- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 107 : -

أصداء روايات أم المؤمنين في أحاديث غيرها :


 أ - في حديث الخليفة عمر بن الخطاب .

روى السيوطي في تفسير الآيات بسنده عن الخليفة عمر انه قال : كان رسول الله ( ص ) إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ثلاثا فن أصابتها القرعة خرج بها معه ، فلما غزا بني المصطلق أقرع بينهن فأصابت عائشة وأم سلمة فخرج بهما معه ، فلما كانوا في بعض الطريق مال رحل أم سلمة فأناخوا بعيرها ليصلحوا  

- ج 2  ص 108 -

رحلها ، وكانت عائشة تريد قضاء حاجة فلما أبركوا إبلهم قالت عائشة : فقلت في نفسي : إلى ما يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي ، قالت : فنزلت من الهودج ولم يعلموا بنزولي فأتيت خربة فانقطعت قلادتي فاحتبست في جمعها ونظامها ، ولجت القوم إبلهم ومضوا وظنوا اني في الهودج ، فخرجت ولم أر أحدا فاتبعتهم حتى اعييت ، فقلت في نفسي : ان القوم سيفقدوني ويرجعون في طلبي فقمت على بعض الطريق ، فمر بي صفوان بن المعطل وكان سأل النبي ( ص ) أن يجعله على الساقة فجعله ، وكان إذا رجا الناس قام ليصلي ثم اتبعهم فما سقط منهم من شئ حمله حتى يأتي به أصحابه .

قالت عائشة : فلما مر بي ظن أني رجل فقال : يا نومان قم فان الناس قد مضوا ، فقلت : اني لست رجلا أنا عائشة قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ثم أناخ بعيره فعقل يديه ثم ولى عني فقال : يا أمه قومي فاركبي فإذا ركبت فآذنيني .

قالت : فركبت فجاء حتى حل العقال ثم بعث جمله فأخذ بخطام الجمل ، قال عمر : فما كلمها كلاما حتى أتى بها إلى رسول الله ( ص ) فقال عبد الله ابن أبي بن سلول للناس : فجر بها ورب الكعبة وأعانه على ذلك حسان بن ثابت ومسطح بن اثاثة وحمنة ، وشاع ذلك في العسكر فبلغ ذلك النبي ( ص ) فكان في قلب النبي ( ص ) مما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة ، واشاع عبد الله بن أبي هذا الحديث في المدينة واشتد ذلك على رسول الله ( ص )

قالت عائشة : فدخلت ذات يوم أم مسطح فرأتني وأنا أريد المذهب فحملت معي السطل وفيه ماء فوقع السطل منها فقالت : تعس مسطح قالت لها عائشة : سبحان الله تسبين رجلا من أهل بدر وهو ابنك ، قالت لها أم مسطح : انه سال بك السيل وأنت لا تدرين وأخبرتها بالخبر ، قالت : فلما اخبرتني اخذتني الحمى بنافض مما كان ولم أجد للمذهب

قالت عائشة : وقد كنت أرى من النبي ( ص ) قبل ذلك جفوة ولم أدر من أي شئ هو ، فلما حدثتني أم مسطح علمت أن جفوة رسول الله ( ص ) من ذاك ، 

- ج 2  ص 109 -

فلما دخل علي قلت : أتأذن لي أن أذهب إلى أهلي ؟ قال : اذهبي ، فخرجت عائشة حتى أتت أباها ، فقال : مالك ؟ : قالت : اخرجني رسول الله ( ص ) من بيته ، قال لها أبو بكر : فاخرجك رسول الله ( ص ) من بيته وآويك أنا والله لا آويك حتى يأمر رسول الله ( ص ) فأمره رسول الله ( ص ) ان يؤويها ، فقال لها أبو بكر : والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام ؟

فبكت عائشة وأمها أم رومان وأبو بكر وعبد الرحمن وبكى معهم أهل الدار ، وبلغ ذلك النبي ( ص ) فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه فقال : يا أيها الناس من يعذرني ممن يؤذيني ؟ فقام إليه سعد بن معاذ وسل سيفه وقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه ، ان يكن من الأوس أتيتك برأسه وان يكن من الخزرج أمرتنا بأمرك فيه .

فقام سعد بن عبادة فقال : كذبت والله ما تقدر على قتله انما طلبتنا بذحول كانت بيننا وبينكم في الجاهلية ، فقال هذا : يا للأوس وقال هذا : يا للخزرج فاضطربوا بالنعال والهجارة فتلاطموا فقام اسيد بن حضير فقال : فيم الكلام هذا رسول الله ( ص ) يأمرنا بأمره فنفعله عن رغم انف منا ، ونزل جبريل وهو على المنبر فلما اسري عنه تلا عليهم ما نزل به جبريل : ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ، إلى آخر الآية .

فصاح الناس : رضينا بما انزل الله وقام بعضهم إلى بعض وتلازموا أو تصايحوا فنزل النبي ( ص ) عن المنبر ، وابطا الوحي في عائشة فبعث النبي ( ص ) إلى علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وبريدة وكان إذا أراد ان يستشير في أمر أهله لم يعد عليا وأسامة بن زيد بعد موت أبيه ، فقال لعلي : ما تقول في عائشة فقد اهمني ما قال الناس ؟ قال : يا رسول الله قد قال الناس وقد حل لك طلاقها ، وقال لأسامة : ما تقول أنت ؟ قال : سبحان الله ما يحل لنا ان نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ، قال لبريرة : ما تقولين يا بريرة ؟ قالت : والله يا رسول الله ما علمت على أهلك إلا خيرا إلا أنها أمرأة نؤوم تنام حتى تجئ الداجن فتأكل عجينها   

- ج 2  ص 110 -

وان كان شئ من هذا ليخبرنك الله ، فخرج النبي ( ص ) حتى أتى منزل أبي بكر فدخل عليها فقال : يا عائشة ان كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى استغفر الله لك ، فقالت : والله لا استغفر الله منه أبدا ان كنت قد فعلته فلا غفر الله لي وما أجد مثلي ومثلكم إلا مثل أبي يوسف . اذهب اسم يعقوب من الاسف ( 1 ) ( قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )

فبينا رسول الله ( ص ) يكلها إذ نزل جبريل بالوحي فأخذت النبي ( ص ) نعسة فسري وهو يبتسم فقال : يا عائشة ان الله قد أنزل عذرك ، فقالت : بحمد الله لا بحمدك ، فتلا عليها سورة النور إلى الموضع الذي انتهى إليه عذرها وبراءتها ، فقال رسول الله ( ص ) : قومي إلى البيت ، فقامت وخرج رسول الله ( ص ) إلى المسجد ، فدعا أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة ، وبعث إلى عبد الله بن أبي فجئ به فضربه النبي ( ص ) حدين وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة فضربوا ضربا وجيعا ووجى في رقابهم .

قال ابن عمر : انما ضرب رسول الله ( ص ) عبد الله بن أبي حدين لانه من قذف أزواج النبي ( ص ) فعليه حدان .

فبعث أبو بكر إلى مسطح : لا وصلتك بدرهم أبدا ولا عطفت عليك بخير أبدا ثم طرده أبو بكر وأخرجه من منزله ، ونزل القرآن : ( وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ ) إلى آخر الآية ، فقال أبو بكر : اما إذ نزل القرآن يأمرني فيك لاضاعفن لك .

وكانت امرأة عبد الله بن أبي منافقة معه فنزل القرآن : ( الْخَبِيثَاتُ ) يعني امرأة عبد الله ( لِلْخَبِيثِينَ ) مع عبد الله ( وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ) عبد الله وامرأته ( وَالطَّيِّبَاتُ ) يعني عائشة وأزواج النبي ( ص ) ( لِلطَّيِّبِينَ ) يعني

  ( 1 ) هكذا في الأمل . ( * )   
 

- ج 2  ص 111 -

النبي ( ص ) ( 1 ) .

 ب - أيضا أخرج السيوطي في تفسير الآية عن ابن عباس أنه قال : إن النبي ( ص ) كان إذا سافر جاء ببعض نسائه وسافر بعائشة وكان لها هودج وكان الهودج له رجال بجملونه ويضعونه ، فعرس رسول الله ( ص ) وأصحابه وخرجت عائشة للحاجة فباعدت فلم يعلم بها فاستيقظ النبي ( ص ) والناس قد ارتحلوا . وجاء الذين يحملون الهودج فحملوه فلم يعلموا إلا أنها فيه فساروا .

وأقبلت عائشة فوجدت النبي ( ص ) والناس قد ارتحلوا فجلست مكانها فاستيقظ رجل من الأنصار ( 2 ) يقال له صفوان بن معطل وكان لا يقرب النساء فتقرب منها ومعه بعير له ، فلما رآها وكان قد عرفها وهي صغيرة قال : أم المؤمنين ؟ ولوى وجهه وحملها ثم أخذ بخطام الجمل وأقبل يقوده حتى لحق الناس والنبي ( ص ) قد نزل وفقد عائشة ، فاكثروا القول وبلغ ذلك النبي ( ص ) فشق عليه حتى اعتزلها . واستشار فيها زيد بن ثابت وغيره فقال : يا رسول الله دعها لعل الله يحدث أمره فيها . فقال علي بن أبي طالب : النساء كثير .

وخرجت عائشة ليلة تمشي في نساء فعثرت أم مسطح فقالت : تعس مسطح ، قالت عائشة : بئس ما قلت ، فقالت : انك لا تدرين ما يقول فاخبرتها فسقطت عائشة مغشيا عليها ، ثم أنزل الله : ( إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ )

  ( 1 ) الدر المنثور ج 5 / 28 - 29 . ( 2 ) يبدو ان الراوي يخلط كثيرا فان صفوان لم يكن من الأنصار . ( * )   
 

- ج 2  ص 112 -

الآيات . وكان أبو بكر يعطي مسطحا ويصله ويبره فحلف أبو بكر لا يعطيه فتزل : ( ولا يأتل أولو الفضل منكم ) الاية ، فأمره النبي ( ص ) أن يأتيها ويبشرها فجاء أبو بكر فأخبرها بعذرها وما أنزل الله فيها فقالت : بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك ( 1 ) .


 ج - في الدر المنثور عن أبي اليسر الأنصاري : أن النبي ( ص ) قال لعائشة : يا عائشة قد أنزل الله عذرك قالت : بحمد الله لا بحمدك ، فخرج رسول الله ( ص ) من عند عائشة فبعث إلى عبد الله بن أبي ففربه حدين وبعث إلى مسطح وحمنة ففربهم ( 2 ) .


 و - في صحيح البخاري بسنده عن مسروق بن الاجدع قال : حدثتني أم رومان وهي أم عائشة قالت : بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار فقالت : فعل الله بفلان وفعل ، فقالت أم رومان : وما ذاك ؟ قالت : ابني فيمن حدث الحديث ، قالت : وما ذاك ؟ قالت : كذا وكذا ، قالت عائشة : سمع رسول الله ( ص ) ؟ قالت : نعم ، قالت : وأبو بكر ؟ قالت : نعم ، فخرت مغشيا عليها ، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض ، فطرحت عليها ثيابها فغطيتها ، فجاء النبي ( ص ) فقال : ما شأن هذه ؟ قلت : يا رسول الله أخذتها الحمى بنافض ، قال : فلعل في حديث تحدث به ، قالت : نعم ، فقعدت عائشة فقالت : والله لئن

  ( 1 ) الدر المنثور 5 / 28 ومن هذه الرواية أخذ الشيخ الطوسي ( ت : 460 ه‍ ) ما رواه بتفسير الآية من تفسيره البيان .
( 2 ) الدر المنثور ج 5 / 29 وابو أنس قال بترجمته في اسد الغابة ج 5 / 142 : ابو أنس الأنصاري مدني ، وقال في آخر ترجمته : وابو انس يتصحف من ابي اسيد وكذا في الدر المنثور ذكره ابو اليسر
. ( * ) 
 
 

- ج 2  ص 113 -

حلفت لا تصدقوني ، ولئن قلت لا تعذروني ، مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه ، والله المستعان على ما تصفون ، قالت : وانصرف ولم يقل شيئا ، فأنزل الله عذرها ، قالت : بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك ( 1 ) .


وانما قلنا ان الروايات الآنفة من اصداء روايات أم المؤمنين عائشة لأن في الرواية المروية عن الخليفة عمر بعد الاسترسال في الحديث عن القصة جاء : قالت عائشة .

إذا فان ما روي عن الخليفة مصدره أم المؤمنين عائشة وتفرد هذا الحديث خاصة بذكر ما يأتي :

 أ - ان أباها لم يؤوها حتى اذن له رسول الله ( ص ) .

 ب - ان الأوس والخزرج تضاربوا بالنعال حتى أنزل الله فيهم : ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا  . . . ) الآية .

 ج - ان امرأة عبد الله بن أبي كانت - أيضا - منافقة وأنزل الله تعالى في شأنهما : ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ) وأنزل سبحانه في شأن عائشة وسائر أزواج الرسول ( ص ) : ( وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ ) الآية .


أما الرواية المروية عن ابن عباس فقد تفردت بذكر ما يأتي :

 أ - فاستيقظ النبي ( ص ) والناس قد ارتحلوا .

 ب - فاستيقظ رجل من الأنصار يقال له صفوان بن المعطل بينما صفوان كان من المهاجرين .

 ج - استشار النبي (ص) في أمرها زيد بن ثابت بينما جاء في روايات الصحاح انه استشار في أمرها أسامة بن زيد.

وانما قلنا ان هذه الرواية - أيضا - من اصداء روايات أم المؤمنين لأن ابن

  ( 1 ) صحيح البخاري ط . دار الكتب العربية بمصر سنة 1327 ، كتاب المغازي ، باب حديث الافك ج 3 / 28 ( * ) .  
 

- ج 2  ص 114 -

عباس كان قد هاجر إلى المدينة مع أبيه في السنة الثامنة من الهجرة ولم يكن في المدينة قبل ذلك ، وخبر الافك كما ترويه أم المؤمنين عائشة كان قبل ذلك ، ولأن روايته للحديث الذي دار بين أم المؤمنين عائشة وأم مسطح لم يحضرها ليرويها إلا أن يكون قد سمعها من أحاديث أم المؤمنين عائشة التي مرت بنا في ما سبق والتي كانت قد انتشرت منذ عصر أم المؤمنين عائشة بين المسلمين وبقيت كذلك حتى اليوم .


وكذلك الأمر في ما روي عن أبي أنيس انه أخبر أن أم المؤمنين عائشة قالت لرسرل الله بعد نزول الآيات : ( بحمد الله لا بحمدك ) فهل كان أبو أنيس حاضرا معهما يخبر عما دار بينهما من حديث ؟

أم ان هذا الخبر - أيضا - من أصداء روايات أم المؤمنين عائشة ؟

ورواية مسروق بن الاجدع سوف يأفتي في التراجم بآخر البحث انه لم يلق ام رومان ، وانه جاء إلى المدينة بعد وفاة أم رومان ، ثم ان أم رومان - أيضا - على الاصح كانت قد توفيت قبل غزوة بني المصطلق .

* * *

كانت تلكم روايات المسابقة والتيمم والافك في كتب الصحاح والسنن والمسانيد وفي ما يأتي نورد أخبارها بإذنه تعالى من أوثق مصادر سيرة الرسول ( ص ) .

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب