- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 83 : -

ثانيا - قصة المظاهرة والتحريم :


وأما قصة المظاهرة والتحريم ، فكآلاتي بيانه : أخرج ابن سعد في باب " ذكر المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ( ص ) وتخييره نساءه "

من طبقاته بسنده إلى عروة بن الزبير قال : انطلقت حفصة إلى أبيها تحدث عنده ، وأرسل رسول الله ( ص ) إلى مارية فظل معها في بيت حفصة وضاجعها ، فرجعت حفصة من عند أبيها وأبصرتها فغارت غيرة شديدة ، ثم إن رسول الله ( ص ) أخرج سريته فدخلت حفصة فقالت : قد رأيت ما كان عندك وقد والله سؤتني . قال النبي ( ص ) : فإني والله لأرضينك ، إني مسر إليك سرا فأخفيه لي ، فقالت : ما هو ؟ قال : أشهدك أن سريتي علي حرام يريد بذلك رضا حفصة . . . الحديث ( 1 ) .


واخرج ( 2 ) عن ابن عباس يقول : خرجت حفصة من بيتها ، وكان يوم عائشة ، فدخل رسول الله ( ص ) بجاريته وهي مخمر وجهها فقالت حفصة لرسول الله ( ص ) : أما إني قد رأيت ما

  ( 1 ) طبقات ابن سعد ج 8 / 187 وط . اوربا ج 8 / 135 .
( 2 ) طبقات ابن سعد ج 8 / 185 - 186 وج 8 / 34 1 ط . اوربا وفي مستدرك الحاكم عن انس : ان النبي ( ص ) كانت له امة يطأها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه . . . الحديث
. ( * ) 
 
 

- ج 2  ص 84 -

صنعت ، فقال لها رسول الله ( ص ) : فأكتمي عني وهي حرام ، فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها وبشرتها بتحريم القبطية ، فقالت له عائشة : أما يومي فتعرس فيه بالقبطية ، وأما سائر نسائك فتسلم لهن أيامهن ! فأنزل الله :

( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا - لحفصة - فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا - يعني عائشة وحفصة - وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ - يعني حفصة وعائشة - فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ . . . ) الآية .

فتركهن رسول الله ( ص ) تسعا وعشرين ليلة ثم نزل : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) فأمر فكفر يمينه وحبس نساءه عليه .

وعن جبير بن مطعم قريبا من هذا ( 1 ) .

وعن القاسم بن محمد ايضا باختصار ( 2 ) .

وعن زيد بن أسلم أن النبي حرم أم إبراهيم فقال : " هي علي حرام ، قال : والله لا أقربها " ، قال : فنزل ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم . . . ) الحديث ( 3 ) .


وعن مسروق قال : آلى رسول الله من أمته وحرمها فأنزل الله في الايلاء ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) وأنزل الله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ) فالحرام هنا حلال ( 4 ) .

وأما ، من هجرهن الرسول ( ص ) ، وهل إنه هجر جميع نسائه تسعا

  ( 1 ) ن . م ، ج 8 / 186 - 187 . وج 8 / 125 ط . اوربا .
( 2 ) ن . م ، ج 8 / 187 و 213 . وج 8 / 125 و 154 ط . اوربا .
( 3 ) طبقات ابن سعد ج 8 / 186 . وج 8 / 124 ط . اوربا .
( 4 ) ن . م ، ج 8 / 186 وج 8 / 134 ط . اوربا
. ( * ) 
 
 

- ج 2  ص 85 -

وعشرين يوما ؟ أو هجر بعضهن ؟ ففي حديث أم سلمة بيان ذلك فيما أخرجه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه واللفظ للأول : عن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث أن أم سلمة أخبرته أن رسول الله ( ص ) حلف أن لا يدخل على بعض أهله شهرا ، فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا عليهم ( أو راح ) . فقيل له : حلفت يا نبي الله أن لا تدخل علينا شهرا ؟ فقال : إن الشهر تسعة وعشرون يوما . . ( 1 ) .


وفي سنن ابن ماجة وصحيح البخاري واللفظ للأول : عن أم سلمة أن رسول الله ( ص ) آلى من بعض نسائه شهرا فلما كان تسعة وعشرون يوما راح أو غدا . فقيل : يا رسول الله إنما مضى تسع وعشرون . فقال : الشهر تسع وعشرون ( 2 ) .

وهذا يتناسب وأصل الواقعة من قيام بعض أمهات المؤمنين بما سبب التحريم فهجر الرسول ( ص ) تلكم البعض فحسب .

إذن فهؤلاء الرواة يحدثون أن النبي ( ص ) كان قد وطا سريته مارية في بيت حفصة ، فاستاءت من ذلك فحرمها على نفسه ابتغاء مرضاتها ، وأسر ذلك إلى

  ( 1 ) مسند احمد ج 6 / 315 ، وصحيح مسلم ج 2 / 764 كتاب الصوم باب الشهر يكون تسعا وعشرين ، وصحيح البخاري ج 3 / 174 كتاب النكاح باب هجرة النبي ( ص ) نساءه في غير بيوتهن ، وكتاب المظالم ج 2 / 48 باب الغرفة والعلية .

( 2 ) سنن ابن ماجة ج 1 / 664 - 665 كتاب الطلاق باب الايلاء ، وصحيح البخاري ج 2 / 48 كتاب المظلم باب الغرفة والعلية وكتاب النكاح ج 3 / 174 باب هجرة النبي ( ص ) نساءه في غير بيوتهن . ( * ) 

 
 

- ج 2  ص 86 -

حفصة فأذاعته إلى عائشة .

وفي بعض الروايات أن ذلك كان في يوم عائشة ، وغير بعيد هذا القول لان النبي ( ص ) كان قد خصص لكل واحدة من زوجاته يوما وليلة ، أما السرية فلم يكن لها يوم مخصوص ليقضي معها الرسول ( ص ) فلابد أنه كان يطؤها في يوم بعض أزواجه ، ولما صادف ذلك في بيت حفصة ويوم عائشة ، وكانتا متصافيتين فيما بينهما متظاهرتين على غيرهما ، راجعتا النبي ( ص ) بذلك بشدة فحرم النبي ( ص ) السرية على نفسه ، كل ذلك جائز والعقل يستسيغه .


ويؤيد ذلك أن النبي ( ص ) لما هجرهن تسعا وعشرين ليلة مكث في العلية التي كان أسكنها مارية ، والتي كيت بعد ذلك بمشربة أم إبراهيم يومين ، كل ذلك جائز .

وأما أنه كيف كان تظاهرهما الذي ذكره القرآن حين قال : ( وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ . . . ) ؟

وما هو الأمر الذي أعرض عن ذكره الرسول ( ص ) تكرما ؟

فلا نطمئن إلى شئ مما حدثته الرواة في ذلك ، فإن كان الرسول أعرض عن ذكره تكرما ولم يجبهم به ، وأنهما ومن كان معهما لم يحدثوا ذلك لأحد فمن أين عرفه الرواة ؟

فقد وجدنا الخليفة عمر وأم المؤمنين عائشة لم يريا من الحكمة بيان ذلك في ما حدثوا عنه .


أما ما قاله الرواة في ذلك فقد رووا عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا . . . ) . قال : اطلعت حفصة على النبي ( ص ) مع أم إبراهيم فقال : " لا تخبري عائشة " وقال لها : " إن أباك وأباها سيملكان أو سيليان بعدي فلا تخبري عائشة " . قال : فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة ، فأظهره الله عليه فعرف بعضه  

- ج 2  ص 87 -

وأعرض عن بعض . . . ( فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ) أي أخبرت به عائشة لمصافاة كانت بينهما ، وكانتا متظاهرتين على نساء النبي ( ص ) ( وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ) أي أطلعه الله عليه ومعنى ( عرف بعضه وأعرض عن بعض ، عرف حفصة بعض ما أوحي إليه وأعرض عن بعض تكرما ( 1 ) .


عن الضحاك في قوله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ) كانت لرسول الله ( ص ) فتاة فغشيها فبصرت به حفصة ، وكان اليوم عائشة وكانتا متظاهرتين ، فقال رسول الله ( ص ) : " اكتمي علي ولا تذكري لعائشة ما رأيت " فذكرت حفصة لعائشة فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله ( ص ) حتى حلف أن لا يقربها أبدا فأنزل الله هذه الآية ، وأمره أن يكفر يمينه ويأتي جاريته ( 2 ) .


عن ابن عباس قوله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) إلى قوله : ( وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) قال : كانت عائشة وحفصة متحابتين ، وكانتا زوجتي النبي ( ص ) ، فذهبت حفصة إلى أبيها فتحدثت عنده ، فأرسل النبي ( ص ) إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة ، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة ، فرجعت حفصة فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر خروجهما وغارت غيرة شديدة فأخرج رسول الله ( ص ) جاريته ، ودخلت حفصة فقالت : قد رأيت من كان عندك ، والله لقد سؤتني فقال النبي ( ص ) : لأرضينك فإني مسر إليك سرا فاحفظيه قالت : ما هو ؟ قال : إني أشهدك أن سريتي هذه علي حرام رضا لك . . . ( 3 ) الحديث .


عن ابن عباس قال : قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان اللتان تظاهرتا ؟

  ( 1 ) راجع : تفسير القرطبي ج 18 / 186 - 187 في تفسير ( التحريم ) والسيوطي في الدر المنثور ج 6 / 241 .
( 2 ) تفسير الطبري ج 28 / 102 ، تفسير سورة التحريم .
( 3 ) تفسير الطبري ج 28 / 101 تفسير سورة التحريم والسيوطي ج 6 / 239 ( * ) .
 
 

- ج 2  ص 88 -

قال : عائشة وحفصة ؟ وكان بدء الحديث في شأن مارية أم إبراهيم القبطية ، أصابها النبي ( ص ) في بيت حفصة في يومها فوجدت حفصة فقالت : يا نبي الله لقد جئت إلي شيئا ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي قال : ألا ترضين أن احرمها فلا أقربها ؟ قالت : بلى ، فحرمها وقال : لا تذكري ذلك لأحد ، فذكرته لعائشة فاظهره الله عزوجل عليه فأنزل الله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ) الآيات كلها ، فبلغنا أن رسول الله ( ص ) كفر عن يمينه وأصاب جاريته ( 1 ) .

وفي تفسير سورة التحريم من القرطبي ( 2 ) .


روى الدارقطني عن ابن عباس ، عن عمر : دخل رسول الله ( ص ) بأم ولده مارية في بيت حفصة ، فوجدته حفصة معها - وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها - فقالت له : تدخلها بيتي ! ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك ، فقال لها : " لا تذكري هذا لعائشة فهي علي حرام إن قربتها " قالت حفصة : وكيف تحرم عليك وهي جاريتك ؟ فحلف لها ألا يقربها ، فقال النبي ( ص ) : " لا تذكريه لأحد " فذكرته لعائشة فآلى لا يدخل على نسائه شهرا فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة ، فأنزل الله عزوجل : (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) الآية .


وفي رواية ابن عباس بكنز العمال : حتى إذا كان يوم حفصة قالت : يا رسول الله إن لي حاجة إلى أبي فأذن لي آيته ، فأذن لها ، ثم أرسل إلى مارية جاريته فأدخلها بيت حفصة ، فوقع عليها ، فقالت حفصة : فوجدت الباب مغلقا

  ( 1 ) كنز العمال ج 2 / 332 - 339 من تفسير سورة التحريم والحديث ( 1786 ) ، والدر المنثور للسيوطي ج 6 / 239
والطبري في تفسير سورة التحريم ج 28 / 102 .
( 2 ) تفسير القرطبي ج 18 / 178 تفسير سورة التحريم
. ( * ) 
 
 

- ج 2  ص 89 -

فجلست عند الباب فخرج رسول الله ( ص ) وهو فزع ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي ، فقال : " ما يبكيك " ؟ قالت : إنما أذنت لي من أجل هذا ؟ أدخلت أمتك بيتي ، ثم وقعت عليها على فراشي ، ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن ، أما والله لا يحل لك هذا يا رسول الله ! فقال : " والله ما صدقت ، أليس هي جاريتي وقد أحلها الله لي ؟ أشهدك أنها علي حرام ألتمس رضاك ، لا تخبري بهذا امرأة منهن ، فهي عندك أمانة " فلما خرج رسول الله ( ص ) قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة ، فقالت : ألا ابشرك أن رسول الله ( ص ) قد حرم عليه أمته ، وقد أراحنا الله تعالى منها ، فأنزل الله . . . . الحديث ( 1 ) .


عن زيد بن أسلم ( 2 ) أن رسول الله ( ص ) أصاب أم ولده إبراهيم في بيت بعض نسائه قال : فقالت : أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي ! فجعلها عليه حراما . فقالت : يا رسول الله كيف تحرم عليك الحلال ؟ فحلف لما بالله لا يصيبها فأنزل الله عزوجل : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ . . . ) الآية . قال زيد : فقوله : انت علي حرام لغو ( 3 ) .


قال ابن زيد في قوله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ) قال : إنه وجدت امرأة من نساء رسول الله ( ص ) ورسول الله مع جاريته في بيتها ، فقالت : يا رسول الله أني

  ( 1 ) كنز العمال ج 2 / 535 - 537 ط . مؤسسة الرسالة في تفسير سورة التحريم وج 2 / 340 - 341 ط . حيدر آباد .
( 2 ) الطبري في تفسيره ج 28 / 100 تفسير سورة التحريم .
( 3 ) وهناك 14 حديثا في الباب أنها نزلت في تحريم الجارية ، راجع تفسير الطبري ج 28 / 100 - 101 ( * ) .
 
 

- ج 2  ص 90 -

كان هذا الأمر ، وكنت أهونهن عليك ؟ فقال لها رسول الله ( ص ) : " اسكتي لا تذكري هذا لأحد ، هي علي حرام إن قربتها بعد هذا أبدا " ، فقالت : يا رسول الله وكيف تحرم عليك ما أحل الله لك حين تقول : هي علي حرام أبدا ؟ فقال : " والله لا أتيها أبدا . . . " الحديث
 

لمتابعة خلاصة بحثي التحريم والتخيير اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب