|
-
أحاديث أم
المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2 ص 17
: -
|
|
الباب الأول بحوث تمهيدية
أ - ما جرى في أمر رواية
الحديث
ب - نظرية عدالة جميع الصحابة وصحة جميع ما
رووا
ج - كثرة ما روي عن أم المؤمنين عائشة وأهميته
أ - ما جرى في أمر رواية الحديث
صنف ابن الجوزي رواة
الحديث الذين وقع في حديثهم الموضوع والكذب والمقلوب
إلى خمسة أقسام ، وقال عن القسم الثالث منهم : قوم
تعمدوا الكذب الصريح لا لأنهم أخطأوا ولا لأنهم رووا
عن كذاب ، فتارة يكذبون في الأسانيد وتارة يسرقون
الأحاديث وتارة يضعون أحاديث ، وقسم هؤلاء الوضاعون
إلى سبعة أقسام وقال عن القسم الثالث منهم ما موجزه :
انهم قوم وضعوا الأحاديث في الترغيب والترهيب .
ومضمون
فعلهم أن الشريعة ناقصة نحتاج إلى تتمة فأتممناها !
وفي ما يأتي نورد أمثلة منها باذنه تعالى : كان غلام
خليل يتزهد ويهجن شهوات الدنيا ويتقوت الباقلا تصوفا
وغلقت أسواق بغداد يوم موته ، وقيل له هذه الأحاديث
تحدث بها من الرقائق فقال : " وضعناها لنرقق بها قلوب
العامة " .
وقالوا لميسرة بن عبد الله : من أين جئت
بهذه الأحاديث : من قرأ كذا فله كذا ؟ قال : " وضعتها
ارغب الناس فيها " وكان أطول الناس قياما بليل وأكثرهم
صياما بنهار وكان يضع الحديث وضعا .
قال ابن حبان :
وكان أبو بشر أحمد بن محمد الفقيه المروزي من أصلب أهل
زمانه في السنة وأذبهم عنها وأقمعهم لمن خالفها ، وكان
مع هذا يضع الحديث . قد وضع في فضائل قزوين نحو أربعين
حديثا كان يقول : " إني أحتسب في ذلك
" .
وقيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي : من أين لك
عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس
عند أصحاب عكرمة هذا ؟ فقال : " إني رأيت الناس أعرضوا
عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق
فوضعت هذا الحديث حسبة " .
وقد حكى مؤمل بن إسماعيل أن
رجلا وضع في فضائل القرآن حديثا طويلا . كان وهب بن
حفص من الصالحين ، مكث عشرين سنة لا يكلم أحدا .
قال
أبو عروبة : " وكان يكذب كذبا فاحشا " . وكان يحيى بن
سعيد القطان يقول : ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه في
من ينسب إلى الخير والزهد ( 1 ) .
* * *
كانت تلكم
أمثلة من أخبار من وضع الحديث من أهل الخير تقربا إلى
الله تعالى ، ويسوغ لنا أن نعد من هذا الصنف ممن وضع
الحديث تقربا إلى الله ، وضع أخبار وكرامات لبعض الناس
تقربا إلى الله كما نجد ذلك في ما جاء في كتاب الاحياء
لأبي حامد الغزالي . فمن كان الغزالي
؟ وما هي أخباره ؟ وماذا
جاء في كتابه الاحياء ؟
أولا : أبو حامد الغزالي
وأخباره : الشيخ أبو حامد محمد الطوسي الملقب بحجة
الإسلام الغزالي نسبة إلى عمل أبيه في غزل الصوف ، ولد
بطوس سنة 450 ه .
برع في علوم عصره وكان فقيه عصره
على مذهب الشافعي ، حتى قيل فيه هو الشافعي الثاني .
ولاه الوزير نظام الملك تدريس مدرسة النظامية ببغداد
فدرس فيها زمانا ، ثم أناب أخاه أحمد في
| |
(
1 ) الموضوعات لابن الجوزي ج 1 / 40 - 41 ط . الأولى
في المدينة المنورة 1386 . ( *
) |
|
|
التدريس بالنظامية ، وسافر للحج وعاد إلى الشام سنة
488 ه ، واعتكف في زاوية بالجامع الأموي ، وصار يطوف
المشاهد ويزور الترب ويأوي إلى القفار ، وسافر إلى
بغداد ثم إلى طوس وألف في هذا العهد كتابه " إحياء
علوم الدين " وتوفي بطوس سنة 505 ه ( 1 ) .
ثانيا :
ما جاء في كتابه احياء علوم الدين : قال أبو حامد
الغزالي في بيان علاج حب الجاه : ان أرباب الأحوال
ربما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا
اصلاح قلوبهم فيه ثم يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة
التقصير ، كما فعل بعضهم ، فانه عرف بالزهد وأقبل
الناس عليه ، فدخل حماما ولبس ثياب غيره وخرج ، فوقف
في الطريق حتى عرفوه فأخذوه وضربوه واستردوا منه
الثياب وقالوا : انه طرار .
وقال العلامة ابن الجوزي
البكري الحنبلي ( ت 597 ه ) عن الغزالي في كتابه
تلبيس ابليس في الرد على الصوفية : ولقد عجبت لأبي
حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه
إلى مذاهبهم حتى انه قال : لا ينبغي للمريد إذا تاقت
نفسه إلى الجماع ان يأكل ويجامع فيعطي نفسه شهوتين ( 2
) ؟
وقال ابو حامد : مما ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه
بالتزويج فانه يشغله عن السلوك ويانس بالزوجة ، ومن
أنس بغير الله شغل عن الله تعالى ( 3 ) .
وحكى عن أبي
يزيد انه قال : دعوت نفسي إلى الله عزوجل فجمحت
| |
(
1 ) ترجمة الغزالي في مقدمة الجزء الأول من احياء علوم الدين ط . دار المعرفة - بيروت . ومن هذه
الطبعة ننقل في ما يأتي من هذا البحث .
( 2 ) تلبيس ابليس ط . بيروت 1368 ه ص 213 .
( 3 ) تلبيس ابليس ص 295
. ( * ) |
|
|
فعزمت عليها ان لا اشرب الماء سنة ولا اذوق النوم
سنة فوفت لي بذلك ( 1 ) .
وقد حكى أبو حامد الغزالي في
كتاب الاحياء قال : كان بعض الشيوخ في بداية إرادته
يكسل عن القيام ، فألزم نفسه القيام على رأسه طول
الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع ، قال : وعالج بعضهم
حب المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر .
وعلق ابن الجوزي على هذا بقوله : أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو
حامد ، كيف حكى هذه الأشياء ولا ينكرها ؟ وكيف ينكرها
وقد أتى بها في معرض التعليم وقال قبل أن يورد هذه
الحكايات : ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فان
رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير
وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه ، وان رأى الكبرياء
قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه
السؤال والمواظبة على ذلك ، وان رأى الغالب عليه
البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع
القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان ، وان رأى شره
الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم ، وان رآه عزبا ولم
تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون
الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا ؟
قلت : وأني لأتعجب من أبي حامد كيف يأمر بهذه الأشياء
التي تخالف الشريعة ؟
وكيف مجل القيام على الرأس طول
الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا ؟
وكيف يحل رمي المال في البحر ؟
وقد نهى رسول الله ( ص
) عن إضاعة المال . وهل يحل سب مسلم بلا سبب ؟
وهل
يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك ؟
وكيف يجوز ركوب البحر
زمان اضطرابه وذلك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج
؟
وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب ؟
| |
(
1 ) تلبيس ابليس ص 210
. ( * ) |
|
|
فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي الفقه بالتصوف ( 1
) ؟
وقال : وقد قال أبو حامد الغزالي في كتاب الاحياء
: مقصود الرياضة تفريغ القلب وليس ذلك إلا بخلوة في
مكان مظلم وقال فان لم يكن مكان مظلم فيلف رأسه في
جبته أو يتدثر بكساء أو أزار ، ففي مثل هذه الحالة
يسمع نداء الحق ويشاهد جلال حضرة الربوبية .
وقال ،
قلت : انظر إلى هذه الترتيبات ، والعجب كيف تصدر من
فقيه عالم ؟ ومن أين له أن الذي يسمعه نداء الحق وأن
الذي يشاهده جلال الربوبية ؟ وما يؤمنه أن يكون ما
يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة ؟ وهذا الظاهر ممن
يستعمل التقلل في المطعم فإنه يغلب عليه الماليخوليا .
وقد يسلم
الإنسان في مثل هذه الحالة من الوساوس إلا
أنه إذا تغشى بثوبه وغمض عينيه تخايل هذه الأشياء -
إلى قوله - : فإن أطرق الإنسان وغمض عينيه جال الفكر
والتخيل فيرى خيالات فيظنها ما ذكر من حضرة جلال
الربوبية ، إلى غير ذلك . نعوذ بالله من هذه الوساوس
والخيالات الفاسدة ( 2 ) .
وقال : وقد ذكر أبو حامد
الطوسي في كتاب الاحياء : ان بعضهم قال : للربوبية سر
لو اظهر بطلت النبوة ، وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم ،
وللعلماء بالله سر لو اظهروه لبطلت الأحكام . قلت :
فانظروا اخواني إلى هذا التخليط القبيح والادعاء على
الشريعة ان ظاهرها يخالف باطنها ( 3 ) .
قال أبو حامد
: ضاع لبعض الصوفية ولد صغير ، فقيل له : لو سألت الله
ان
| |
(
1 ) نفس المصدر السابق 3 / 288 .
( 2 ) تلبيس ابليس ص 288 - 289 . ( 3 ) ن . م
. ( * ) |
|
|
يرده عليك ، فقال : اعتراضي عليه في ما يقضي اشد علي
من ذهاب ولدي ( 1 ) .
وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريني انه قال : نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح
فنشب في قلبي فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة
فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي
قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب
وصفعوني فصرت بعد ذلك أعرف بلص المحام فسكنت نفسي .
قال أبو حامد : فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم
الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس .
وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به
الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم ثم يتداركون ما فرط منهم
من صورة التقصير ، كما فعل هذا في الحمام .
قلت :
سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الاحياء ، فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل .
والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي أصحابه أرباب
أحوال ، وأي حالة أقبح وأشد من حال من يخالف الشرع
ويرى المصلحة في النهي عنه ؟
وكيف يجوز أن يطلب صلاح
القلوب بفعل المعاصي . . ؟
وكيف يحل للمسلم أن يعرض
نفسه لأن يقال عنه سارق ؟
وهل يجوز أن يقصد وهن دينه
ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض ؟
ولو أن رجلا وقف
مع امرأته في طريق يكلمها ويلصمها ليقول عنه من لا
يعلم هذا فاسق لكان عاصيا بذلك .
ثم كيف يجوز التصرف
في مال الغير بغير إذنه ؟
ثم في نص مذهب أحمد والشافعي
أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده .
ثم من أرباب الأحوال حتى يعملوا بواقعاتهم ؟
كلا والله
إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى
العمل برأيه لم يقبل منه .
فعجبي من هذا الفقيه
المستلب
| |
(
1 ) تلبيس ابليس ص 339 -
340 . ( * ) |
|
|
عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب
الثياب ( 1 ) .
وقال : وحكى أبو حامد : أن أبا تراب النخشي قال لمريد له : لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان
أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة . قلت : وهذا فوق
الجنون بدرجات ( 2 ) .
كان ذلكم بعض ما نقله ابن الجوزي من كتاب الاحياء ، ونضيف إليها ما يأتي ونقول :
ومن كمال عرفان الغزالي قوله في إحياء علوم الدين :
فان قيل : هل يجوز لعن يزيد لانه قاتل الحسين أو آمر
به ؟ قلنا : لم يثبت أصلا فلا يجوز أن يقال انه قتله
أو أمر به ما لم يثبت فضلا عن اللعنة ، لأنه لا تجوز
نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق .
فان قيل : فهل
يجوز أن يقال : قاتل الحسين لعنه الله ؟ أو الآمر
بقتله لعنه الله ؟ قلنا : الصواب ان يقال : قاتل
الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله ، لأنه يحتمل ان
يموت بعد التوبة .
ومن كمال عرفانه أيضا انه روى حديثا
على رسول الله ( ص ) لا أصل له وقال : وقد كان
استغراقه بحب الله تعالى بحيث كان يجد احتراقه فيه إلى
حد كان يخشى منه في بعض الأحوال ان يسري ذلك إلى قالبه
فيهدمه . فلذلك كان يضرب بيده على فخذ عائشة احيانا
ويقول : ( كلميني يا عائشة ) لتشغله بكلامها عن عظيم
ما هو فيه لقصور طاقة قالبه عنه .
وقال العلامة زين
أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العرفي ( ت 806 ه )
في تخريج ما في الاحياء من الاخبار : حديث : كان يضرب
يده على فخذ عائشة
| |
(
1 ) تلبيس ابليس ص
355 . ( 2 ) ن . م ص 354 . وفيه بعض الاختلاف مع ما
نقلناه من الاحياء
. ( * ) |
|
|
أحيانا ويقول : ( كلميني يا عائشة ) لم أجد له أصلا
( 1 ) .
أقول : وأنا - أيضا - لم أجد له أصلا ، والسبب
في ذلك أنه لا أصل له ، ولكن العلماء بعد الغزالي
اعتمدوا على نقله ونسبوا هذا الحديث إلى رسول الله ( ص
) مثل المولى مهدي النراقي ( ت 1209 ه ) الذي اسند
هذا الحديث إلى رسول الله ( ص ) في كتابه جامع
السعادات وابنه الملا احمد النراقي ( ت : 1245 ه )
الذي نقل الحديث في كتابه معراج السعادة ( 2 ) .
وهكذا
شحن الشيخ أبو حامد كتابه احياء علوم الدين بأمثال
تلكم المفتريات والمختلقات وأخذ منه من أخذ من العلماء
.
ونحن لا نشك أن الغزالي كتب ما كتب في الاحياء من كل
كذب وافتراء وتدليس احتسابا للخير وبقصد التقرب إلى
الله في تربية السالكين إليه .
ولا يمنعنا ذلك من أن
ندرس ما روى ونقل خبرا بعد خبر ونبين زيفه ومخالفته
للحق وأحكام الإسلام وعقائده .
وكان الغزالي من أعاظم
العلماء في عصره ومن أئمة أهل العرفان في دهره ،
وافترى بها على رسول الله ( ص ) وأصحابه وأئمة أهل
بيته مما درسناه في سلسلة دراسات في سبيل تمحيص سنة
الرسول ( ص ) .
* * *
كان ذلك شأن من تأول الخبر
واجتهد ودون في كتب العرفان والسير والسلوك ما لا
يوافق شرع الإسلام .
وفي ما يأتي نستعين الله وندرس في
البحوث الآتية ما روي عن الصحابة من حديث بعد دراسة ما
قاله العلماء في شأن عدالة الصحابة .
| |
(
1 ) المصدر السابق ج 3 / 101 وبهامشه قول العلامة
العرفي حول ما رواه الغزالي عن أم المؤمنين عائشة .
( 2 ) راجع مصادر النراقيين في "
قيام الائمة بإحياء السنة "
، 7 / 64 - 66 . ( * ) |
|
|
|