|
-
أحاديث أم
المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2 ص 126
: - |
|
ذكر
ما كان من أمر ابن أبي :
روى الواقدي وقال : فبينا
المسلمون على ماء المريسيع قد انقطعت الحرب ، وهو ماء
ظنون ( 2 ) إنما يخرج في الدلو نصفه . أقبل سنان بن
وبر الجهني ومعه فتيان من بني سالم يستقون وعلى الماء
جمع من المهاجرين والأنصار .
فأدلى سنان دلوه ، وأدلى جهجاه بن مسعود ابن سعد بن حرام الغفاري - أجير عمر بن
الخطاب - دلوه ، فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه وتنازعا
، فضرب جهجاه سنانا فسال الدم فنادى : يا آل خزرج !
وثارت الرجال ، فهرب جهجاه وجعل ينادي في العسكر :
يالقريش ! يالكنانة ! فأقبلت قريش وأقبلت الأوس
والخزرج وشهروا السلاح حتى كادت تكون فتنة عظيمة ،
فقام رجال في الصلح فترك سنان حقه .
وكان عبد الله بن
أبي جالسا في عشرة من المنافقين فغضب وقال : والله ما
| |
(
2 ) الماء الظنون : أي القليل ( النهاية ) ( * ) . |
|
|
رأيت كاليوم مذلة ! والله إن كنت لكارها لوجهي هذا
ولكن قومي قد غلبوني ، قد فعلوها ، قد نافرونا ( 1 )
وكاثرونا في بلدنا ، وأنكروا منتنا ( 2 ) والله ما
صرنا وجلابيب ( 3 ) قريش هذه إلا كما قال القائل : "
ممن كلبك ياكلك " . والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن
أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجاه وأنا حاضر لا يكون
لذلك مني غيز ( 4 ) والله لئن رجعنا إلى المدينة
ليخرجن الأعز منها الأذل .
ثم أقبل على من حضر من قومه
فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ! أحللتموهم بلادكم ،
ونزلوا منازلكم ، وآسيتموهم ( 5 ) في أموالكم حتى
استغنوا ، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم
لتحولوا إلى غير بلادكم ، ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى
جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا فقتلتم دونهم ، فأيتمتم
أولادكم وقللتم وكثروا . . . الحديث .
وفي الاغاني ( 6
) فقال عبد الله بن أبي بن سلول : هذا ما جزونا به ،
آويناهم
ثم هم يقاتلوننا ! وبلغ
حسان بن ثابت الذي بين جهجاه وبين الفتية الأنصار ،
| |
(
1 ) نافره : خاصمه وفاخره ، فيكون أحدهما
أعز نفرا من صاحبه .
( 2 ) المنة : الاحسان والنعمة .
( 3 ) الجلباب : إزار يشتمل به فيغطي الجسد ، وهو من
خشن اللباس يلبسه الفقراء ، وكان المهاجرون لما هاجررا
- على ما هم عليه من الخلة والعيلة - كان ذلك أكثر
لباسهم فيما يرى ، فجعل المنافقون يسمونهم " الجلابيب
" كناية عن فقرهم وقلتهم وغربتهم ، وجعلوا ذلك نبزا
وتهزؤا .
( 4 ) والغير : الاسم من قولك غيرت الشئ
تغييرا ، يريد لا يكون مني لهذا العدوان دفع أو تغيير
أو قصاص .
( 5 ) آسيتموهم : يريد سويتم بينكم وبينهم
في هذه الأموال .
( 6 ) الاغاني ج 4 / 12 - 13 ط .
ساسي وقال ابن كثير في ج 4 / 163 : وقد ذكر ابن إسحاق
ان حسان بن ثابت قال شعرا يهجو فيه صفوان بن المعطل
وجماعة من قريش ممن تخاصم على الماء من أصحاب جهجاه
. ( * ) |
|
|
فقال وهو يريد المهاجرين من القبائل قدموا على رسول
الله ( ص ) في الإسلام ، وهذا الشعر من رواية مصعب دون
الزهري :
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
يمشون بالقول سرا في مهادنة
تهددا لي كأني لست من أحد
قد ثكلت أمه من كنت صاحبه أو
كان منتشبا في برثن الأسد
ما للقتيل الذي اسمو فأقتله
من دية فيه أعطيها ولاقود
ما البحر حين تهب الريح
شامية فيغطئل ويرمي العبر بالزبد
يوما بأغلب مني حين
تبصرني أفري من الغيظ فري العارض البرد
أما قريش فإني
لست تاركهم حتى ينيبوا من الغيات بالرشد
ويتركوا اللات والعزى بمعزلة ويسجدوا كلهم للواحد الصمد
ويشهدوا أن
ما قال الرسول لهم حق ويوفوا بعهد الله في سدد
أبلغ
بني بأني قد تركت لهم من خير ما ترك الآباء للولد
الدار واسطة والنخل شارعة والبيض يرفلن في القسي
كالبرد
قال : فقال رسول الله ( ص ) : " يا حسان نفست
علي إسلام قومي " ( 1 ) .
وقال الواقدي والمقريزي :
فقام زيد بن أرقم بهذا الحديث كله إلى رسول الله ( ص )
، فيجد عنده نفرا من أصحابه من المهاجرين والأنصار
فأخبره الخبر . فكره رسول الله ( ص ) خبره وتغير وجهه
، ثم قال رسول الله ( ص ) : يا غلام ، لعلك غضبت عليه
! قال : لا والله ، لقد سمعته منه . قال : لعله أخطأ
سمعك ! قال : لا يا نبي الله ! قال : لعله شبه عليك !
قال : لا والله ، لقد سمعته منه يا رسول الله ! وشاع
في العسكر ما قال ابن
| |
(
1 ) الاغاني ج 4
/ 12 - 13 ط . ساسي
. ( * ) |
|
|
أبي ، وليس للناس حديث إلا ما قال ابن أبي ، وجعل
الرهط من الأنصار ( 1 ) يؤنبون الغلام ويقولون : عمدت
إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل ، وقد ظلمت وقطعت
الرحم ! فقال زيد : والله لقد سمعت منه ! قال : والله
، ما كان في الخزرج رجل واحد أحب إلي من عبد الله بن
أبي ، والله ، لو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى
رسول الله ( ص ) ، وإني لأرجو أن ينزل الله تعالى على
نبيه حتى يعلموا أنا كاذب أم غيري ، أو يرئ رسول الله
( ص ) تصديق قولي .
وجعل زيد يقول : اللهم أنزل على
نبيك ما يصدق حديثي ! فقال قائل : يا رسول الله ، مر
عباد بن بشر فليأتك برأسه . فكره رسول الله ( ص ) هذه
المقالة . ويقال قال : قل لمحمد بن مسلمة يأتك برأسه .
فقال النبي ( ص ) وأعرض عنه : لا يتحدث الناس أن محمدا
يقتل أصحابه .
وقام النفر من الأنصار الذين سمعوا قول
النبي ( ص ) ورده على الغلام ، فجاءوا إلى ابن أبي
فأخبروه ، وقال أوس بن خولى : يا أبا الحباب ، إن كنت
قلته فأخبر النبي يستغفر لك ، ولا تجحده فينزل ما
يكذبك . وإن كنت لم تقله فأت رسول الله ( ص ) فاعتذر
إليه واحلف لرسول الله ( ص ) ما قلته . فحلف بالله
العظيم ما قال من ذلك شيئا .
ثم إن ابن أبي أتى إلى
رسول الله ( ص ) فقال : يابن أبي ، إن كانت سلفت منك
مقالة فتب . فجعل يحلف بالله ما قلت ما قال زيد ، ولا
تكلمت به ! وكان في قومه شريفا ، فكان يظن أنه قد صدق
، وكان يظن به سوء الظن .
ثم مشى إلى رسول الله ( ص )
وحلف بالله ما قال . وأسرع رسول الله ( ص ) عند ذلك
السير ، ورحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها .
ولم يشعر
أهل العسكر إلا برسول الله ( ص ) قد طلع على راحلته
القصواء ، وكانوا في حر شديد ، وكان لا يروح حتى يبرد
، إلا انه لما جاءه خبر ابن أبي رحل في تلك الساعة ،
فكان أول من لقيه ، اسيد بن حضير ، فقال : السلام عليك
| |
(
1 ) في ب : " يقولون ويؤنبون " ( * ) . |
|
|
أيها النبي ورحمة الله ! فقال رسول الله ( ص ) :
وعليك السلام ! فقال : يا رسول الله ، قد رحلت في ساعة
فنكرة ما كنت ترحل فيها ! فقال رسول الله ( ص ) : أو
لم يبلغكم ما قال صاحبكم ؟ قال : أي صاحب يا رسول الله
؟ قال : ابن أبي ، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج
الأعز منها الأذل ! قال : فأنت يا رسول الله تخرجه إن
شئت ، فهو الأذل وأنت الأعز ، والعزة لله ولك
وللمؤمنين .
ثم قال : يا رسول الله ، ارفق به فو الله
لقد جاء الله بك ، وإن قومه لينظمون له الخرز ، ما
بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي ، قد أرب
( 1 ) بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها ليتوجوه ، فجاء
الله بك على هذا الحديث ، فما يرى إلا قد سلبته ملكه .
قال : فبينا رسول الله ( ص ) يسير من يومه ذلك ، وزيد
بن أرقم يعارض النبي ( ص ) براحلته ، يريه وجهه في
المسير ، ورسول الله يستحث راحلته فهو مغذ في السير ،
إذ نزل عليه الوحي .
قال زيد بن أرقم : فما هو إلا أن
رأيت رسول الله ( ص ) تأخذه البرحاء ويعرق جبينه ،
وتثقل يدا راحلته حتى ما كاد ينقلها ، عرفت أن رسول
الله ( ص ) يوحى إليه ، ورجوت أن يكون ينزل عليه تصديق
خبري .
قال زيد بن أرقم : فسري عن رسول الله ( ص ) ،
فأخذ بأذني وأنا على راحلتي حتى ارتفعت من مقعدي
ويرفعها إلى السماء ، وهو يقول : وفت أذنك يا غلام ،
وصدق الله حديثك ! ونزل في ابن ابي السورة من أولها
إلى آخرها وحده : (
إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ . . . ) ( 2 )
.
قال عمر : فأقبلت حتى جئت رسول الله ( ص ) وهو في فئ
شجرة ، عنده غليم أسيود يغمز ظهره ، فقلت : يا رسول
الله كأنك تشتكي ظهرك . فقال : تقحمت بي الناقة الليلة
. فقلت : يا رسول الله ، إيذن لي أن أضرب عنق ابن أبي
| |
(
1 ) أرب بهم : اشتد ( القاموس المحيط ج 1 ، ص 36 ) . (
2 ) سورة المنافقون
. ( * ) |
|
|
في مقالته . فقال رسول الله ( ص ) : أو كنت فاعلا ؟
قال : نعم والذي بعثك بالحق ! قال رسول الله ( ص ) :
إذا لأرعدت له آنف بيثرب كثيرة ، لو أمرتهم بقتله
قتلوه . قلت : يا رسول الله ، فمر محمد بن مسلمة يقتله
. قال : لا يتحدث الناس أن محمدا قتل أصحابه .
ومر
عبادة بن الصامت بعبدالله بن أبي عشية راح النبي ( ص )
من المريسيع ، وقد نزل على النبي ( ص ) سورة المنافقون
فلم يسلم عليه ، ثم مر أوس ابن خولى فلم يسلم عليه ،
فقال ابن أبي : إن هذا الأمر قد تمالأتما ( 1 ) عليه.
فرجعا إليه فأنباه وبكتاه بما صنع ، وبما نزل من
القرآن إكذابا لحديثه ، وجعل أوس بن خولى يقول : لا
أكذب عنك أبا حتى أعلم أن قد تركت ما أنت ( 2 ) عليه
وتبت إلى الله ، إنا أقبلنا على زيد بن أرقم نلومه
ونقول له : " كذبت على رجل من قومك " حتى نزل القرآن
بتصديق حديث زيد وإكذاب حديثك .
وجعل ابن أبي يقول :
لا أعود أبدا ! وبلغ ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي
مقالة عمر بن الخطاب لرسول الله ( ص ) : " مر محمد بن
مسلمة يأتك برأسه " فجاء إلى النبي ( ص ) فقال : يا
رسول الله ، إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما بلغك عنه
فمرني ، فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك
هذا .
والله ، لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر
بوالد مني ، وما أكل طعاما منذ كذا وكذا من الدهر ،
ولا يشرب شرابا إلا بيدي ، وإني لأخشى يا رسول الله أن
تأمر غيري فيقتله ، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي
يمشي في الناس ، فأقتله فأدخل النار ، وعفوك أفضل ،
ومنك أعظم . قال رسول الله ( ص ) : يا عبد الله ، ما
أردت قتله وما أمرت به ، ولنحسنن صحبته ما كان بين
أظهرنا . فقال عبد الله : يا رسول الله ، إن أبى
| |
(
1 ) أي تساعدا واجتمعا عليه . (
النهاية ، ج 4 ، ص 105 ) .
( 2 ) في الأصل : " ما أنزل عليه
" ، وما أثبتناه هو قراءة ب
. ( * ) |
|
|
كانت هذه البحرة ( 1 ) قد اتسقوا عليه ليتوجوه عليهم
، فجاء الله بك ، فوضعه الله ورفعنا بك ، ومعه قوم يطيفون به ويذكرون أمورا قد غلب الله عليها .
قال :
فلما انصرف من عند النبي ( ص ) وعرف أن رسول الله ( ص
) قد تركه ولم يأمره بقتله ، قال : ألا إنما الدنيا
حوادث تنتظر ومن أعجب الأحداث ما قاله عمر يشئر على من
عنده الوحي هكذا ولم يستشره بالتي تحلق الشعر ولو كان
للخطاب ذنب كذنبه فقلت له ما قال في والدي كشر غداة
يقول ابعث إليه محمدا ليقتله بئس لعمرك ما أمر فقلت
رسول الله إن كنت فاعلا كفيتك عبد الله لمحك بالبصر
تساعدني كف ونفس سخية وقلب على البلوى أشد من الحجر
وفي ذاك ما فيه والاخرى غضاضة وفي العين مني نحو
صاحبها عور فقال ألا لا يقتل المرء طائعا أباه وقد
كادت تطير بها مضر قال رافع بن خديج : لما رحنا من
المريسيع قبل الزوال كان الجهد بنا يومنا وليلتنا ، ما
أناخ منا رجل إلا لحاجته أو لصلاة يصليها .
وإن رسول
الله ( ص ) يستحث راحلته ، ويخلف بالسوط في مراقها ( 2
) حتى أصبحنا ، ومددنا يومنا حتى انتصف النهار أو كرب
، ولقد راح الناس وهم يتحدثون بمقالة ابن أبي وما كان
منه ، فما هو إلا أن أخذهم السهر والتعب بالمسير ، فا
نزلوا حتى ما يسمع لقول ابن أبي في أفواههم - يعني
ذكرا - وإنما أسرع رسول الله ( ص ) بالناس ليدعوا حديث
ابن أبي ، فلما
| |
(
1 ) البحرة : البلدة ، يعني المدينة .
( 2 ) أي في مراق بطنها ، وهي مارق منه في أسافله . (
أساس البلاغة ، ص 362 )
( * ) . |
|
|
نزلوا وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما .
ثم راح رسول
الله ( ص ) بالناس مبردا ، فنزل من الغد ماء يقال له بقعاء فوق النقيع ، وسرح الناس ظهرهم ، فأخذتهم ريح
شديدة حتى أشفق الناس منها ، وسألوا عنها رسول الله (
ص ) وخافوا أن يكون عيينة بن حصن خالف إلى المدينة ،
وقالوا : لم تهج هذه الريح إلا من حدث ! وإنما
بالمدينة الذراري والصبيان .
وكانت بين النبي ( ص )
وبين عيينة مدة ، فكان ذلك حين انقضائها فدخلهم أشد
الخوف ، فبلغ رسول الله ( ص ) خوفهم ، فقال رسول الله
( ص ) : ليس عليكم بأس منها ، ما بالمدينة من نقب إلا
عليه ملك يحرسه ، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها ،
ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة ، فلذلك
عصفت الريح .
وكان موته للمنافقين غيظا شديدا ، وهو
زيد بن رفاعة بن التابوت ، مات ذلك اليوم . قال جابر
بن عبد الله ، قال : كانت الريح يومئذ أشد ما كانت قط
. إلى أن زالت الشمس ، ثم
سكنت آخر النهار . قال جابر : فسألت حين تدمت قبل أن
أدخل بيتي : من مات ؟ فقالوا : زيد بن رفاعة بن
التابوت . وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة
الريح حتى دفن عدو الله فسكنت الريح .
قال عبادة بن
الصامت يومئذ لابن أبي : أبا حباب ، مات خليلك ! قال :
أي أخلائي ؟ قال : من موته فتح للإسلام وأهله . قال :
من ؟ قال : زيد بن رفاعة ابن التابوت . قال : يا ويلاه
، كان والله وكان ! فجعل يذكر ، فقلت : اعتصمت بالذنب
الأبتر ( 1 ) .
قال : من أخبرك يا أبا الوليد بموته ؟
قلت : رسول الله ( ص ) أخبرنا الساعة أنه مات هذه
الساعة . قال : فأسقط في يديه وانصرف كئيبا حزينا .
قالوا : وسكنت الريح آخر النهار فجمع الناس ظهورهم .
ثم تقدم عبد الله بن عبد الله بن أبي الناس حتى وقف
لأبيه على الطريق
| |
(
1 ) أي المقطوع . ( النهاية
، ج 1 ، ص 58 ) ( * ) . |
|
|
- عند مضيق المدينة - فلما رآه أناخ به وقال : لا
أفارقك حتى تزعم انك الذليل ومحمد العزيز .
وفي رواية
فقال : قف فوالله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله ( ص )
في ذلك ، فلما جاء رسول الله ( ص ) استأذنه في ذلك
فأذن له فأرسل حتى دخل المدينة ( 1 ) .
انقسمت الصحابة
في هذه الواقعة إلى قسمين ، قسم مالت بهم العصبية
القبلية عن الحق وآخرون عصمهم المبدأ والعقيدة عن
الانجراف وراءها وكان حسان بن ثابت شاعر الأنصار ممن
لبى نداء العصبية .
قال ابن شهاب الزهري : وبلغ حسان
بن ثابت الذي بين جهجاه وبين الفتية الأنصار فقال وهو
يريد المهاجرين من القبائل الذين قدموا على رسول الله
( ص ) في الإسلام : ( امسى . . . ) الأبيات .
وفي
رواية مصعب : ( فغضب من ذلك حسان فقال هذا الشعر ) .
مالت العصبية القبلية بحسان لما بلغه قول ابن أبي : ما
صرنا وجلابيب قريش إلا كما قال القائل : سمن كلبك
يأكلك . فأنشد يقول :
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا
وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
قد ثكلت امه من كنت
صاحبه أو كان منتشبا في برثن الاسد
ما لقتيلي الذي
اغدو فاخذه من دية فيه يعطاها ولاقود
ما البحر حين تهب
الريح شامية فيغطئل ويرمي المعبر بالزبد
| |
(
1 ) طبقات ابن سعد ج 2 /
65 . |
|
|
يوما بأغلب مني حين تبصرني ملغيظ افري كفري العارض
البرد ( 1 )
ثم حدا به المبدأ ان يتلافى ما قال فقال
بعد هذا : اما قريش فاني لن أسالمهم حتى ينيبوا من
الغيات للرشد ويتركوا اللات والعزى بمعزلة ويسجدوا
كلهم للواحد الصمد ويشهدوا ان ما قال الرسول لهم حق
ويوفوا بعهد الله والوكد ان قول حسان : " أمسى
الجلابيب قد عزوا وقد كثروا . . . " الأبيات إلى قوله
: " كفري العارض البرد " إن هي إلا صدى لقول ابن ابي :
( ما اعدنا وجلابيب قريش إلاى قال الأول : سمن كلبك
يأكلك " .
فان حسان يقول : امسى هؤلاء الجلابيب قد
عزوا وقد كثروا وابن الفريعة - يقصد بها نفسه - امسى
وحيدا وهو يلمح بهذا إلى ان الأنصار أصبحوا أقلية ثم
يقول : إن صاحبي ثكلته أمه قد اصبح ذليلا كمن هو عالق
في برثن الأسد ويقول : بلغت من العزة إلى حد ان قتيلي
لا يعطى دية فيه وقاتله لا يقاد به ، ثم تحمس بعد هذا
وقال مهددا : ليس البحر حين تهب الريح عليه ويموج
ويرمي بالزبد جوانبه باغلب مني حين افري اقطع من ألغيظ
كفري السحاب الذي به البرد ، قال كل هذا في شأن اخوانه
المهاجرين ثم رجع إلى رشده وكان بليغا في تخلصه مما
تورط فيه حين قال : اما قريش فلن اسالمهم حتى يتركوا
اللات
| |
(
1 ) ( الجلابيب ) : كان المشركون بمكة يلقبون اصحاب النبي ( ص ) بالجلابيب و ( الفريعة
) : اسم ام حسان .
و ( منتشبا ) : عالقا في برثن الاسد
. و ( القود ) : قتل النفس بالنفس ، ( يغطئل ) : يموج
ويتحرك .
و ( العبر ) : جانب النهر والبحر . و ( ملغيظ
) مخفف من الغيظ . و ( فرى ) : اقطع .
و ( العارض ) :
البرد السحاب الذي فيه البرد . و ( الوكد ) : المواثيق
المؤكدة
. ( * ) |
|
|
والعزى ويسجدوا لله ويشهدوا بان ما قال لهم الرسول (
ص ) حق . ويح حسان الم يكن من سماهم بالجلابيب من
فقراء المهاجرين بالمؤمنين ؟ فما باله يستكثر عليهم
ويتهدد بهم ؟ بلغ فقراء المهاجرين أبيات حسان هذه فحزت
في نفوسهم قال المقريزي ( 1 ) : ( فجاء صفوان بن
المعطل إلى جعيل بن سراقة فقال : انطلق بنا نضرب حسان
، فو الله ما اراد غيرك وغيري ، ولنحن اقرب إلى رسول
الله ( ص ) منهم . فأبى جعيل ان يذهب إلا بأمر رسول
الله ( ص ) وخرج صفوان مصلتا السيف حتى ضرب حسان بن
ثابت في نادي قومه ) .
وقال ابن هشام
( 2 ) : فاعترضه
صفوان بن المعطل فضربه بالسيف ثم قال : تلق ذباب السيف
عني فانني غلام إذا هوجيت لست بشاعر ثم ان ثابت بن قيس
بن شماس وثب على صفوان بن المعطل - حين ضرب حسان -
فجمع يديه إلى عنقه بميل ، ثم انطلق به إلى دار بني
الحرث بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة ، فقال
: ما هذا ؟ قال : اما اعجبك
ضرب حسان بالسيف ؟ والله ما أراه إلا قتله ، قال له
عبد الله بن رواحة : هل علم رسول الله ( ص ) بشئ مما
صنعت ؟ قال : لا والله ، قال : لقد اجترأت ، اطلق
الرجل ، فأطلقه ثم أتوا رسول الله ( ص ) فذكروا ذلك له
فدعا حسان وصفوان ابن المعطل ، فقال حسان : يا رسول
الله شهر علي السيف في نادي قومي ثم ضربني لأن أموت
ولا أراني الا ميتا من جراحاتي ! فقال ( ص ) لصفوان :
لم ضربته وحملت السلاح عليه ؟ وتغيظ . فقال : يا رسول
الله آذاني وهجاني وسفه علي وحسدني على
| |
(
1 ) امتاع الاسماع ص 211 .
( 2 ) سيرة ابن هشام ج 3 /
352 ط . مصر ، تاريخ الطبري ج 2 / 618
. ( * ) |
|
|
الإسلام ، فقال لحسان : " أسفهت على قوم أسلموا " ؟
ثم قال : ( احبسوا صفوان فان مات حسان فاقتلوه به )
فخرجوا بصفوان ، وبلغ ذلك سعد بن عبادة ، فأقبل على
قومه من الخزرج ، فقال : عمدتم إلى رجل من قوم رسول
الله تؤذونه وتهجونه بالشر وتشتمونه ، فغضب لما قيل له
، ثم أسرتموه أقبح الأسر ورسول الله ( ص ) بين أظهركم
. قالوا : فإن رسول الله أمرنا بجبسه وقال : إن مات
صاحبكم فاقتلوه .
قال سعد : والله ان أحب الأمرين إلى
رسول الله ( ص ) العفو ، ولكن رسول الله ( ص ) ليحب ان
يترك صفوان ، والله لا أبرح حتى يطلق .
فقال حسان : ماكان لي من حق فهو لك وأبى قومه فغضب قيس بن سعد بن
عبادة ، وقال : عجبا لكم ما رأيت كاليوم أن حسان قد
ترك حقه وتأبون أنتم ؟ ما ظننت أحدا من الخزرج يرد أبا
ثابت في أمر يهواه ! فاستحيا القوم واطلقوا صفوان من
الوثاق فذهب به سعد إلى بيته فكساه حلة ، ثم
خرج به إلى المسجد ليصلي
فيه ، فرآه رسول الله ( ص ) ، فقال : صفوان ؟ قالوا :
نعم يا رسول الله ، قال : من كساه ؟ قالوا : سعد بن
عبادة ، قال : كساه الله من ثياب الجنة ثم كلم بعد
حسان حتى أقبل في قومه إلى رسول الله ( ص ) وقال : يا
رسول الله ، كل حق لي قبل صفوان بن معطل فهو لك ، قال
: قد أحسنت وقبلت ذلك وأعطى حسان أرضا براحا ( 1 ) وهي
يرحا وما حوله وسيرين أخت مارية وأعطاه سعد بن عبادة
حائطا كان يجد ما لا كثيرا ( 2 ) عوضا بما عفا عن حقه
، ويروى أن حسان - لما حبس صفوان - أرسل إليه رسول
الله ( ص ) فقال : يا حسان أحسن فيما أصابك
| |
(
1 ) البراح : الأرض الظاهرة الواسعة لانبات بها .
( 2 ) جد من نخلة كذا وكذا وسقا أي أخذ من ثمرنها
واقتطع وأخرجت له ذلك على أن سيرين لم تكن عند ذاك
بالمدينة فانها جاءت مع ماريه
. ( * ) |
|
|
فقال : هو لك يا رسول الله فأعطاه بيرحا وسيرين عوضا
( 1 ) .
* * *
كانت تلكم روايات المسابقة والتيمم
والافك وظروفها في مصادر الدراسات الإسلامية وفي ما
يأتي نستعين الله عز اسمه ونقوم بدراستها بإذنه تعالى
بدءا بدراسة تراجم المذكورين في الأخبار وأسنادها :
لمتابعة تراجم المذكورين في
الأخبار اضغط على
الصفحة التالية أدناه
| |
(
1 ) ان سيرين قد أهداها الرسول ( ص ) إلى حسان بعد هذه
الواقعة بأربع سنوات أو أكثر وبعد وصولها المدينة في
السنة الثامنة من الهجرة وأخطا الرواة في
ذكر إهدائها هنا
. ( * ) |
|
|
|