أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 177 : -

عود على بدء في خبر المسابقة والتيمم والافك :


جاء في روايات الصحاح والسنن والمسانيد في خبر نزول آية التيمم عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت : إن الرسول ( ص ) أنزل جيشه في عراء لا ماء فيه وليس معهم ماء في اتماس عقد لأم المؤمنين عائشة كانت فقدته ، حتى إذا اصبح الجيش على تلك الحالة جاء أبوها أبو بكر يعنفها ويضرب في خاصرتها ويقول لها في كل سفر للمسلمين منك بلاء وعناء ، ورسول الله واضع رأسه على فخذ أم المؤمنين عائشة مستسلم للنوم ولم تستطع حراكا لمكان رسول الله منها .

بينا جاء في روايات الافك عنها أنها بقيت منفردة في منزل ليس معها الرسول ولا أحد من جواريها أو من ذوي قرباها ، يرحل لها الأغراب وتركب وحدها .

بينا القصتان في غزوة واحدة ، ولأجل ضياع عقد واحد من الجزع .

ثم يأخذنا العجب في هذا الحديث من حركة الجيش السريعة ، فكم من الوقت كان يستغرق ذهاب أم المؤمنين في طلب العقد كي يتحرك الجيش برمته ولا يبقى منهم هناك داع أو مجيب ؟

في حين ان الجيش لا بد له من مقدمة وساقة ، ولم يكن مكان ظعينة الرسول في الساقة ( 1 ) !

ولو فرضنا ان الجيش هذا كان في عصرنا الحاضر يستقل أسرابا من الطائرات النفاثة لما صدق عليه هذا الوصف ، فإنه لابد لتحليق الطائرات واحدة بعد أخرى وسربا بعد آخر من وقت يستطيع الإنسان معه أن يذهب لمبرزه

  ( 1 ) مصادر البحث : ابن هشام ج 3 / 351 - 352 والطبري ج 3 / 70 وابن الاثير وابن كثير في ذيل غزوة المريسيع وامتاع الاسماع ص 210 والاغاني ج 4 / 13 . ( * )   
 

- ج 2  ص 176 -

ويعود ويدرك الطائرات الأخيرة ، وكيف يكون الحال مع ركوب الجمال أو غيرها من الدواب ؟

ثم كم بعدت أم المؤمنين من الجيش للتبرز بحيث لم تسمع رغاء البعير ولا همهمة الرجال حين ظعنوا ؟

وشئ آخر في هذا الحديث لا أكاد أفهمه وهو ان الهودج كيف يحمله الحاملون ولا يشعرون خلوه من راكب مهما كان ذاك الراكب خفيفا ؟

ثم ما بال عقيلة تيم تركت عرضة لألسنة القاذفين أكثر من شهر ولا من رادع ؟

وأين كان عنها سيوف سروات تيم ؟

وما بال أبيها أبو بكر وأخويها عبد الله وعبد الرحمن وأبناء عمها طلحة الجود وأخيه عبد الرحمن وابن أخيه عبد الرحمن بن عثمان ؟

وكيف خبتوا لهذا الصغار ولم ينبسوا ببنت شفة طوال هذا الشهر ( 1 ) ؟

أكان هؤلاء أجبن من صفوان حين عمم حسان بالسيف لما استشعر انه كان ممن عناه في هجائه بقوله : ( ان الجلابيب قد عزوا وقد كثروا . . . ) ؟

وما بال سائر اباة قريش ترضى بهذا الذل ؟

فان قريشا وان كان قد أسلم من أسلم منها إلا أنها لم تنس خيلاءها وعصبيتها في يوم من الأيام .

وقد روى أبو عمر ( 2 ) : أن ابا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال ( 3 ) فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها ، فقال لهم أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش ؟ ! . . . . الحديث .

ما بال أبي بكر لا يسكت عن ذكر جمع من إخوانه المسلمين رئيس المشركين بسوء وهو لا تصدر منه كلمة في من ثلب شرف بيته ؟ ! ثم من القاذفون ؟

أحسان شاعر الرسول يقذف حرم ممدوحه الرسول

  ( 1 ) تراجمهم في الاستيعاب والاصابة وأسد الغابة .
( 2 ) أخرجه ابن عبد البر بترجمة صهيب ص 316 الرقم 1378 .
( 3 ) ترجمته في الاستيعاب والاصابة وأسد الغابة . ( * )   
 

- ج 2  ص 177 -

بالافك ؟ أحسان الذي هجاه مسافع بن عياض ( 1 ) التيمي ؟ فقال فيه حسان : يا آل تيم ألا تنهون جاهلكم قبل القذاف بصم كالجلاميد إلى قوله : لولا الرسول واني لست عاصيه حتى يغيبني في الرمس ملحودي وصاحب الغار اني سوف أحفظه وطلعة بن عبيد الله ذي الجود أحسان هذا الذي يسكت عن هجاء رجل من تيم حفظا لكرامة أبي بكر يقذف أعظم امرأة في بيت أبي بكر ؟
ثم ما الذي كان يدعو حسان لهذا القذف ؟
وماذا كان يجني من ورائه ؟
وما بال حمنة تهلك فيمن هلك بقذف عائشة ؟
أعلى حساب أختها زينب التي قالت : " أحمي سمعي وبصري " ؟
إذن فا بال زينب هذه لم تردع أختها حمنة عن غيها ؟
وما بال زوج حمنة طلحة بن عبد الله ابن عم عائشة يسكت عن زوجه في قذفها ابنة عمه ؟
ومسطح بن اثاثة ربيب نعمة ابي بكر ماذا دهاه ليخوض مع الخائضين وعطاء أبي بكر كان يجري عليه غدقا ؟
ثم من هم القاذفون ؟

أابن ابي الذي نزل في ذمه وتقريعه " سورة المنافقون " في قصة التخاصم على ماء المريسيع فيوصم بوصمة " النفاق " الذي لا يرحضه ماء أبد الدهر ؟ !

أابن أبي هذا الذي بلغ من الذل في تلك الآونة أنه لما انتشر خبر قوله وارتحل رسول الله ( ص ) في غير ساعة رحيل ، وفي حر شديد فجاء اسيد بن حضير وقال له : يا رسول الله ( ص ) قد رحلت في ساعة منكرة ما كنت ترحل فيها ، قال : أو لم يبلغكم ما قال صاحبكم ؟ لئن رجعنا إلى المدينة

  ( 1 ) على ما ذكرته أم المؤمنين في ذيل الرواية . ( * )   
 

- ج 2  ص 178 -

ليخرجن الأعز منها الاذل ؟ فقال : انت يا رسول الله تخرجه إن شئت فهو الأذل وأنت الأعز ، والعزة لله ولك وللمؤمنين . ولما نزلت ( سورة المنافقون ) على رسول الله ( ص ) عشية راح النبي ( ص ) من المريسيع مر عليه عبادة بن الصامت فلم يسلم عليه ، ثم مر عليه اوس بن خولى فلم يسلم عليه ، فقال ابن أبي : ان هذا الأمر تمالأتما عليه فرجعا إليه فأنباه وبكتاه .

ابن أبي الذي يقولون لرسول الله ( ص ) مر محمد بن مسلمة يأتيك برأسه فجاء ابنه عبد الله إلى النبي ( ص ) فقال : ان كنت تريد ان تقتل أبي فمرني فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا ، فاني لأخشى يا رسول الله ان تأمر غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فادخل النار . ابن ابي الذي بلغه في تلك الآونة خبر موت خليله زيد بن رفاعة بن التابوت المنافق فقال : يا ويلاه كان والله وكان ، واسقط في يديه وسار كئيبا حزينا .

ابن أبي الذي بلغ من الذل ان يتقدم الناس ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي ويقف له على الطريق عند مضيق المدينة فينيخ راحلته ويقول له : لا أفارقك حتى تزعم انك الذليل ومحمد ( ص ) العزيز ، فوالله لن تدخلها حتى يأذن رسول الله ( ص ) في ذلك .

اذن مع من اجتمع ابن أبي هذا وقذف زوج الرسول ( ص ) بالافك .

ثم ما الرابط بين حمنة وحسان وابن أبي ومسطح ؟
وما الذي كان يجمع بين هؤلاء الثلاثة ؟
أكانوا جميعا من قريش ؟
أم كانوا جميعا من الأنصار ؟
أم كانوا جميعا من المنافقين ؟
وفي أي ناد كانوا يجتمعون ؟
ومن أية عصابة كانوا ؟
ليصدق عليهم قوله تعالى : (
إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ ) .
ثم أين أجري الحد عليهم ؟
ومن أجراه ؟
وكيف جلدوا ( 1 ) ؟
وكيف خفي كل

  ( 1 ) يراجع في الجلد تفسير سورة النور لأبي الأعلى المودودي . ( * )   
 

- ج 2  ص 179 -

ذلك على كل الصحابة ولم يتكلم أحد منهم عن ذلك ؟

ثم ما بال سعد بن عبادة يدافع عن رئيس المنافقين وصاحبه بالافك حسان أمام النبي ( ص ) الذي قد قذفا زوجه ؟

أليس ابن عبادة هو الذي لم يرض باعتقال صفوان في ضرب حسان الذي كان أوشك أن يموت من جرحه بل أطلقه وخلع عليه لأنه من فقراء المهاجرين الذين ينتمون إلى الرسول ( ص ) ؟

ثم ما بال هذه القصص الطويلة في قذف أم المؤمنين بالافك وشجار الأوس والخزرج في ذلك ، واستشارة النبي ( ص ) اسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في الأمر واستفساره من جاريتها بريرة ، وبقاء الناس أكثر من شهر يفيضون في هذا الحديث ، ثم نزول آيات الافك في شأنها وتنفيذ حد القذف على قاذفيها ( 1 ) ؟

كل هذه القصص الطويلة كيف اقتصرت روايتها على أم المؤمنين عائشة ؟

أكان الله قد ختم أفواه آلاف الصحابة فلم يستطع أحد غيرها أن يحدثنا بشئ منها ؟ ! !
 

ونختم هذا البحث بما قاله المقريزي في امتاع الاسماع حيث قال : تنبيه : قد اختلف في غزوة المريسيع فذهب الواقدي - كما تقدم - إلى ( 2 ) أنها كانت في شعبان سنة خمس ، وقال ابن إسحاق في شعبان من السنة السادسة وصححه جماعة . وفيه إشكال ، فإنه وقع في الصحيحين وغير هما أن المقاول لسعد ابن عبادة سعد بن معاذ ، كما تقدم عند خطبة رسول الله ( ص ) بسبب أهل الافك .

ولا يختلف أحد في أن سعد بن معاذ مات إثر قريظة ، وقد كانت عقب الخندق ، وهي في سنة خمس على الصحيح .

ثم حديث الافك لا يشك أحد من علماء الآثار

  ( 1 ) كل ما ذكرنا هنا قد ورد في الحديث المروي عن أم المؤمنين في كتب الصحاح والسير والمسانيد ، راجع أحاديث الافك قبله .
( 2 ) في الأصل : " إلا " ( * ) .
 
 

- ج 2  ص 180 -

أنه في غزوة بني المصطلق هذه ، وهي غزوة المريسيع .

وقد اختلف الناس في الجواب عن هذا ، فقال موسى بن عقبة - فيما حكاه البخاري عنه - : إن غزوة المريسيع كانت في سنة أربع ، وهذا خلاف الجمهور .

ثم في الحديث ما ينفي ما قال لأنها قالت : " وذلك بعد ما نزل الحجاب " ، ولا خلاف أن الحجاب نزل صبيحة دخول رسول الله ( ص ) بزينب بنت جحش ، وقال : سأل ( ص ) زينب عن شأن عائشة في ذلك فقالت : " أحمي سمعي وبصري " . قالت عائشة : " وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ( ص ) " .

وقد ذكر علماء الأخبار أن تزويجه ( ص ) بزينب كان في ذي القعدة سنة خمس ، فبطل ما قال موسى بن عقبة ، ولم ينحل الاشكال .

وقال ابن إسحاق : إن المريسيع كانت في سنة ست ، وذكر فيها حديث الافك ، إلا أنه قال : عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة ، فذكر الحديث - قال : فقام أسيد بن الحضير فقال : " أنا أعذرك منه " ، ولم يذكر سعد ابن معاذ .


قال الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم : وفي مرجع الناس من غزوة بني المصطلق قال أهل الافك ما قالوا ، وأنزل الله تعالى في ذلك من براءة عائشة ( رض ) ما أنزل ، وقد روينا من طرق صحاح أن سعد بن معاذ كانت له في شئ من ذلك مراجعة مع سعد بن عبادة .

وهذا عندنا وهم ، لأن سعد ابن معاذ مات إثر فتح بني قريظة بلا شك ، وفتح بني قريظة في آخر ذي القعدة من السنة الرابعة من الهجرة ، وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة - بعد سنة وثمانية أشهر من موته ، وكانت المقاولة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلة .


وذكر ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، وغيره ، أن المقاول لسعد بن عبادة إنما كان أسيد بن الحضير ، وهذا هو الصحيح . والوهم لم يعر منه أحد من بني آدم . والله أعلم ( 1 ) .

* * *

للمتابعة اضغط على الصفحة التالية أدناه

  ( 1 ) امتاع الاسماع ص 106 - 107 . هذا ما وجدناه عند العلماء من مناقشات حول ما روي عن أم المؤمنين عائشة في خبر الافك  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب