|
-
أحاديث أم
المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2 ص 75
: - |
|
روايات التخيير
في مسند أحمد عن عروة بن الزبير ، عن
عائشة قالت : فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل علي رسول
الله ( ص ) قالت : بدأ بي فقلت : يا رسول الله إنك
أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنك قد دخلت من تسع
وعشرين أعدهن ؟ فقال : إن الشهر تسع وعشرون ، ثم قال
: يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه
حتى تستأمري أبويك ثم قرأ علي الآية : (
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ - حتى بلغ -
أَجْرًا عَظِيمًا ) .
قالت عائشة :
قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ، قالت : فقلت
: أفي هذا أستأمر أبوي ؟ فاني أريد الله ورسوله والدار
الآخرة ( 1 ) .
وفي رواية عن عمر بن أبي سلمة ، عن
أبيه بعد هذا : " ففرح بذلك رسول الله ( ص ) " ( 2 ) .
| |
(
1 ) مسند أحمد ج 6 / 163
، وصحيح البخاري ج 3 /
270 كتاب الطلاق باب من خير نساءه .
( 2 ) مسند أحمد ج 6 /
78 وللحديث طرق كثيرة منها في
مسند أحمد ج 6 / 78 و 103 و 152 - 153 و 185 و
248 و 263 - 264 و 211 - 212 فقال : يا عائشة إني عارض
عليك أمرا فلا تفتاتن فيه بشئ حتى تعرضيه على ابويك ابي بكر وام
رومان . قالت : أي رسول الله وما هو ؟ ،
وفي صحيح مسلم
ج 2 / 1103 كتاب الطلاق باب إن تخيير امرأته لا يكون
طلاقا إلا بالنية وج 2 / 1107 باب في الايلاء واعتزال
النساء وتخييرهن ، وابن ماجة ج 1 / 662 كتاب الطلاق
باب التخيير رقم ( 2053 ) ، والنسائي ج 6 / 159 - 160
كتاب الطلاق ، والترمذي ج 12 / 84 وابن سعد ج 8 / 68 -
69 ( * ) |
|
|
وعلى هذه
الأحاديث استند الزركشي في الاجابة في قوله
: ( كان قوله لها : لا تبادريني بالجواب خوفا من أن
تبتدره باختيار الدنيا ) ( 1 ) .
إن هذه المشاكل إلى
غيرها تدعونا إلى الرجوع إلى غير أحاديث أم المؤمنين
عائشة لعلنا نجد فيها تفسيرا يرفع غموض آيات السورتين
الكريمتين .
ما روي عن الخليفة عمر في قصتي التحريم
والتخيير :
روي عن الخليفة عمر بن الخطاب في ذلك
كالآتي بيانه :
روى البخاري بسنده عن ابن عباس قال :
لبثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين
تظاهرتا على النبي ( ص ) فجعلت أهابه فنزل يوما منزلا
فدخل الأراك فلما خرج سألته فقال : عائشة وحفصة ، ثم
قال : كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا ، فلما جاء
الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقا من غير
ان ندخلهن في شئ من أمورنا ، وكان بيني وبين امرأتي
كلام فأغلظت لي فقلت لما : وإنك لهناك ؟ قالت : تقول
هذا لي وابنتك تؤذي النبي ( ص ) .
فأتيت حفصة فقلت لها
: إني أحذرك أن تعصي الله ورسوله وتقدمت إليها في اذاه
. فأتيت أم سلمة فقلت لها . فقالت : أعجب منك يا عمر
قد دخلت في أمورنا فلم يبق إلا أن تدخل بين رسول الله
( ص ) وأزواجه ؟ فرددت وكان رجل من الأنصار إذا غاب عن
رسول
| |
(
1 ) الاجابة : ص 66 ( *
) . |
|
|
الله ( ص ) وشهدته أتيته بما يكون ، وإذا غبت عن
رسول الله ( ص ) وشهد أتاني بما يكون من رسول الله ( ص
) وكان من حول رسول الله ( ص ) قد استقام له ، فلم يبق
إلا ملك غسان بالشام كنا نخاف أن يأتينا ، فما شعرت
إلا بالأنصاري وهو يقول : إنه قد حدث أمر ، قلت له :
وما هو ؟ أجاء الغساني ؟
قال : أعظم من ذاك طلق رسول
الله ( ص ) نساءه ، فجئت فإذا البكاء من حجرهن كلها ،
وإذا النبي ( ص ) قد صعد في مشربة له وعلى باب المشربة
وصيف ، فأتيته فقلت : استأذن لي ، فدخلت فإذا النبي (
ص ) على حصير قد أثر في جنبه وتحت رأسه مرفقة من أدم
حشوها ليف ، وإذا أهب ( 1 ) معلقة وقرط ، فذكرت الذي
قلت لحفصة وأم سلمة والذي ردت علي أم سلمة فضحك رسول
الله ( ص ) فلبث تسعا وعشرين ليلة ثم نزل ( 2 ) .
وفي
حديثه بصحيح مسلم قال : ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى
في وجهه الغضب ، فقلت : يا رسول الله ! ما يشق عليك من
شأن النساء ؟ فان كنت طلقتهن فإن الله معك . . . ونزلت
آية التخيير : (
وَإِن تَظَاهَرَا
عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ
. . . *
عَسَى رَبُّهُ إِن
طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا
مِّنكُنَّ )
الحديث ( 3 ) .
إن حديث عمر هذا يناقض بعضه بعضا ،
ويخالف حديث أم المؤمنين عائشة ، ويزيد في الأمر غموضا
على غموض ، فإن كان سبب نزول آيات
| |
(
1 ) المشربة والغرفة والعلية : بيت منفصل عن الأرض . لوالوصيف : الغلام دون المراهق . ومرفقة من أدم حشوها
ليف : المرفقة المتكأ والأدم بهع أديم : الجلد المدبوغ
، والليف : قشر النخل . والاهب : جمع الاهاب جلد لم
يدبغ . وقرط : جلد مدبوغ بورق السلم .
( 2 ) صحيح
البخاري ج 4 / 22 كتاب اللباس باب ما كان النبي ( ص )
يتجوز من اللباس والبسط وطبقات ابن سعد 8 / 182 .
( 3
) صحيح مسلم ج 2 / 1107 كتاب الطلاق باب في الايلاء
واعتزال النساء وتخييرهن وايلاء : حلف
. |
|
|
التحريم ما ذكره من أن نساء النبي ( ص ) كن يراجعنه
( 1 ) طوال النهار ويضايقنه ، وانه راجع في ذلك أم
سلمة فردته ، فما وجه تخصيص عائشة وحفصة من بينهن
باللوم والتقريع في قوله تعالى : (
وَإِن تَظَاهَرَا
عَلَيْهِ .
. . ) الآيات ؟
كما صرح به هو مع اشتراك غيرها معهما
في تلك المراجعة والطلب الملح ، وهذا يخالف ما ذكرته
أم المؤمنين في أحاديثها من أن سبب نزول الآيات تحريم
النبي ( ص ) العسل على نفسه في قصة قد ذكرتها ،
والخليفة بعد هذا لم يذكر ما حرمه الرسول ( ص ) على
نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه ولم يبين السر الذي اذاعته
زوج الرسول ( ص ) وزاد غموضا في الأمر ما ذكر عمر في
حديثه عن التحريم :
من ايلاء النبي ( ص ) أزواجه تسعا
وعشرين ليلة وتخييره اياهن ، وهذا ما دعا مسلما أن
يجعل التحريم والايلاء والمظاهرة أمرا واحدا في صحيحه
حيث قال :
باب في الايلاء واعتزال النساء وتخييرهن
وقوله
تعالى : (
وَإِن تَظَاهَرَا
عَلَيْهِ
) ( 2 ) وشوش على ابن سعد فذكر التخيير في بابين من
طبقاته فقال : باب ذكر المرأتين اللتين تظاهرتا على
رسول الله وتخييره نساءه ( 3 ) وقال في باب آخر : ذكر
ما هجر فيه رسول الله ( ص ) نساءه وتخييره اياهن ( 4 )
.
هذه
الأحاديث إلى عشرات من أمثالها في قصة التحريم
والتخيير ، الواردة في كتب الصحاح والسنن والسير
والمسانيد تولد للباحث دوارا شديدا في محاولته معرفة
الواقع التأريخي ، كما تربك المؤرخ فيما إذا أراد
الرجوع إلى أصح كتب الحديث لكتابة سيرة النبي ( ص )
وتشوش على المفسر في محاولته تفسير آي الذكر
| |
(
1 ) طبقات ابن سعد ج 8 /
182 .
( 2 ) صحيح مسلم ج 2 /
1105 . |
(
3 ) طبقات ابن سعد ج 8 /
182 .
( 4 ) طبقات ابن سعد ج 8
/ 179 ( * ) . |
|
|
الحكيم على ضوء الحديث النبوي الشريف ، وتضيع على
الفقيه جهده في استنباطه الأحكام استنادا إلى السيرة
النبوية ، إلا فيما إذا كان كل منهم يدرس موضوعه دراسة
سطحية ، ويعتمد على أول حديث يصادفه في إحدى أمهات كتب
الصحاح والمسانيد ، ويصدر حكمه القطعي استنادا إلى ما
صادفه من حديث دونما تتبع وتنقيب عن غيره من الأحاديث
المتناقضة في هذا الباب .
ولعل المستشرق الأجنبي أبعد
من كل هؤلاء عن فهم الواقع من حياة النبي ( ص ) وماذا عساه أن يفهم من الرجوع إلى هذه الأحاديث ؟ !
لقد
وجدنا أم المؤمنين في أحاديثها الأولى عن التحريم تذكر
أن سبب نزولها مراجعة نساء النبي إياه ، ونجد أم
المؤمنين تذكر في أحاديثها الأخيرة أن النبي هجر نساءه
شهرا لأن زينب ردت عليه ما كان قد بعثه إليها ، فقالت
عائشة : لقد اقأت وجهك أن ترد عليك فغضب الرسول من ذلك
وقال : " أنتن أهون على الله من أن تقمئنني لا أدخل
عليكن شهرا " وليت شعري ما ذنب سائر أمهات المؤمنين أن
يهجرهن الرسول ( ص ) شهرا لما قامت به أم المؤمنين
عائشة وأم المؤمنين زينب ، وقد قال تعالى : (
وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى ) ؟
أضف إلى هذا أنها قالت : إن الرسول
( ص ) أمرها أن تراجع أبويها في التخيير ، وكان
التخيير في السنة الثامنة بينا أمها كانت قد توفيت في
السنة الرابعة أو الخامسة أو السادسة من الهجرة ، وبعد
كل هذا هل أن قصة التخيير والمظاهرة هما قصة واحدة أم
إنهما قصتان ؟
أما القرآن الكريم فإذا رجعنا إليه وحده
- دون الاستئناس إلى الأحاديث المذكورة - فنجد أمر
التخيير مذكورا في الآيات الآتية من سورة الأحزاب
كالآتي : ( يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ
أُمَتِّعْكُنَّ
وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ
لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) [ الآية : 28 و 29 ]
نجد الخطاب في هذه
الآيات
إلى قوله تعالى : (
وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي
بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) [
الآية : 34
] موجها إلى جميع زوجات الرسول وليس فيه تهديد ووعيد
وإنما تخيير بين الحياة الدنيا فيسرحهن سراحا جميلا ،
وبين اختيار الله ورسوله والدار الآخرة فيعد الله لهن
أجرا حسنا .
بينا الخطاب في سورة التحريم موجه إلى
اثنتين فقط حيث قال : (
إِن تَتُوبَا إِلَى
اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا
عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ
وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ
ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن
يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ . . . ) إلى آخر
السورة ، بما فيها من وعيد وتهديد ، وأجمل ما فيها من
التمثيل بامرأتين وامرأتين ، كل ذلك يدل على أن قصة
التخيير غير قصة المظاهرة والتي جاء كل منهما في سورة
على حدة .
* * *
كان كل
ذلكم في ما روي عن أم المؤمنين عائشة والخليفة
الصحابي عمر بن الخطاب في قصتي التحريم والتخيير .
وإذا رجعنا إلى ما روي عن غيرهما من الصحابة وجدنا :
لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه
|