- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 299 : -

دراسة متون الروايات :


أولا : علمنا ان آية : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) نزلت في العام الثالث بعد البعثة .

وقد جاء في الروايات 1 و 2 و 3 و 7 و 8 و 9 ، ان رسول الله ( ص ) خاطب ابنته فاطمة في من خاطب ، وقال في الأولى : اني لا املك لكم من الله شيئا . . .

وقال في 2 و 7 و 8 : يا فاطمة انقذي نفسك من النار ، وقال في الثالثة : يا فاطمة بنت رسول الله ( ص ) سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا ، بينما كانت فاطمة على القول الأصح ولدت في السنة الخامسة بعد البعثة ( 1 ) .

ولو قبلنا رأي الآخرين والذين اختلفوا في سنة مولدها ، فقد كان عمرها عام البعثة قبل سن البلوغ ولا تصح مخاطبتها يومذاك كسائر المكلفين ، بينما كان لها ثلاث أخوات متزوجات ولا يأت ذكر هن في الروايات .


ثانيا : جاء في الروايات 1 و 2 و 3 و 7 ، ان رسول الله خاطب بني عبد المطلب وبني كعب بن لؤي وقريش وقال لهم : اني لا املك لكم من الله شيئا ، انقذوا انفسكم من النار .

وهذا الخطاب يصح ان يخاطب به من يؤمن بيوم القيامة وبرسالة الرسول ( ص ) وينتظر شفاعته يوم القيامة ، وكيف يخاطب به من قال قائلهم : ( إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) و : ( مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) وقال في الرسول ( ص ) : انه ساحر ومجنون ؟ ومتى كان لرسول الله ( ص ) مال ليقول لهم : خذوا من مالي ما شئتم ؟ انه كان يعيش من أموال زوجته خديجة .

  ( 1 ) اصول الكافي ج 1 / 457 وتاريخ الائمة لابن ابي الثلج ص 6 مجموعة نفيسة وتاج المواليد للطبرسي ص 97 مجموعة نفيسة والمستدرك على الصحيحين ج 3 / 156 . ( * )   
 

- ج 2  ص 300 -

ثالثا : جاء في الروايات 2 و 3 و 4 و 5 و 6 و 7 ان رسول الله ( ص ) عندما نزلت عليه آية : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) خاطب قريشا وآل عبد مناف وقال : . . . . في حين ان الآية خصت امر الانذار بعشيرته الأقربين ، وهم بنو عبد المطلب وبنو هاشم ، وليس ما عداهم من قبائل قريش !


رابعا : في رواية أبي امامة الأخيرة ، انه لما نزلت الآية جمع الرسول ( ص ) بني هاشم بباب البيت ونساءه وأهله فاطمة وعائشة وحفصة وأم سلمة وقال : . . . في حين ان رسول الله ( ص ) تزوج بعائشة وحفصة وأم سلمة في المدينة ، والآية نزلت كما ذكرنا في مكة وفي السنة الثالثة من البعثة .

* * *

كان ذلكم شأن الروايات التي اسندت روايتها إلى الصحابة ، ولا نطيل البحث بايراد روايات رويت في هذا المقام عن التابعين الذين لم يدركوا الرسول ( ص ) ليخبرونا عما حدث في عصره ، وكذلك شأن من جاء بعد التابعين من الرواة .

بعد وضوح تناقض هذه الروايات بعضها مع بعض وتناقضها مع الواقع التاريخي نرجع إلى مصادر الدراسات الإسلامية ، ويظهر لنا ان هذه الروايات بمجموعها تتحدث عن خبرين كالآتي بيانه :

عندما بعث رسول الله ( ص ) آمن به من كان في بيته زوجه خديجة وابن عمه علي ومولاه زيد ، وفي السنة الثالثة من البعثة نزلت آية : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) وكان من خبره ما تحدث عنه الإمام علي ممن شاهد الحادثة واشترك فيها .

روى الطبري ، وابن عساكر ، وابن الأثير ، وابن كثير ، والمتقي ، وغيرهم - واللفظ للأول - قال : عن علي بن أبي طالب ( ع ) قال

- ج 2  ص 301 -

لما نزلت هذه الآية على رسول الله ( ص ) : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) . دعاني رسول الله ( ص ) فقال لي : يا علي ، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فضقت بذلك ذرعا ، وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى ما اكره ، فصمت عليه حتى جاءني جبرئيل فقال : يا محمد إن لا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك .

فاصنع لنا صاعا من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، وأملألنا عسا من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به . ففعلت ما أمرني به ، ثم دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه : أبو طالب ، وحمزة ، والعباس ، وأبو لهب .

فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم ، فجئت به ، فلما وضعته تناول رسول الله ( ص ) حذية ( أي : قطعة ) من اللحم فشقها بأسنانه ، ثم ألقاه في نواحي الصحفة ، ثم قال : خذوا بسم الله .

فأكل القوم حتى ما لهم بشئ من حاجة ، وما أرى إلا موضع أيديهم . وأيم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم . ثم قال : إسق القوم ، فجئتهم بذاك العس ، فشربوا منه حتى رووا منه جميعا ، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله . فلم أراد رسول الله ( ص ) أن يكلمهم ، بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لشد ما سحركم صاحبكم ، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله ( ص ) .

فقال الغد : يا علي إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ، ثم اجمعهم إلي . قال : ففعلت ، ثم جمعتهم ، ثم دعاني بالطعام ، فقربته لهم ، ففعل كما فعل بالأمس ، فأكلوا حتى ما لهم بشئ حاجة ، ثم قال : اسقهم ، فجئتهم بذاك العس ، فشربوا حتى رووا منه جميعا . ثم تكلم رسول الله ( ص ) فقال : يا بني عبد المطلب ، إني والله ما أعلم شابا في الرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به ، إني قد جئتكم 

- ج 2  ص 302 -

بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ قال : فأحجم القوم عنها جميعا وقلت - وإني لأحدثهم سنا ، وأرمصهم عينا ، وأعظمهم بطنا ، وأحمثهم ساقا - : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي ، ثم قال : ان هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له واطيعوا ، قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ( 1 ) .


اشرنا في ما مضى أن دعوة النبي ( ص ) قد انحصرت في بيته ابتداء ، وقد أحس أمير المؤمنين ( ع ) العطر السماوي والوحي الإلهي في أول لحظات البعثة ، حيث إنه ( ع ) كان يرافق النبي ( ص ) في غار حراء ، وبعد رجوعه ( ص ) إلى البيت التحقت بهما السيدة خديجة ، فأصبح عدد المسلمين ثلاثة ، وهناك شواهد موثوقة على أن الإسلام لم يتجاوز هؤلاء الثلاثة لمدة مديدة ( 2 ) .

 ثم التحق بهم بعد زمن مديد زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ، وإنا لا نعرف الزمن المحدد لإسلامهما . ان الله تعالى أمر النبي الأكرم ( ص ) في السنة الثالثة للبعثة أن يدعو الأقربين من عشيرته إلى الإسلام ، وذلك بعد ثلاث سنوات من سرية الدعوة ،

  ( 1 ) تاريخ الطبري ج 3 / 1171 - 1172 ط . أوربا . وابن عساكر تحقيق المحمودي ج 1 من ترجمة الامام . وتاريخ ابن الأثير ج 2 / 222 . وشرح ابن أبي الحديد ج 3 / 263 . وفي تاريخ ابن كثير ج 3 / 39 ، وقد حذف الألفاظ وقال ، : كذا وكذا . وكنز العمال للمتقي ج 15 / 100 و 115 و 116 منه وفي ص 130 : يكون أخي وصاحبي ووليكم بعدي . والسيرة الحلبية ج 1 / 285 نشر المكتبة الإسلامية ببيروت .
( 2 ) الطبري ج 2 / 311 - 312 ثلاثه احاديث ط . مصر تحقيق محمد أبو الفضل ، الاستيعاب على هامش الاصابة ج 3 / 163 ، الاصابة ج 2 / 480 ، اسد الغابة ج 4 / 49 ، الترجمة 3696
. ( * ) 
 
 

- ج 2  ص 303 -

وكانت الآية 214 من سورة الشعراء حاملة لهذا التكليف ، كما عرفنا قصة هذه الدعوة قبل ذلك عن لسان الإمام أمير المؤمنين ( ع ) ، وكان بعد هذا الوحي السماوي أن دعا رسول الله ( ص ) الأقربين من عشيرته إلى وليمة ، وانذرهم وبلغهم في بيته ، وبعد هذه الدعوة انتشرت الدعوة ، واعتنق الإسلام مختلف الناس تدريجا ، فازداد عدد المسلمين .

عند وجود النبي ( ص ) في مكة لم يكن توجيه مثل هذا الخطاب العام إلى قريش ميسورا ، فان قريش لم يؤمنوا به ( ص ) سوى عدد قليل منهم ، حتى ينذرهم من عذاب النار ويكلمهم عن الشفاعة وعدمها ، فمثل هذا الكلام يصح إذا خضعت قريش للإسلام واعتقدوا برسول الله ( ص ) كنبي ، وان كان اعتقادا ظاهريا ، ففي الحالة التي كان الرسول ( ص ) في صراع ليل ونهار مع قريش المترفين والمقتدرين واتباعهم ، كانوا يهزأون به وأحيانا يلقون أمعاء الإبل على رأسه الشريف أو يصبون عليه الرماد ، في مثل هذه الظروف لا يعقل ان يكلمهم النبي ( ص ) ويقول لهم بأنه لا يتمكن من الشفاعة لهم ، وعليهم أن يخلصوا أنفسهم من النار بعملهم الصالح ( 1 ) .


وعندما نفرض توفر مثل هذا الإنذار العام فيجب ان يكون ذلك عندما اسلم كلهم ولو ظاهريا وقبلوه ( ص ) نبيا .

وقد وجدنا في روايات أئمة أهل البيت :

 أولا : ان الروايات المتضمنة آية الإنذار تحكي جميعها عن إنذار الأقربين من العشيرة في بيت النبي ( ص ) ولا تحكي عن شئ آخر ( 2 ) .

 ثانيا : تخبر عن صعود النبي ( ص ) على جبل الصفا ، وخطبته العامة تأخرت إلى بعد فتح مكة .

لمتابعة خطبة النبي (ص) اضغط على الصفحة التالية أدناه

  ( 1 ) راجع : الروايات المتعلقة بالموضوع في صحيح مسلم ج 1 / 192 - 194 .
( 2 ) راجع : تفسير البرهان ج 3 / 189 - 192 حيث نقل عشرة احاديث بهذا المضمون في ذيل الآية
. ( * ) 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب