- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 80 : -

أولا - قصة التخيير :
 

روى ابن سعد في باب " ذكر ما هجر فيه رسول الله ( ص ) نساءه وتخييره إياهن " : عن جارية بن أبي عمران قال : سمعت أبا سلمة الحضرمي يقول : جلست مع أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وهما يتحدثان وقد ذهب بصر جابر فجاء رجل فسلم ثم جلس فقال : يا أبا عبد الله أرسلني إليك عروة ابن 

- ج 2  ص 81 -

الزبير أسألك فيم هجر رسول الله ( ص ) نساءه ؟ فقال جابر : تركنا رسول الله يوما وليلة لم يخرج إلى الصلاة فأخذنا ما تقدم وما تأخر ، فاجتمعنا ببابه نتكلم ليسمع كلامنا ويعلم مكاننا ، فأطلنا الوقوف فلم يأذن لنا ولم يخرج إلينا .

قال : فقلنا : قد علم رسول الله مكانكم ولو أراد أن يأذن لكم لأذن ، فتفرقوا لا تؤذوه .

فتفرق الناس غير عمر بن الخطاب يتنحنح ويتكلم ويستأذن حتى أذن له رسول الله ، قال عمر : فدخلت عليه وهو واضع يده على خده أعرف به الكآبة ، فقلت : أي نبي الله بأبي أنت وأمي ما الذي رابك ؟ وما لقي الناس بعدك من فقدهم لرؤيتك ؟ فقال : يا عمر يسألنني أولاء ما ليس عندي ، يعني نساءه ، فذاك الذي بلغ مني ما ترى .

فقلت : يا نبي الله قد صككت ( 1 ) جميلة بنت ثابت صكة ألصقت خدها منها بالأرض لانها سألتني ما لا أقدر عليه ، وأنت يا رسول الله على موعد من ربك وهو جاعل بعد العسر يسرا .

قال : فلم أزل أكلمه حتى رأيت رسول الله قد تحلل عنه بعض ذلك .

قال : فخرجت فلقيت أبا بكر الصديق فحدثته الحديث فدخل أبو بكر على عائشة فقال : قد علمت أن رسول الله لا يدخر عنكن شيئا فلا تسألنه ما لا يجد ، انظري حاجتك فاطلبيها إلي .

وانطلق عمر إلى حفصة فذكر لها مثل ذلك ، ثم اتبعا أمهات المؤمنين فجعلا يذكران لهن مثل ذلك حتى دخلا على أم سلمة فذكرا لها مثل ذلك ، فقالت لها أم سلمة : ما لكما ولما هاهنا رسول الله ( ص ) ، أعلى بأمرنا عينا ولو أراد أن ينهانا لنهانا ، فمن نسأل إذا لم نسأل رسول الله ؟ هل يدخل بينكما وبين أهليكما أحد ؟ فا نكلفكما هذا .

فخرجا من عندها ، فقال أزواج النبي ( ص ) لأم سلمة : جزاك الله خيرا حين فعلت ما فعلت ، ما قدرنا أن نرد عليهما شيئا .

ثم قال جابر لأبي سعيد : ألم يكن الحديث هكذا ؟ قال : بلى وقد بقيت منه بقية .

قال جابر : فأنا

  ( 1 ) صكه : ضربه ضربا شديدا . وصك وجهه : لطمه . ( * )   
 

- ج 2  ص 82 -

آتي على ذلك إن شاء الله ، ثم قال : فأنزل الله في ذلك : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ) يعني متعة الطلاق ، ويعني بتسريحهن تطليقهن طلاقا جميلا ( وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ) تخترن الله ورسوله فلا تنكحن بعده أحدا .

فانطلق رسول الله فبدأ بعائشة فقال : إن الله قد أمرني أن أخيركن بين أن تخترن الله ورسوله والدار الآخرة وبين أن تخترن الدنيا وزينتها ، وقد بدأت بك فأنا أخيرك . قالت : اي نبي الله وهل بدأت بأحد منهن قبلي ؟ قال : لا . قالت : فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة فاكتم علي ولا تخبر بذاك نساءك . قال رسول الله ( ص ) : بل أخبرهن . فأخبرهن رسول الله ( ص ) جميعا فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، وكان خياره بين الدنيا والآخرة أن يخترن الآخرة أو الدنيا .

قال : ( وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) . فاخترن أن لا يتزوجن بعده .

ثم قال : ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ - يعني الزنى - يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ - يعني في الآخرة -وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ - يعني تطع الله ورسوله ( ص ) - وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ - مضاعفا لها في الآخرة وكذلك العذاب - وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ - يقول : فجور - وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى )

يقول : لا تخرجن من بيوتكن ولا تبرجن ، يعني إلقاء القناع فعل أهل الجاهلية الأولى . فقال أبو سعيد : هذا الحديث على وجهه ( 1 ) .

  ( 1 ) طبقات ابن سعد ج 8 / 179 - 181 ( * ) .  
 

- ج 2  ص 83 -

كانت تلكم قصة التخيير ، حدث عنها صحابيان ممن أدركا الواقعة بتفصيل واف ، وبينا موقف الشيخين المشرف من ابنتيهما ، وليس فيه ذكر للهجر والتحريم والطلاق مما لا مبرر للقيام به في هذه الواقعة ، والتي تنتهي في يومين وليس في شهر وأن ما ذكراه يتناسب وسياق آيات التخيير .
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب