا أحديين ، ولا لكما سابقة في الإسلام ، ولا آية في القرآن ، ولعمري لئن شغبت علينا لقد شغبت علينا أبوك "  يقصد من العقبيين الانصار الذين بايعوا الرسول في العقبة بمنى قبل هجرة النبي إليهم ، ويقصد من شغب أبيه عليهم ، خلافه لهم يوم سقيفة بني ساعدة وسبقه إلى بيعة أبي بكر يومذاك . ( * )

 
 

- ج 1  ص 367 -

المسلمون حولهم في كل مكان يستمعون إلى أحاديثهم ويأخذون منهم معالم دينهم ، وكان الحديث يوم ذاك يدور في أندية المسلمين عن صفين ، والجمل ، والفتنة في عصر عثمان ، وفي كله ذم لامية ، وعن الفتوح في عصر الخليفتين ، وجل ما فيه من المدح لغير أمية ، ويتبارى أصحاب الرسول في ذكر غزواته وحروبه ، وتعذيب قريش إياهم ، وهنالك تشخع النفوس ، وتستمع إلى الحديث بإجلال وإكبار .


والحديث هذا كما ذكرنا كله مجد لهاشم ، وفي جله ذم لامية ، فإنهم كانوا يذكرون للناس ( 247 ) غزوة بدر ، وكيف قتلوا جد معاوية وخاله وأخاه وغيرهم من أفراد أسرته ، وكيف سبوا فيها من سبوا من أهله وذويه ، ويذكرون غزوة أحد ، وكيف بقرت عند عن كبد حمزة ولاكته ، وكيف نادى أبو سفيان فيها : أعل هبل ، وينشدون شعر حسان في هند ، وما هجاها به ، وما كانوا يغمزون من نسب معاوية .


ويذكرون إسلام أبي سفيان وبنيه ، وكيف ألف النبي قلوبهم على الإسلام بالمال في حنين ، ويذكرون أن أبا سفيان لم يكن مخلصا في إسلامه ، فقد قال بعد إسلامه : لو عاودت الجمع لهذا الرجل .

وقال في حنين : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر . وقال يوم اليرموك حين رأى فرار المسلمين : إيه بني الاصفر ! وعندما ركبهم المسلمون : ويح بني الاصفر ! وأنشد :

وبنو الاصفر الكرام ملوك ال‍ * روم لم يبق منهم مذكور

كل هذا يجري في سلطان معاوية والعربي في الجزيرة كان لا يعنى بشئ عنايته بالتغني بأمجاد القبيلة ، ينفق ما عز وغلا في سبيل نشر مآثرها ، وهذا ما لم يمح أثره الإسلام ، وإنما خففه في نفوس النزر اليسير من معتنقيه ، ولم يكن معاوية من ذلك النزر اليسير ، فإنه لم يتطبع بالخلق الإسلامي في مدة مكثه

  ( 247 ) ولولا تحديثهم بكل ذلك لما انهت الينا أخبار تلك الغزوات بتفاصيلها . ( * )   
 

- ج 1  ص 368 -

القصيرة ، بالمدينة ، وكيف يكون غير هذا وقد رأيناه في أيام إمارته بالشام يأكل الربا ، ويحمل إليه روايا الخمر ، ويتلاعب بأموال المسلمين ، ويقوم الخطيب ويمدحه في وجهه ، ويعقد المجالس للمفاخرة ، ويقول في بعضها : قد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها إلا ما جعل الله لنبيه ( ص ) فإنه انتخبه وأكرمه ، وإني لاظن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازما ( 248 ) .


أرأيت مفاخرة أبعد من هذه في التيه ! يرى أن أباه لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازما .

وان أباه كان أكرمها وابن أكرمها لولا نبوة النبي ! كان هذا حد مفاخرته في أيام إمارته ، أما في عصر خلافته فقد كان حدود مفاخرته أبعد مدى من هذه وأشد ، فقد اجتمعت لديه يومذاك إلى داعي المفاخرة دواع أخرى ، كانت في حسابه أهم من دواعي التغني بأمجاد القبيلة ، فإنه قد أصبح ملكا يبذل قصارى جهده في تثبيت ملكه وترسيخ أساسه ، وكيف يتم له ذلك وفي المسلمين من يقول له في وجهه مقال صعصعة بن صوحان العبدي : ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجلب على رسول الله صلى الله عليه وآله إنما أنت طليق وابن طليق أطلقكما رسول الله ، فأنى تصح الخلافة لطليق ( 249 ) ؟


ومقال عبد الرحمن بن غنم الأشعري لأبي هريرة وأبي الدرداء عندما أرسلهما معاوية إلى علي : وأي مدخل لمعاوية في الشورى ! ؟ وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة ! وهو وأبوه من رؤوس الأحزاب ( 250 ) ، وكيف يستقر له الأمر بعد قول عمر :

  ( 248 ) في ذكر حوادث سنة 33 من الطبري 5 / 89 ، وابن الاثير 3 / 59 من محاورة بين معاوية والمسيرين من قراء أهل الكوفة إلى الشام ، وقد أوردته باختصار .
( 249 ) راجع أخباره في أيام معاوية من مروج الذهب 3 / 50 ط . السعادة سنة 1377 .
( 250 ) كما في ترجمته من الاستيعاب 2 / 402 وأشار إليه في أسد الغابة 3 / 218 . ( * ) 
 
 

- ج 1  ص 369 -

هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ، ثم في أهل أحد ، ثم في كذا وكذا ، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح ( 251 ) .


وقول علي فيه : وخلاف معاوية إياي الذي لم يجعل الله له سابقة في الدين ، ولا سلف صدق في الإسلام ، طليق ابن طليق ، وحزب من الاحزاب ، لم يزل لله ولرسوله وللمسلمين عدوا هو وأبوه ، حتى دخلا في الإسلام كارهين مكرهين ( 252 ) .

وقال له : واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعقد معهم الإمامة ولا يدخلون في الشورى ( 253 ) .


ومقالة عبد الله بن بديل يوم صفين فيه : ان معاوية ادعى ما ليس له ، ونازع الامر أهله ، ومن ليس مثله . . . إلى قوله : قاتلوا الفئة الباغية الذين نازعوا الامر أهله ، وقد قاتلتهم مع النبي صلى الله عليه وآله ، والله ما هم في هذه بأزكى ولا أتقى ، ولا أبر منها ، قوموا إلى عدو الله ، وعدوكم ، رحمكم الله ( 254 ) .


ومقال عمار فيه : يا أهل الإسلام ! أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما ، وبغي على المسلمين ، وظاهر المشركين ، فلما أراد الله أن يظهر دينه ، وينصر رسوله ، أتى النبي فأسلم ، وهو والله فيما يرى راهب غير راغب ، وقبض الله رسوله صلى الله عليه وآله وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ، ومودة المجرم ؟ ألا وإنه معاوية ، فالعنوه ، لعنه الله ، وقاتلوه فإنه ممن يطفئ نور الله ،

  ( 251 ) أسد الغابة 4 / 387 ، والطبقات ط . ليدن 3 / 248 .
( 252 ) صفين 227 ، والطبري 6 / 4 ، وابن الاثير 3 / 125 .
( 253 ) العقد الفريد في أخبار علي ومعاوية 2 / 284 ، ونهج البلاغة 2 / 5 ، وشرحه 1 / 248 و 3 / 300 .
( 254 ) صفين ص 234 ط . مطبعة المدني ، القاهرة / 1382 ه‍ . والطبري 6 / 9 ، وابن الاثير 3 / 128 ، والاستيعاب 1 / 340 بترجمته ، وشرح النهج 1 / 483 . ( * ) 
 
 

- ج 1  ص 370 -

ويظاهر أعداء الله ( 255 ) .

ومقال الاسود بن يزيد لعائشة : ألا تعجبين من رجل من الطلقاء ينازع أصحاب رسول الله في الخلافة ! ؟ قالت : وما تعجب من ذلك ! ؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر ، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة ، وكذلك غيره من الكفار ( 256 ) .

وكتب إليه الحسن : فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية ! على أمر لست من أهله ، لا بفضل في الدين معروف ، ولا أثر في الإسلام محمود ، وأنت ابن حزب من الأحزاب ، وابن اعدى قريش لرسول الله ، ولكتابه ( 257 ) . .

وقال له شعبة بن غريض : انك كنت ميت الحق في الجاهلية ، وميته في الإسلام . اما في الجاهلية ، فقاتلت النبي والوحي حتى جعل الله كيدك المردود ، وأما في الإسلام ، فمنعت ولد رسول الله صلى الله عليه وآله الخلافة ، وما أنت وهي ! وأنت طليق ابن طليق ! ؟ ( 258 ) .


كيف يستقر له الملك وهذه أقوال أئمة المسلمين فيه ! ؟ حتى ان أم المؤمنين لم تستطع أن تدافع عنه بأكثر من قولها : إن ذلك سلطان الله يؤتيه البر والفاجر . كيف يستقر له الملك ، ويتم له ما يريد من جعل الخلافة وراثة في عقبه ؟ وهذه أقوال أئمة المسلمين فيه ! ، وفي المسلمين الحسن والحسين ، وارثا مجد

  ( 255 ) صفين ص 214 ط . مطبعة المدني القاهرة 1382 ه‍ ، والطبري 6 / 7 ، وابن الاثير 3 / 126 .
( 256 ) الدر المنثور للسيوطي 6 / 19 ، وفي ابن كثير 8 / 131 .
( 257 ) مقاتل الطالبيين 12 ، وشرح النهج 4 / 12 .
( 258 ) في الاغاني ط . دار الفكر 3 / 25 في أخبار شعبة بن غريض ، وأشار إليه ابن حجر في الاصابة في ترجمة شعبة بن غريض المرقمة 3245 ، 2 / 41 . ( * ) 
 
 

- ج 1  ص 371 -

هاشم ، وسبطا الرسول ، وقد خصهما المسلمون بالحب والاكبار ! ؟ إذن لابد لمعاوية في ما يريد من توطيد ملكه ، وتوريثه لعقبه من أن يصرف المسلمين عن بيت علي خاصة إلى بيته ، بيت أمية ، فأعلن على هذا البيت وأشياعه وتابعيه حربا يشيب من هولها الوليد ، وبذل في سبيل هذه الحرب ما ملك من مكر ودهاء ، ومال وقوة ، ولما لم تكن له سابقة حسنة في الإسلام ليتشبث بها فيما يريد ، لم يكن له بد من التذرع بدم عثمان للوصول إلى ما يروم .


روى الطبري ( 259 ) وقال : استعمل معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين ، فلما أمره عليها دعاه وقال له : . . وقد أردت ايصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك ، ولست تارك إيصاءك بخصلة ، لا تترك شتم علي وذمه ، والترحم على عثمان والاستغفار له ، والعيب لاصحاب علي والاقصاء لهم ، والاطراء لشيعة عثمان ، والادناء لهم ، فقال له المغيرة : قد جربت وجربت ، وعملت قبلك لغيرك ، فلم يذممني ، وستبلو فتحمد أو تذم ، فقال : بل نحمد إن شاء الله .


وروى المدائني في كتاب الاحداث وقال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته ، وكان أشد البلاء حينئذ أهل الكوفة .

وكتب معاوية ( 260 ) إلى عماله في جميع الآفاق ألا يجيزوا لاحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة ، وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ، وأهل ولايته ، والذين يروون فضائله ومناقبه ، فأدنوا مجالسهم وقربوهم ، وأكرموهم ، واكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم ، واسمه ، واسم أبيه ، وعشيرته ، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه ، لما كان يبعث إليهم معاوية من الصلات ، والكساء والحباء ، والقطايع ، ويفضيه في العرب

  ( 259 ) في حوادث سنة احدى وخمسين من الطبري 6 / 141 وابن الاثير 3 / 178 ، واللفظ لابن الاثير .
( 260 ) قد نقل كتاب معاوية هذا أيضا أحمد أمين في فجر الإسلام 275 . ( * )
 
 

- ج 1  ص 372 -

منهم والموالي ، فكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية ، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه ، فلبثوا بذلك حينا ، ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر ، وفشا في كل مصر ، وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة فإن هذا أحب إلي وأقر إلى عيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله فقرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجرى الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وألقي إلى معلمي الكتاتيب ، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير والواسع ، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك إلى ما شاء الله . . ، فظهرت أحاديث كثيرة موضوعة ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء ، والقضاءة والولاة . . . الحديث ( 261 )


وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم في تاريخه ما يناسب هذا الخبر وقال : إن أكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم ( 262 ) .


وكانت لمعاوية قبل هذا سابقة في الوضع والدس ، ومنها ما روى الطبري عنه ، أنه لما أيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره ، شق عليه ذلك ، لما يعرف من حزمه وبأسه ، وأظهر الناس قبله : أن قيس بن سعد قد تابعكم ،

  ( 261 ) في شرح " من كلام له وقد سأله سائل عن أحاديث البدعة " من شرح النهج 3 / 15 16 ، أورد ابن أبي الحديد الروايتين المرويتين عن ( المدائني ) .
( 262 ) المصدر السابق ، وفجر الإسلام ص 213 . ( * ) 
 
 

- ج 1  ص 373 -

فادعوا الله له ، واختلق معاوية كتابا من قيس بن سعد ، فقرأه على أهل الشام ، وهو : " بسم الله الرحمن الرحيم : للأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد : سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فإن قتل عثمان كان حدثا في الإسلام عظيما ، وقد نظرت لنفسي وديني ، فلم أر يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما برا تقيا ، فنستغفر الله عزوجل لذنوبنا ، ونسأله العصمة لديننا ، ألا وإني قد ألقيت إليكم بالسلام ( * ) وإني أجبتك إلى قتال قتلة عثمان ( رض ) ، إمام الهدى المظلوم ، فعول علي فيما أحببت من الأموال ، والرجال أعجل عليك والسلام " ( 263 ) .


هكذا كان معاوية لا يتحرج من الكذب والاختلاق فيما فيه تأييد لسياسته ، ويوم امتد سلطانه وعم البلاد والعباد ، وازدادت حاجته إلى الوضع والاختلاق ، استمد في ذلك من غيره . وفي هذه الحرب حرب الدعاية ، ومسابقة وضع الحديث لذم جماعة ومدح آخرين استجاب لمعاوية جماعة من الصحابة نظراء المغيرة بن شعبة ، وعمرو بن العاص ، وسمرة بن جندب ، وأبي هريرة من طلاب الامرة ، والمال ممن كان في دينه رقة ، وفي نفسه ضعف .


روى ابن أبي الحديد ( 264 ) عن أبي جعفر الاسكافي وقال : إن معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي ( ع ) تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله ، فاختلقوا ما أرضاه . . منهم أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير

روى الزهري : أن عروة بن الزبير حدثه قال :

  ( * ) السلم : الاستسلام .
( 263 ) الطبري : 5 / 229 230 ، وشرح النهج 2 / 24 واللفظ له ، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 1 / 101 ، وأشار إليه ابن الاثير في 3 / 116 .
( 264 ) شرح النهج ، ط . مصر الاولى 1 / 358 . ( * )
 
 

- ج 1  ص 374 -

حدثتني عائشة ، قالت : كنت عند رسول الله إذ أقبل العباس وعلي ، فقال : يا عائشة ! إن هذين يموتان على غير ملتي ، أو قال : ديني .

وروى عبد الرزاق عن معمر قال : كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي ( ع ) فسألته عنهما يوما ، فقال : ما تصنع بهما وبحديثهما ؟ الله أعلم بهما . إني لاتهمها في بني هاشم ! قال : فأما الحديث الأول ، فقد ذكرناه ، وأما الحديث الثاني فهو أن عروة زعم أن عائشة حدثته قالت : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل العباس وعلي ، فقال : يا عائشة ! إن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا ، فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب .


وأما عمرو بن العاص ، فقد روى فيه الحديث الذي أخرجه البخاري ( 265 ) ومسلم في صحيحيهما مسندا بعمرو بن العاص ، قال : سمعت رسول الله يقول جهارا غير سر ( 266 ) : إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء ، إنما وليي الله ، وصالح المؤمنين .

وفي البخاري بعده بطريق آخر عنه : ولكن لهم رحم أبلها ببلاها يعني أصلهم بصلتها . انتهى .


وأما أبو هريرة ، فقد روى الاعمش وقال : لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة ، جاء إلى مسجد الكوفة ، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس ، جثا على ركبتيه ، ثم ضرب صلعته مرارا ، وقال : يا أهل العراق !

  ( 265 ) قد أورد البخاري هذا الحديث في صحيحه 4 / 24 كتاب الادب ، باب : " يبل الرحم ببلالها " بطريقين عن ابن العاص .
( 266 ) هذه الزيادة في رواية البخاري الثانية عن ابن العاص . ومسلم 1 / 136 كتاب الايمان باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم وهذا لفظه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله جهارا غير سر يقول : ألا ان آل أبي يعني فلانا ليسوا لي بأولياء . . الحديث رقم 366 ، وفي مسند أحمد 4 / 203 ، ومسند أبي عوانة ( 1 / 96 ) الحديثان ، وفتح الباري 13 / 25 ، وارشاد الساري 9 / 13.
 
 

- ج 1  ص 375 -

أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله وأحرق نفسي بالنار ! ؟ والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إن لكل نبي حرما وان حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور ( 267 ) فمن أحدث فيها حدثا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها . فلما بلغ معاوية قوله ، أجازه ، وأكرمه ، وولاه المدينة .


وأما سمرة فقد قال أبو جعفر شيخ ابن أبي الحديد فيه : قد روى أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي ( ع ) ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ) .

وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم وهي قوله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ ) ( 268 ) ، فلم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم ، فلم يقبل ، فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل ( 269 ) .

استجاب لمعاوية جمع من الصحابة والتابعين ، فأصابوا من دنيا معاوية العريضة .

وخالفه آخرون ، فأصابهم التشريد والتقتيل ، ووقعت بين الطرفين معارك ضارية كانت نتائجها آلاف الاحاديث الموضوعة التي ورثناها اليوم من جانب ، ومن جانب آخر آلاف الضحايا البريئة من خيار المسلمين . وكان سمرة هذا ممن امتثل أوامر معاوية ، فأصاب الامرة في البصرة فأسرف في قتل من خالفه .


روى الطبري ( 270 ) وقال : سئل ابن سيرين : هل كان سمرة قتل أحدا ؟

  ( 267 ) قال ابن أبي الحديد في شرحه : الظاهر أنه غلظ من الراوي لان ثورا بمكة . . والصواب ما بين عير إلى احد .
( 268 ) الآية : 201 و 202 من سور البقرة ، والثانية الآية : 204 من سورة البقرة .
( 269 ) هذه الروايات وردت في شرح النهج 1 / 358 361 .
( 270 ) في حوادث سنة 50 من الطبري 6 / 132 ، وابن الاثير 3 / 193 . ( * ) 
 
 

- ج 1  ص 376 -

فقال : وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب ! ؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة ، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس ، وروى أنه قتل في غداة واحدة سبعة وأربعين كلهم قد جمع القرآن .

وقال : مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب فأقره معاوية أشهرا ثم عزله ، فقال سمرة : لعن الله معاوية ، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا ( 271 ) .


وكان منهم المغيرة بن شعبة ، فإنه أقام سبع سنين وأشهرا في الكوفة لا يدع شتم علي والوقوع فيه ، والعيب لقتله عثمان ، واللعن لهم ، والدعاء لعثمان بالرحمة ، والاستغفار له ، والتزكية لأصحابه ، غير أن المغيرة كان يداري ، فيشتد مرة ، ويلين أخرى .


روى الطبري ( 272 ) : أن المغيرة بن شعبة قال لصعصعة بن صوحان العبدي ، وكان المغيرة يومذاك أميرا على الكوفة من قبل معاوية : " إياك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان عند أحد من الناس ، وإياك أن يبلغني عنك أنك تذكر شيئا من فضل علي علانية ، فإنك لست بذاكر من فضل علي شيئا أجهله بل أنا أعلم بذلك ، ولكن هذا السلطان قد ظهر ، وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس ، فنحن ندع كثيرا مما أمرنا به ، ونذكر الشئ الذي لا نجد منه بدا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية ، فإن كنت ذاكرا فضله ، فاذكره بينك وبين أصحابك وفي منازلكم سرا ، وأما علانية في ا لمسجد ، فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا ولا يعذرنا فيه . . " الحديث .


وأما زياد ، فإنه كان أشد من غيره من ولاة معاوية في هذا الأمر ، وقد سبق ذكر قصته مع حجر ، ومن قصصه في هذه المعركة أيضا ما وقع بينه وبين

  ( 271 ) في حوادث سنة 53 من الطبري 6 / 164 ، وابن الاثير 3 / 195 وقد أوردتهما منهما باختصار .
( 272 ) الطبري ج 6 / 108 في ذكره حوادث سنة 43 ه‍ . ( * )
 
 

- ج 1  ص 377 -

صيفي بن فسيل ، فإنه أمر فجئ به إليه ، فقال له : يا عدو الله ! ما تقول في أبي تراب ؟ قال : ما أعرف أبا تراب ، قال : ما أعرفك به ! قال : ما أعرفه ، قال : أما تعرف علي بن أبي طالب ؟ قال : بلى ، قال : فذاك ، وبعد محاورة بينهما قال : علي بالعصا ، فقال : ما قولك في علي ؟ قال : أحسن قول أنا قائله في عبد من عبيدالله أقوله في أمير المؤمنين ، قال : اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض ، فضرب حتى ألصق بالأرض ، ثم قال : أقلعوا عنه ، فتركوه ، فقال له : إيه ! ما قولك في علي ؟ قال : والله لو شرطتنى بالمواسي والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني ، قال لتعلننه أو لاضربن عنقك ، قال : إذا والله تضربها قبل ذلك ، فأسعد وتشقى ، قال : ادفعوا في رقبته ، ثم قال : أوقروه حديدا واطرحوه في السجن ، ثم قتل مع حجر ( 273 ) .


وكتب إلى معاوية في رجلين حضرميين ( * ) أنهما على دين علي ورأيه ، فأجابه : من كان على دين علي ورأيه ، فاقتله ، ومثل به ، فصلبهما على باب دارهما بالكوفة ( 274 ) .

كما أمره بدفن الخثعمي ( الذي مدح عليا وعاب عثمان ) حيا ، فدفنه حيا ( 275 ) .

وختم حياته بما ذكره المسعودي ، وابن عساكر ، قال ابن عساكر : جمع أهل الكوفة فملا منهم المسجد والرحبة والقصر ، ليعرضهم على البراءة من علي ( 276 )

وقال المسعودي : وكان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لعن علي ، فمن أبى ذلك عرضه على السيف ثم ذكر أنه أصيب بالطاعون في تلك الساعة فأفرج عنهم .

  ( 273 ) الطبري 6 / 149 ، وابن الاثير 3 / 204 ، والاغاني 16 / 7 ، وابن عساكر 6 / 459 .
( * ) نسبة إلى حضرموت من بلاد اليمن .
( 274 ) المحبر ص 479 .
( 275 ) راجع قبله ص 348 351 في ذكر قصة حجر بن عدي .
( 276 ) المسعودي في أيام معاوية 3 / 30 ، وابن عساكر 5 / 421 . ( * ) 
 
 

- ج 1  ص 378 -

وكان عمرو بن الحمق الخزاعي ممن أصابه التشريد والقتل في هذه المعركة ، فإنه فر إلى البراري ، فبحثوا عنه حتى عثروا عليه ، فحزوا رأسه ، وحملوه إلى معاوية ، فأمر بنصبه في السوق ، ثم بعث برأسه إلى زوجته في السجن وكان قد سجنها في هذا السبيل فألقي في حجرها ( 277 ) .


عمت هذه السياسة البلاد الإسلامية ، واتبعها ونفذها غير من ذكرنا من الأمراء أيضا ، كبسر بن أرطاة في ولايته البصرة ، وابن شهاب في الري ( 278 ) فقد كانت لهم قصص في ذلك ذكرها المؤرخون ، ثم أصبحت هذه سياسة بني أمية التقليدية ، ولعن علي أبي طالب على منابر الشرق والغرب ما عدا سجستان ، فإنه لم يلعن على منبرها إلا مرة ، وامتنعوا على بني أمية ، حتى زادوا في عهدهم أن لا يلعن على منبرهم أحد في حين كان يلعن على منبر الحرمين ( 279 ) .


وقد كانوا يلعنون عليا على المنابر بمحضر من أهل بيته ، وقصصهم في ذلك كثيرة نكتفي منها بذكر واحدة أوردها ابن حجر ( 280 ) في تطهير اللسان ، وقال : إن عمرا صعد المنبر فوقع في علي ، ثم فعل مثله المغيرة بن شعبة ، فقيل للحسن : اصعد المنبر لترد عليهما ، فامتنع إلا أن يعطوه عهدا أنهم يصدقوه إن قال حقا ، ويكذبوه إن قال باطلا ، فأعطوه ذلك ، فصعد المنبر ، فحمد الله

  ( 277 ) المعارف لابن قتيبة 7 / 12 ، والاستيعاب 2 / 517 ، والاصابة 2 / 526 ،
وتاريخ ابن كثير 8 / 48 ، والمحبر ص 490 .
( 278 ) في حوادث سنة 41 ه‍ من الطبري 6 / 96 ، وابن الاثير 3 / 165 ، وابن شهاب في ابن الاثير 3 / 179 في ذكر استعمال المغيرة على الكوفة من ( حوادث سنة إحدى وأربعين ) .
( 279 ) أوردتها ملخصة من معجم البلدان 5 / 38 ، ط . المصرية الاولى في لغة سجستان ، وهي من بلاد إيران .
( 280 ) في تطهير اللسان ص 55 ، قال : وجاء بسند رجاله رجال الصحيح إلا واحدا فمختلف فيه لكن قواه الذهبي بقوله : انه أحد الاثبات ، وما فيه جرح أصلا ، ثم أورد الحديث . ويؤيد هذا الحديث ما أوردناه في ص 296 من هذا الكتاب . راجع الهامش المرقم 71 من تلك الصفحة . ( * )
 
 

- ج 1  ص 379 -

وأثنى عليه ، ثم قال : أنشدك الله يا عمرو ! يا مغيرة ! أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن السائق والقائد أحدهما فلان ، قالا : بلى ، ثم قال : يا معاوية ! ويا مغيرة ! ألم تعلما أن النبي صلى الله عليه وآله لعن عمرا بكل قافية قالها لعنة ، قالا : اللهم بلى . . الحديث .

ولما كان الناس لا يجلسون لاستماع خطبهم لما فيها من أحاديث لا يرتضونها خالفوا السنة وقدموا الخطبة على الصلاة .

قال ابن حزم في المحلى ( 281 ) : أحدث بنو أمية تقديم الخطبة على الصلاة ، واعتلوا بأن الناس كانوا إذا صلوا تركوهم ، ولم يشهدوا الخطبة ، وذلك لانهم كانوا يلعنون علي ابن أبي طالب ( رض ) فكان المسلمون يفرون ، وحق لهم ذلك .


وفي الصحيحين ( 282 ) وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال : خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت ، فإذا مروان يريد أن يرتقيه أن يصلي ، فجبذت بثوبه ، فجبذني ، فارتفع ، فخطب قبل الصلاة ، فقلت له : غيرتم والله . فقال : يا أبا سعيد ! قد ذهب ما تعلم . فقلت : ما أعلم والله خير مما لا أعلم ، فقال : إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة ، فجعلتها قبل الصلاة .


وكانوا لا يكتفون بذلك ، بل يأمرون الصحابة به أيضا ، ففي صحيح مسلم ( 283 ) وغيره عن سهيل بن سعد قال :

  ( 281 ) المحلى لابن حزم تحقيق أحمد محمد شاكر 5 / 85 86 ، وراجع كتاب الام للشافعي 1 / 208 .
( 282 ) البخاري 2 / 111 ومسلم 3 / 20 ، وسنن أبي داود 1 / 178 ، وابن ماجة 1 / 386 ، والبيهقي 3 / 297 ،
وفي مسند أحمد 3 / 10 و 20 و 52 و 54 و 92 ، واسم المعترض على مروان في مسند أحمد غير أبي سعيد .
( 283 ) أوردته ملخصا عن صحيح مسلم 7 / 124 باب مناقب علي ، وأورده البخاري محرفا في صحيحه باب مناقب علي ،
وفي باب نوم الرجل في المسجد من كتاب الصلاة 2 / 199 وفي ارشاد الساري 6 / 112 : أن هذه الوالي هو مروان بن الحكم ، وراجع البيهقي 2 / 446 .( * )
 
 

- ج 1  ص 380 -

استعمل على المدينة رجل من آل مروان ، فدعا سهل بن سعد ، فأمره أن يشتم عليا ، فأبى سهل ، فقال له : أما إذا أبيت فقل : لعن الله أبا التراب ، فقال سهل : ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب ، وإن كان ليفرح إذا دعي بها ، فقال له : أخبرنا عن قصته ، لم سمي أبا تراب ؟ قال : جاء رسول الله صلى الله عليه وآله بيت فاطمة ، فلم يجد عليا في البيت ، فقال : أين ابن عمك ؟ فقالت : كان بيني وبينه شئ ، فغاضبني ، فخرج ، فلم يقل عندي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لإنسان : انظر أين هو ؟ فجاء ، فقال : يا رسول الله ! هو في المسجد راقد ، فجاءه وهو مضطجع ، وقد سقط رداءه عن شقه فأصابه تراب ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسحه عنه ، ويقول : قم أبا التراب ، قم أبا التراب .


وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، قال : أمر معاوية سعدا ، فقال : ما منعك أن تسب أبا التراب ؟ فقال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله فلن أسبه ، لان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم .

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه ، فقال له علي : يا رسول الله ! خلفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي ، وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، قال : فتطاولنا لها ، فقال : أدعوا لي عليا فأتي به أرمد ، فبصق في عينه ، ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه ، ولما نزلت هذه الآية : ( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ ) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا ، وفاطمة ، وحسنا ، وحسينا ، فقال : اللهم ! هؤلاء أهلي ( 284 ) .

  ( 284 ) مسلم 7 / 120 ، والترمذي 13 / 171 ، والمستدرك 3 / 108 ، و 109 ، وزاد فلان والله ما ذكره معاوية بحرف حتى خرج من المدينة ، والاصابة 2 / 509 ، والنسائي في الخصائص ص 15 . ( * )   
 

- ج 1  ص 381 -

ورواه المسعودي ( 285 ) عن الطبري هكذا : قال : لما حج معاوية طاف بالبيت ومعه سعد ، فلما انصرف معاوية إلى دار الندوة ، أجلسه معه على سريره ، ووقع في علي ، وشرع في سبه ، فزحف سعد ، ثم قال : أجلستني معك على سريرك ؟ ثم شرعت في سب علي ! ؟ والله لان يكون في خصلة واحدة من خصال علي أحب إلي . . ثم ساق الحديث باختلاف يسير وذكر في آخره أنه قال : وأيم الله لا دخلت لك دارا ما بقيت . ثم نهض .


أما ابن عبد ربه فقد أورده باختصار في أخبار معاوية من العقد الفريد ( 286 ) قال : ولما مات الحسن بن علي ، حج معاوية ، فدخل المدينة ، وأراد أن يلعن عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له : إن ههنا سعد بن أبي وقاص : لا نراه يرضى بهذا ، فابعث إليه وخذ رأيه ، فأرسل إليه وذكر له ذلك ، فقال : إن فعلت لاخرجن من المسجد ، ثم لا أعود إليه ، فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد ، فلما مات لعنه على المنبر ، وكتب إلى عماله أن يلعنوه على المنابر ، ففعلوا ، فكتبت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله إلى معاوية إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم ، وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ، ومن أحبه ، وأنا أشهد الله أن الله أحبه ، ورسوله ، فلم يلتفت إلى كلامها ، انتهى .


كان معاوية ذا نفسية معقدة بما كان يغمز عليه من نسبه ، ويعاب عليه من مواقف بيته من الإسلام وزاده تعقيدا ما كان يرى من إذلال الإسلام بيته الرفيع في الجاهلية ، وما وصمه النبي ووصم أباه وأخاه بأنهم الطلقاء ، وكان يزيده تعقيدا على تعقيد ما كان يرى من ارتفاع ذكر بني هاشم ، وخلوده عبقا أبد الدهر في حين كان يرى خمول ذكر أبيه وسائر أبناء بيته ، وكان ما ذكرناه من

  ( 285 ) مروج الذهب 3 / 24 في أيام معاوية ، ثم ذكر ما صدر عن معاوية في المجلس مما أربأ بقلمي عن ذكره .
( 286 ) العقد 4 / 366 ط . القاهرة 1363 ه‍ . ( * )
 
 

- ج 1  ص 382 -

مواقف الصحابة وخيار المسلمين يزيد في نار حقده تأججا حين لا يستطيع إبراز دخيلة نفسه حتى إذا خلا بالمغيرة ذات ليلة كشف له عن سره المكتوم .


روى الزبير بن بكار في كتابه " الموفقيات " عن مطرف بن المغيرة بن شعبة أنه قال : وفدت مع أبي المغيرة إلى معاوية فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف إلي ، فيذكر معاوية ، ويذكر عقله ، ويعجب مما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة ، فأمسك عن العشاء ، فرأيته مغتما فانتظرته ساعة ، وظننت أنه لشئ حدث فينا أو في عملنا ، فقلت له : مالي أراك مغتما منذ الليلة ؟ قال : يا بني إني جئت من عند أخبث الناس ، قلت له : وما ذاك ؟ قال : قلت له ، وقد خلوت به : إنك قد بلغت يا أمير المؤمنين ! فلو أظهرت عدلا ، وبسطت خيرا ، فإنك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه . فقال لي : هيهات ! هيهات ! ملك أخو تيم فعدل ، وفعل ما فعل ، فوالله ما غدا أن هلك ، فهلك ذكره إلا أن يقول قائل : أبو بكر ، ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمر عشر سنين ، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل : عمر ، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه فعمل ما عمل ، وعمل به ، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره ، وذكر ما فعل ، وان أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات ، أشهد أن محمدا رسول الله ، فأي عمل يبقى مع هذا لا أم لك ! ؟ لا والله إلا دفنا دفنا ( 287 ) .


وكان معاوية يرغب أشد الرغبة في أن لا يبقى من بني هاشم نافخ نار على ما وصفه علي في قوله : والله لود معاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلا طعن في بطنه

  ( 287 ) الموفقيات للزبير بن بكار ( ص 576 577 ) ذكره المسعودي في حوادث سنة اثنتي عشرة ومائتين بهامش ابن الاثير 9 / 49 ، وشرح النهج 1 / 463 . وط . مصر تحقيق محمد أبو الفضل 5 / 130 . ( * )   
 

- ج 1  ص 383 -

إطفاء لنور الله ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ( 288 ) .

وحيث لم يتأت له ذلك جد في إطفاء ذكرهم ، وحشر جنوده لوضع أحاديث في ذمهم ودفع ما وصم به بيته ، فان ورد عن الرسول أحاديث في لعنه ، ولعن أبيه ، ولعن آل أبيه ، وغيرهم من بني أمية ، كالحكم بن أبي العاص ، وأمثاله ، فليتحدث الناس أن الرسول قد قال : اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته، أو سببته فاجعله له زكاة وطهورا ( 289 ) .

إن هذا الحديث وأمثال سلاح ذو حدين في صالح معاوية فإنه حين يحرض عن أسرته ما وصموا به ، يضع من رسول الله ، ويجعله في عداد من لا يملكون أنفسهم عند الغضب خلافا لقول الله فيه ، ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) وقوله فيه : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ) ، وقد فات قصد معاوية عن كثير من المسلمين ، فجاروه فيما يريد ، وهو إذ لم يستطع إظهار دخيلة نفسه عن الرسول فإنه استطاع ان يعلنها صريحة سافرة في مجالات أخرى كالدفاع عن عثمان وذويه وسياسته ، والحط من علي وآله وأشياعه وسياسته ، على ما سبق منا الإشارة إليه آنفا ، وكان معاوية شديدا على من لم يجاره في هذه السياسة ، يذيقهم الهوان ، ويصلبهم ، ويدفنهم أحياء ، وقد عاصرته أم المؤمنين ، وكانت مرعية الجانبة في بادئ عهده ، وكانا على وفاق تام في حرب علي ، أما موقفها من سياسته في معركة التحديث خاصة ، فيكشفها لنا أولا قول حكيم بن افلح لسعد بن هشام عندما طلب سعد من حكيم ان يذهب معه إلى عائشة فقال حكيم : ما أنا بقاربها . اني نهيتها ان تقول في هاتين الشيعتين شيئا فأبت هي الا مضيا . . الحديث ( 290 ) .

وثانيا حديثها الآتي في عثمان .

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

  ( 288 ) مروج الذهب تحقيق محمد محيي الدين 3 / 28 ، في ذكر أيام معاوية .
( 289 ) سندرسها ونظائرها في القسم الثاني من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى .
( 290 ) مسند أحمد 6 / 53 54 ، وفي تهذيب التهذيب 2 / 444 ترجمة حكيم . ( * )
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب