|
-
أحاديث أم
المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2 ص 317
: - |
|
دراسة أسناد الروايات :
هذه المجموعة من الروايات
التي وردت في تاريخ الطبري ، وتفسيره وتفسير الواقدي
والزمخشري والبيضاوي والسيوطي وغيرهم ، انما رويت :
1
- عن " محمد بن كعب بن سليم القرظي " الذي كان من
سلالة يهود بني قريظة وولد سنة 40 هجرية .
2 - وعن "
محمد بن قيس " الذي كان الناطق الرسمي للخلافة في عصر
عمر بن عبد العزيز .
3 - وعن " أبي العالية البراء "
اسمه زياد وقيل كلثوم وقيل ادينة وقيل ابن ادينة - من
الرابعة مات سنة 90 .
4 - وعن " سعيد بن جبير " وهو من
التابعين ولم يكن من الصحابة ، ولم يدرك عصر الرسول (
ص ) .
5 - وعن " عبد الله بن عباس " الذي ولد كما
ذكرنا في السنة العاشرة من البعثة ولم يكن قد ولد في
العصر الذي تتحدث عنه الاسطورة .
ورويت بعض الروايات :
6 - عن " الضحاك بن مزاحم الهلالي " وهو من الطبقة
الخامسة من الرواة ، ( توفي سنة 94 هجرية ) .
7 -
عن " مجاهد بن جبر " وهو
من الطبقة الثالثة ، توفي سنة 103 أو 104 ه .
8 - وعن
" قتادة بن دعامة السدوسي " وهو من الطبقة الرابعة ،
توفي سنة بضع عشرة بعد المائة .
9 - وعن " السدي ابي
محمد اسماعيل بن عبد الرحمن " وهو من الطبقة
الرابعة ، توفي سنة 127 ه .
10 - " أبو بكر بن عبد
الرحمان بن الحارث المدني " ولد زمن عمر وهو من الطبقة
الثالثة ، مات سنة أربع وتسعين . وليس في كل هؤلاء
الرواة ممن صحب النبي ( ص ) ورآه غير ابن عباس الذي
قلنا انه ولد في السنة العاشرة ، ولم يكن واحد من
هؤلاء الرواة ممن كان موجودا في العصر الذي تتحدث عنه
الأسطورة .
كانت هذه اسناد روايات
الأسطورة ، ولم نجد
رواية نسبت إلى غيرهم في كتب التفاسير والسير والتاريخ
والحديث ، فقد انحصرت الروايات بهؤلاء ( 1 ) .
دراسة
متون الروايات :
أما متون روايات
الأسطورة ، فانها
تتحدث عن سورة النجم وآيات في سورة الحج :
أ - آيات
سورة النجم : أما سورة النجم فانها تتحدث عن عقائد
المشركين حول بعض أصنامهم وتردها ، وخاصة عقيدتهم حول
الأصنام الثلاثة : اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى
، اللاتي كانوا يزعمون انها تمثل بعض الملائكة بنات
الله . ففي هذه الآيات أشار إلى هذا الزعم ، حجث قال
جل اسمه : ( أَفَرَأَيْتُمُ
اللَّاتَ وَالْعُزَّى *
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى
*
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى ) أي انكم تعتقدون ان
الملائكة بنات الله ، ولكم الذكر ولله البنات ، ثم
يقول بعد هذه الآية : ( تِلْكَ
إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ) .
ويرد
قولهم بعد ذلك فيقول : (
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ
وَآبَاؤُكُم مَّا
| |
(
1 ) راجع ترجمتهم بتقريب
التهذيب المجلد الأول والثاني
. ( * ) |
|
|
أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن
سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا
تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ
الْهُدَى *
أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى
*
فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى
*
وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي
شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ
اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى
*
إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى
*
وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ
شَيْئًا *
فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ
يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
*
ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ
أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ) ( النجم : 23 - 30 ) .
هكذا ترد هذه الآيات
مزاعم المشركين ، حيث كانوا يزعمون ان الملائكة تشفع
لهم ، وان هذه الأصنام التي سميت باسم الملائكة - تمثل
الملائكة الذين كانوا يعتقدون بانهم بنات الله ، والله
يقول ان الملائكة لا يشفعون إلا لمن يأذن منهم أن يشفع
، فكيف بهذه الأصنام التي سميتموها باسم
الملائكة وزعمتم أن
الملائكة إناث ؟ وما لكم به من علم ، إن تتبعون إلا
الظن .
ولو فرضنا إن قائلا قال هكذا : " أفرأيتم اللات والعزى ، ومناة الثالثة
الأخرى ، تلك الغرانيق العلى ،
منها الشفاعة ترتجى ، الكم الذكر وله الأنثى ، تلك إذا
قسمة ضيزى ، ان هي إلا أسماء سميتموها التم واباؤكم ما
انزل الله بها من سلطان ان يتبعون إلا الظن وما تهوى
الانفس " . إذا كانت الآيات تدل على هذه المزعمة : "
ان تلك الغرانيق العلى ، منها الشفاعة ترتجى ، ان هي
إلا أسماء سميتموها انتم وآباؤكم وما انزل الله بها من
سلطان ! ! " .
لست أدري كيف لم ينتبه واضعوا هذه
الأسطورة السخيفة حين قالوا : ان الشيطان ألقى على
لسان رسول الله ( ص ) بعد ذكره اللات والعزى ومناة
الثالثة الأخرى ، ان يقول : تلك الغرانيق العلى ، وان
شفاعتهن لترتجي ؟ !
كيف لم ينتبهوا ان بعد الآية (
أَفَرَأَيْتُمُ . . . ) مباشرة استهزاء بهذه
العقيدة بقوله تعالى : (
أَلَكُمُ
الذَّكَرُ وَلَهُ
الْأُنثَى ) (
تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ) ؟ ثم
مجابهة لهم بالاستنكار وبتكذيب زعمهم بقوله تعالى
بعدها : (
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ
وَآبَاؤُكُم مَّا
أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا
مِن سُلْطَانٍ
) .
خم أعقبه
إنكار شفاعة
الملائكة بدون إذن الله ، فكيف بتماثيلهم من الأصنام ؟
! وأكد في الإنكار عليهم مرة أخرى في تسميتهم الملائكة
تسمية الأنثى ، وان المشركين لا علم لهم بذلك ، ثم أمر
الرسول ( ص ) بالاعراض عنهم وان يدمغهم بقوله تعالى :
( ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ
الْعِلْمِ . . . ) الآيات .
لست أدري كيف
غاب عن ناسبي هذه الأسطورة ومصدقيها من اعلام مفسري
مدرسة الخلفاء ان المشركين الجاهليين بمكة لم يكونوا
عجما لا يفهمون هذه المعركة الصاخبة من الذم والتقريع
والاستهزاء والسخرية ؟ بل كانوا عربا اقحاحا ، جل
ثقافتهم نظم القصائد في المدح والهجاء ، ومرهفي
الاحساس فيما يجري في معاريض الكلام .
يطربهم المدح ،
ويثيرهم الهجاء إلى حد إقامة الحروب وإراقة الدماء في
سيبل المفاخرة والمناظرة ! ! كان ذلك مغزى الايات في
سورة النجم المناقضة لمغزى الآيات الشيطانية المفتراة
التي يدركها بجلاء من كان له أدنى إلمام باللغة
العربية .
ب - آيات سورة الحج : اما في ما ورد في سورة
الحج ، فان واضعي الأسطورة افتروا على الوحي وعلى رسول
الله ( ص ) وقالوا : ان جبريل جاء بعد ذلك إلى رسول
الله ، أي بعد ان ألقى الشيطان على لسانه ( ص ) - معاذ
الله - : " تلك الغرانيق العلى ، منها الشفاعة ترتجى "
، وقرأها رسول الله ( ص ) ضمن تلاوته للسورة ، وسجد
لقراءته المشركون وسجد المسلمون لسجود رسول الله ( ص )
، بعد ذلك جاءه جبريل واخبر الرسول ( ص ) بان الجملتين
لم ينزلهما الله عليه ، وانما هما من الشيطان ، فحزن
لذلك رسول الله ( ص ) فانزال الله عليه هذه الآية من
سورة الحج
(
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى
أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ
اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ
اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
*
لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً
لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ
قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ
بَعِيدٍ *
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ
الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ
لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ
آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ( الحج : 52 - 54
) .
وزعموا ان معنى
الآية : وما أرسلنا من قبلك من
رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ، يعني : إلا إذا تلا ، أي
قرأ كتاب الله ، القى الشيطان في امنيته ، أي في
قراءته ، فينسخ الله ما يلقي الشيطان . هكذا زعموا !
ولفهم مغزى الآيات ينبغي ان نرجع إلى اللغة العربية
والى ما ورد في القرآن الكريم من مادة الأمنية ، ولنرى
فيم استعملت كلمتا الأمنية والتمني . فنقول : أما
الأمنية فهي من مادة " منى " : تمنى الشئ المحبوب ،
يعني : رغب في أن يناله ،
وحدثته نفسه بوقوعه . والأمنية : ما يرغب فيه المرء
ويتشهاه ، وتجمع على الأماني .
هكذا ورد معنى الكلمة
في معاجم اللغة العربية ، أما موارد استعمالها في
القرآن الكريم : فقد ورد في سورة النجم الآية 24 بنفس
المعنى : ( أَمْ لِلْإِنسَانِ
مَا تَمَنَّى
*
فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى
) . وليس معناه : أم للإنسان ما قرأ ، بل ما اشتهته
النفس .
وفي سورة القصص - أيضا - بعد أن يتحدث عن
قارون وما اوتي من المال ، وكيف خرج على قومه في زينته
، قال : (
قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ
الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا
أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
) - إلى قوله تعالى
- : (
فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ
لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا
كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ
*
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ
بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ
الرِّزْقَ لِمَن
يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ
. . . )
الآية .
إذا
فان : ( تمنوا مكانه ) ليس معناه : قرأوا مكانه ، بل
تمنوا أن يكونوا مكانه في ما يملك من المال .
وكذلك
وردت هذه المادة ( م ن ي ) في سورة آل عمران / 143
والنساء / 32 و 123 والجمعة / 6 و 7 والبقرة / 94 و 95
و 111 .
ولم ترد هذه المادة بمعنى " قرأ " في لغة
العرب ولا في القرآن الكريم ، غير ان المفسرين استنادا
إلى روايات تلك الأسطورة فسروا " الأمنية " و " تمنى "
بالقراءة وقرأ ، وبذلك شوشوا على الباحثين ممن جاء
بعدهم فهم الآية .
وإذا رجعنا إلى
الآيات في سورة الحج
وموضعها ، نجد ان الآيات : ( 50 - 53 ) ، التي تحدثت
عنها الأسطورة ، وردت ضمن آيات ذات وحدة موضوعية ،
ابتداء من الآية ( 41 ) حتى الآية ( 55 ) وما بعدها ،
حيث يقول الله تعالى فيها : (
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ
قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ
*
وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ
*
وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ
لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ
نَكِيرِ ) .
ثم يذكر عاقبة المكذبين في الآيات ( 45 -
48 ) ثم يخاطب نبيه ويسليه لأنه نذير وقال : (
فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم
مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
*
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ
أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) .
ويستمر
في التسلية ويقول : (
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى ) أي إذا أحب واجتهد في نجاح دعوته (
ألقى الشيطان ) العراقيل والشبهة في طريق أمنيته فينسخ
الله - أي يزيلها ويبطل أثرها - كما قال في سورة
الأنبياء : (
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ
فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) [ الآية : 18 ] .
وعلى هذا ، فان تمني النبي (
ص ) وأمنيته ، هي رغبته الملحة في هداية الناس .
وإلقاء الشيطان فيها هو إلقاء الشبهة والوساوس في طريق
أمنيته ، وينسخها الله يعني : يزيل تلك الشبهات والوساوس ، وفي ذلك يكون
إحكام آياته .
كان ذلك تفسير الآية مع ملاحظة موقعها
ضمن الآيات ذات الوحدة
الموضوعية في السورة .
|