|
-
أحاديث أم
المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2 ص 307
: - |
|
ثالثا - روايات اسطورة الغرانيق
رويت في عدة روايات
ما موجزها :
ان رسول الله ( ص ) لما رأى من قومه ما شق
عليه من مباعدة ما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن
يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه ، وكان يسره ،
مع حبه قومه وحرصه عليهم ، أن يلين له بعض ما قد غلظ
عليه من أمرهم ، حتى حدثت بذلك نفسه وتمناه وأحبه ،
فانزل الله عليه : (
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى
*
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى
*
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ) فلما انتهى إلى قوله :
( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ
وَالْعُزَّى *
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى )
ألقى
الشيطان على لسانه لما كان تحدث به نفسه ويتمنى ان
يأتي به قومه : ( تلك الغرانيق العلى ، وان شفاعتهن
ترتضي - أو - ترتجى ) .
فلما سمعت ذلك قريش فرحوا
وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم ، فأصاخوا له ،
والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم ولا
يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل ، فلما انتهى إلى
السجدة فيها وختم السورة سجد فيها ، فسجد المسلمون
بسجود نبيهم تصديقا لما جاء به ، واتباعا لأمره ، وسجد
من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من
ذكر آلهتهم ، فلم يبق في المسجد من مؤمن ولا كافر إلا
سجد ، سوى الوليد بن المغيرة ، فانه كان شيخا كبيرا
فلم يستطع السجود ، فأخذ بيده من البطحاء فسجد عليها ،
ثم تفرق الناس من المسجد .
وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر
آلهتهم ، يقولون : قد ذكر محمد إلهتنا بأحسن الذكر .
قد زعم في ما يتلو : ( انها الغرانيق العلى ، وان
شفاعتهن ترتضي ) .
وبلغ خبر السجدة من بأرض الحبشة من
أصحاب رسول الله ( ص ) وقيل لهم : أسلمت قريش . فنهض
منها رجال وتخلف آخرون ، وعادوا إلى مكة ، حتى إذا
دنوا من مكة بلغهم ان الذي كان تحدثوا به من إسلام أهل
مكة كان باطلا ، فبقي بعضهم بجوار مكة أو مستخفيا ،
ورجع منهم من رجع .
هذه خلاصة ما أورده في تفاسيرهم كل
من الطبري والواقدي والزمخشري والبيضاوي والسيوطي
وغيرهم .
ولكشف زيف هذه الأسطورة وتمحيص سنة الرسول (
ص ) نستعين الله ، ونراجع الأسطورة في تفسير الطبري (
ت : 310 ه ) ونقول :
1 - أخرج الطبري عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس انهما قالا : جلس رسول الله ( ص )
في ناد من أندية قريش ، كثير أهله ، فتمنى يومئذ أن لا
يأتيه من الله شئ فينفروا عنه ، فأنزل الله عزوجل : (
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى
*
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) ، فقرأها
رسول الله ( ص ) حتى إذا بلغ : (
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
*
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ) ألقى الشيطان عليه كلمتين :
( تلك الغرانيق العلى ، وان شفاعتهن لترجى ) .
فتكلم بهما ، ثم مضى فقرأ السورة كلها ، فسجد في آخر السورة
وسجد القوم معه جميعا ، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا
إلى جبهته فسجد عليه ، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على
السجود ، فرضوا بما تكلم به وقالوا : قد عرفنا أن الله
يحيي ويميت ، وهو الذي يخلق ويرزق ، ولكن آلهتنا هذه
تشفع لنا عنده ، فإذا جعلت لها نصيبا فنحن معك .
قالا : فلما أمسى أتاه جبرائيل عليه السلام فعرض عليه
السورة ، فلهم بلغ الكلمتين اللتين القى الشيطان عليه
قال : ما جئتك بهاتين ، فقال رسول الله ( ص ) : افتريت
على الله وقلت على الله ما لم يقل ، فأوحى الله إليه :
(
وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ
عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ
عَلَيْنَا غَيْرَهُ
- إلى قوله - :
ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا
)
( الإسراء : 73 - 75 ) .
فما زال مغموما مهموما حتى
نزلت عليه : (
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ
فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي
الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
) ( الحج
: 52 ) .
قال : فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين
أن أهل مكة قد أسلموا كلهم ، فرجعوا إلى عشائرهم
وقالوا : هم أحب إلينا ، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين
نسخ الله ما ألقى الشيطان ( 1 ) .
2 - وأخرجها أكثر
تفصيلا عن محمد بن كعب القرظي وحده ، قال : لما رأى
رسول الله ( ص ) تولي قومه عنه ، وشق عليه ما يرى من
مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله ، تمنى في نفسه أن
يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه ، وكان يسره مع
حبه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم
، حتى حدث بذلك نفسه وتمناه وأحبه ، فانزل الله : (
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى
*
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) فلهم انتهى
إلى قول الله : (
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
*
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ) ألقى الشيطان على لسانه - لما كان
يحدث به نفسه ويتمنى ان يأتي به قومه - : " تلك ،
لغرانيق العلى وإن
| |
(
1 ) تاريخ الطبري ، ط .
دائرة المعارف بمصر 2 / 340 - 341 ،
وتفسير الطبري بتفسير
الآية 52 من سورة الحج 17 / 131
. ( * ) |
|
|
شفاعتهن لترتجي " فلما سمعت ذلك قريش فرحوا سرهم واعجبهم ما ذكر به آلهتهم فأصاخوا له ، والمؤمنون
مصدقون نبيهم في ما جاءهم به عن ربهم ، ولا يتهمونه
على خطأ ولا وهم ولا زلل ، فلما انتهى إلى السجدة منها
وختم السورة سجد فيها ، فسجد المسلمون بسجود نبيهم
تصديقا لما جاء به ، واتباعا لأمره ، وسجد من في
المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر
آلهتهم ، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد ،
إلا الوليد بن المغيرة ، فإنه كان شيخا كبيرا فلم
يستطع السجود ، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها
، ثم تفرق الناس من المسجد ، وخرجت قريش وقد سرهم ما
سمعوا من ذكر آلهتهم ، يقولون : قد ذكر محمد آلهتنا
بأحسن الذكر .
وقد زعم فيما يتلو " ( أنها الغرانيق
العلى وإن شفاعتهم ترتضي " وبلغت السجدة من بأرض
الحبشة من أصحاب رسول الله ( ص ) ، وقيل : أسلمت قريش
، فنهض منهم
رجال وتخلف آخرون .
وأتى
جبرائيل رسول الله ( ص ) فقال : يا محمد ماذا صنعت ؟
لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عزوجل ، وقلت
ما لم يقل لك ، فحزن رسول الله ( ص ) عند ذلك حزنا
شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا ، فأنزل الله تبارك
وتعالى عليه : ( وكان به رحيما ) ( 1 ) يعزيه ويخفض
عليه الامر ، ويخبره أنه لم يكن قبله نبي ولا رسول
تمنى كما تمنى ، ولا أحب كما أحب ، إلا والشيطان قد
ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه ( ص ) ، فنسخ الله
ما ألقى الشيطان وأحكم آياته ، أي فانما أنت كبعض
الأنبياء والرسل ، فأنزل الله عزوجل : (
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ
فِي أُمْنِيَّتِهِ . . . ) . فأذهب الله عزوجل عن نبيه ( ص )
الحزن ، وآمنه من الذي كان يخاف ،
| |
(
1 ) هكذا في الأصل ، وليست في القرآن آية بهذا الشكل
. ( * ) |
|
|
ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم " انها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتضي " . يقول الله
حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى : (
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ
الْأُنثَى *
تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى
*
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ
وَآبَاؤُكُم - إلى قوله تعالى -
لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى
) ( الآيات : 21 - 26 ) .
أي فكيف تنفع
شفاعة الهتكم عنده ؟ فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان
الشيطان ألقى على لسان نبيه . قالت قريش : ندم محمد
على ما ذكر من منزلة آلهتكم عند الله فغير ذلك وجاء
بغيره ، وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على
لسان رسوله ( ص ) قد وقعا في فم كل مشرك ، فازدادوا
شرا إلى ما كانوا عليه ( 11 ) .
3 - أخرج عن أبي
العالية قال : قالت قريش لرسول الله ( ص ) : إنما
جلساؤك عبد بني فلان ومولى بني فلان ، فلو ذكرت آلهتنا
بشئ جالسناك ، فإنه يأتيك أشراف العرب فإذا رأوا
جلساءك أشراف
قومك كان ارغب لهم فيك .
قال : فألقى الشيطان في أمنيته ، فنزلت هذه الآية : (
أَفَرَأَيْتُمُ
اللَّاتَ وَالْعُزَّى *
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ) .
قال
: فأجرى الشيطان على لسانه : " تلك الغرانيق العلى
وشفاعتهن ترجى مثلهن لا ينسى " .
قال : فسجد النبي ( ص
) حين قرأها وسجد معه المسلمون والمشركون . فلما علم
الذي اجري علن لسانه كبر ذلك عليه فانزل الله : (
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ
فِي أُمْنِيَّتِهِ ) إلى قوله : (
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
| |
(
1 ) تفسير الطبري 17 /
131 - 132
وتاريخ الطبري ط . دار
المعارف بمصر سنة 1961 ، 2 / 338 - 339 وط .
اروبا 1 / 1192 - 1194 ( * ) . |
|
|
حَكِيمٌ
) ( 1 ) .
4 - أخرج هذه الرواية أكثر تفصيلا
بسند آخر عن أبي العالية ، قال : قالت قريش : يا محمد
إنما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس ، فلو
ذكرت آلهتنا بخير لجالسناك ، فان الناس يأتونك من
الآفاق . فقرأ رسول الله ( ص ) سورة النجم ، فلم انتهى
على هذه الآية : (
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
*
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ، فألقى الشيطان على لسانه : " وهي
الغرانقة العلى وشفاعتهن ترتجى " .
فلما ، فرغ منها
سجد رسول الله ( ص ) والمسلمون والمشركون ، إلا أبا أحيحة سعيد ابن العاص ، اخذ كفا من تراب وسجد عليه
وقال : قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير ، حتى
بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله ( ص ) من
المسلمين أن قريشا قد أسلمت ، فاشتد على رسول الله ( ص
) ما ألقى الشيطان على لسانه فانزل الله : (
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ ) الآية .
5 و 6 - روى
الطبري هاتين الروايتين عن سعيد بن جبير قال : لما
نزلت هذه الآية : (
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ) . قرأها
رسول الله ( ص ) فقال : " تلك الغرانيق العلى ، وإن
شفاعتهن لترتجي " . فسجد رسول الله ( ص ) ، فقال
المشركون : إنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير ، فسجد
المشركون معه ، فانزل الله : (
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ
فِي أُمْنِيَّتِهِ )
إلى قوله : (
عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ
) ( الحج 52 - 55 ) .
7 -
روى عن ابن عباس قال : قوله : (
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ
فِي أُمْنِيَّتِهِ ،
إلى قوله : (
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
) .
| |
(
1 ) تفسير الطبري 17 /
131 ( * ) . |
|
|
وذلك أن نبي الله ( ص ) بينما هو يصلي إذ نزلت عليه
قصة آلهة العرب ، فجعل يتلوها فسمعه المشركون ، فقالوا
: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير ، فدنوا منه ، فبينما هو
يتلوها وهو يقول : (
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
*
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ) ألقى الشيطان : " إن تلك الغرانيق
العلى ، منها الشفاعة ترتجى " .
فجعل يتلوها ، فنزل
جبرائيل ( ع ) فنسخها ، ثم قال له : (
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ
فِي أُمْنِيَّتِهِ ) إلى قوله : (
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
) ( 1 ) .
8 -
روى عن الضحاك انه قال في قوله : (
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ ) الآية : أن نبي الله ( ص ) وهو بمكة
أنزل الله عليه في آلهة العرب ، فجعل يتلو : ( اللات والعزى ، ويكثر ترديدها ، فسمع أهل مكة نبي الله يذكر
آلهتهم ، ففرحوا بذلك ودنوا يستمعون ، فألقى الشيطان
في تلاوة النبي ( ص ) : " تلك الغرانيق العلى منها
الشفاعة ترتجى " . فقرأها النبي ( ص ) كذلك ، فانزل
الله عليه : !
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ) إلى : (
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ( 2 ) .
9 - روى عن أبي بكر بن عبد
الرحمن بن الحرث : أن رسول الله ( ص ) وهو بمكة قرأ
عليهم : ( وَالنَّجْمِ إِذَا
هَوَى ) فلما بلغ : (
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ
وَالْعُزَّى *
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ) . قال : إن
شفاعتهن ترتجى . وسهى رسول الله ( ص ) ، فلقيه
المشركون الذين في قلوبهم مرض ، فسلموا عليه وفرحوا
بذلك . فقال لهم : إنما ذلك من الشيطان ، فانزل الله :
(
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ ) حتى بلغ : (
فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ
) .
قال الطبري : واختلف
أهل التأويل في معنى قوله : ( تمنى ) في هذا
| |
(
1 ) نفس المصدر السابق . |
(
2 ) نفس المصدر السابق . |
|
|
الموضع . فمنهم من قال : النبي من النبي ( ص ) : ما
حدثته نفسه من محبته مقاربة قومه . . . ومنهم من قال :
ذلك محبة منه في بعض الأحوال أن لا تذكر بسوء .
وقال
آخرون : بل معنى ذلك ، إذا قرأ وتلا أو حدث . ثم روى
عن عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( إلا إذا
تمنى ) يعني باتمنى : التلاوة والقراءة .
قال الطبري :
وهذا القول أشبه بتأويل الكلام ، بدلالة قوله : (
فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ
يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ
) على
ذلك ، لان الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه انه يحكمها
لا شك انها آيات تنزيله ، فمعلوم بذلك ان الذي ألقى
فيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالى ذكره انه نسخ ذلك
منه وابطله ثم احكمه بنسخه ذلك منه ، فتأويل الكلام
إذا : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا
كتاب الله ، وقرأ أو حدث وتكلم ألقى الشيطان في كتاب
الله الذي تلاه وقرأه ، أو في حديثه الذي حدت وتكلم ،
فينسخ الله ما يلقي الشيطان ، يقول تعالى : فيذهب الله
ما يلقي الشيطان من ذلك على لسان نبيه ويبطله .
وروى
في تأييد قوله :
1 -
عن ابن عباس قال : (
فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ) : فيبطل الله ما ألقى الشيطان .
2 -
عن الضحاك انه قال في قوله : (
فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ) : نسخ جبرئيل بأمر الله ما ألقى الشيطان على
لسان النبي ( ص ) وأحكم الله آياته .
وقوله : (
ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ) يقول : خم يخلص الله آيات كتابه من
الباطل الذي ألقى الشيطان على لسان نبيه ، والله عليم
بما بجدث في خلقه من حدث لا يخفى عليه منه شئ ، حكيم
في تدبيره إياهم ، وصرفه لهم في ما شاء وأحب
.
وقال في تأويل قوله : (
لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي
الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم
مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ
الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) ( الحج : 53 ) : يقول تعالى ذكره : (
فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ
يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ) كي
يجعل ما يلقي الشيطان في أمنية نبيه من الباطل ، كقول
النبي ( ص ) : " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن
لترتجي " فتنة ، يقول : اختبارا ، يختبر به الذين في
قلوبهم مرض من النفاق ، وذلك الشك في صدق رسول الله (
ص ) وحقيقة ما يخبرهم به .
ثم روى عن قتادة ، قال : إن
النبي ( ص ) كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين
، فألقى الشيطان في أمنيته ، فقال : إن الآلهة التي
تدعى ، ان شفاعتها لترتجي ، وإنها للغرانيق العلى ،
فنسخ الله ذلك ، واحكم الله آياته (
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ) ، حتى بلغ (
مِن سُلْطَانٍ ) قال قتادة : لما ألقى
الشيطان ما ألقى ، قال المشركون : قد ذكر الله آلهتهم
بخير ، ففرحوا بذلك ، فذكر قوله : (
لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً
لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ) .
وقال في تفسير
قوله تعالى : ( وَلِيَعْلَمَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن
رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ
قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ
آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ( الحج : 54 ) : يقول تعالى
ذكره : وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي انزله الله
من آياته التي احكمها لرسوله ونسخ ما ألقى الشيطان فيه
انه الحق من عند ربك - يا محمد - فيؤمنوا به .
يقول :
فيصدقوا به (
فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ) ، يقول : فتخضع للقرآن
قلوبهم وتذعن بالتصديق به ، والإقرار بما فيه (
وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ
الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) وإن الله
لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحق القاصد والحق
الواضح ، بنسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسوله ، فلا
يضرهم كيد الشيطان
وإلقاؤه بالباطل على لسان نبيهم ( 1 ) .
وأورد
السيوطي ما رواه الطبري ، وأضاف إليها روايات أخرى مثل
ما رواه عن السدي ، قال : خرج النبي ( ص ) إلى المسجد
ليصلي ، فبينما هو يقرأ إذ قال : (
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
*
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ) فألقى الشيطان على
لسانه ، فقال : " تلك الغرانقة العلى ، وإن شفاعتهن
ترتجى " حتى إذا بلغ آخر السورة سجد وسجد أصحابه ،
وسجد المشركون لذكره آلهتهم ، فلما رفع رأسه حملوه
فاشتدوا به بين قطري مكة يقولون : نبي بني عبد مناف ،
حتى إذا جاءه جبرئيل عرض عليه ، فقرأ ذينلك الحرفين ،
فقال جبرئيل : معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا ! فاشتد
عليه فانزل الله يطيب نفسه : (
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ . .
. ) الآية ( 2 ) .
وأورد النيسابوري في تفسير الآية
بغرائب القرآن عن ابن عباس انه قال : ان شيطانا يقال
له الأبيض أتاه على صورة جبرئيل وألقاها إليه ، فلما
سمع المشركون ذلك أعجبهم ، فجاء جبرئيل واستعرضه
فقرأها ، فلما بلغ إلى تلك الكلمة انكر عليه جبريل ،
فقال : انه أتاني آت على صورتك فالقاها على لساني ( 3
) .
و - أيضا - روى الطبري الرواية
بإيجاز عن مجاهد في
تفسيره .
لمتابعة دراسة اسناد
الروايات اضغط على الصفحة التالية أدناه
| |
(
1 ) تفسير الطبري ج 17 /
131 - 134 .
( 2 ) الدر المنثور ج 4
/ 368 .
( 3 ) تفسير غرائب القرآن للنيسابوري ج 17 / 110 ط . الباب الحلبي
بمصر .
( * ) |
|
|
|