- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 353 : -

أولا - مونتجومري وات في كتابه محمد في مكة ( 1 )


 أ - رواية الزهري : تقول الروايات إن الله دعا محمدا لاداء رسالة النبوة في الأربعين من عمره ، وأخذ يتلقى الوحي من الله . وأفضل نقطة للابتداء هي رواية الزهري مصحوبة بشروح نفس المؤرخ عن فترة انقطاع الوحي . وهذه الرواية ليست متصلة كرواية ابن هشام بل هي تجمع مقاطع وصلت إلى علم الزهري ، والنص كما وصل إلينا لا يحتوي على تقسيمات . وقد أدخلنا بعض التقسيمات هنا للتسهيل ، وهي تظهر في نص الزهري عند تغير الراوي .

( أ ) سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت كان أول ما ابتدئ به رسول الله ( ص ) من الوحي الرؤيا الصادقة ، كانت تجئ مثل فلق الصبح .
 

( ب ) ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ، ثم يرجع إلى أهله قيتزود لمثلها حتى فجأه الحق فأتاه فقال : يا محمد أنت رسول الله .
 

( ج ) قال رسول الله ( ص ) فجثوت لركبتي وأنا قائم ثم زحفت ترجف

  ( 1 ) تعريب شعبان بركات ، نشر المكتبة العصرية بيروت ، ص 75 وكان موتنجومري استاذ العلوم الإسلامية ورئيس قسم اللغة العربية بجامعة ادمبرغ في اسكوتلندا . ( * )   
 

- ج 2  ص 354 -

بوادي ثم دخلت على خديجة فقلت زملوني ، زملوني ! حتى ذهب عني الروع ، ثم أتاني فقال : يا محمد أنت رسول الله .

( د ) قال : فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق جبل ، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال : يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله .

( ه‍ ) ثم قال : اقرأ ، وقلت : ما أقرأ ؟ قال : فأخذني فغتني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد ثم قال : اقرأ باسم ربك الذي خلق ، فقرأت .

( و ) فأتيت خديجة فقلت : لقد أشفقت على نفسي فأخبرتها خبري . فقالت أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا ، ووالله انك لتصل الرحم .


 ب - رؤى محمد : لا نملك أي دليل قاطع للشك في الفكرة الأساسية للمقطع

( أ ) وهي أن دعوة محمد بدأت " برؤيا حقيقية " وهذا يختلف كليا عن الأحلام . كما نجد " الرؤى " في المقطع

( ب ) إذا وضعنا جانبا ظهور جبرائيل في ( د ) .

ويؤيد نص المقطع

( أ ) ما نعلم من سورة النجم ، ولكنه مشتق بصورة مستقلة عن ملاحظات محمد . ويذكر لنا القرآن رؤيين : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ( النجم / 1 - 18 ) .

تفسير المسلمين لهذه الآيات يهئ للاعتقاد بانها تتحدث عن رؤيا 

- ج 2  ص 355 -

جبرائيل ولكن هناك أسباب تحملنا على الاعتقاد بان محمدا قد فسرها على أنها رؤيا الله نفسه ، فنحن لانجد أي ذكر لجبرائيل في القرآن حتى في الفترة المدنية وان الكلمات في ( 5 / 10 ) يجب أن تعني " عبد الله " كما يعترف به المسلمون . ولكن هذا يجعل الجملة غير مستقيمة إلا إذا كان الله فيها الفاعل الضمني للافعال .


والجملة في نهاية المقطع ( ب ) " حتى فجأه الحق فقال " لها نفس القيمة لأن " الحق " وسيلة للإشارة إلى الله ويمكن تفسير المقطع ( ج ) بنفس الطريقة لأن النص هو " ثم أتاني فقال " وكذلك بعض الروايات المتعلقة بسورة المدثر عن جابر تقول عن محمد : " سمعت صوتا يناديني ، فتلفت حولي فلم أر أحدا فرفعت رأسي فرأيته هناك جالسا على عرش " .


وربما كان ذلك تفسير محمد نفسه ، ولكنا لا نستطيع الادعاء بأنه اتبع ذلك دائما لانه على عكس ( 6 / 103 ) " لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ " .

وإذا كانت سورة النجم يمكن أن تفسر بهذا الشكل فانها يمكن تفسيرها بشكل آخر ، ولاشك ان القول : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ، لا يعني رؤيا الله . ولكن يبدو أنه يمكن تفسير ذلك بمعنى ان ما رآه محمد كان آية أو رمزا لجلالة الله .

والآية ( 11 ) ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) ( وربما أضيفت فيما بعد ) توحي بتطور لاحق لهذه النظرية ، أي حينما كانت الأنظار ترى الآية أو الرمز ، كان القلب يدرك الشئ الذي يرمز إليه .

ولو أن محمدا فسر ، في الأصل ، الرؤيا على أنها رؤيا مباشرة لله فان هذا يعنى إذن أنه لم يخطئ في الشئ الأساسي ، وإن كان تفسيره لم يكن صحيحا تماما وربما كان يجب تفسير الآية هكذا : لا يخطئ القلب فيما رآه هو كانسان ، وبهذه الطريقة ، يمكن تجنب جعلها رؤيا جبرائيل . وقال

- ج 2  ص 356 -

 ج - رؤيا حراء ، التحنث ان زيارة محمد لحراء ، وهو جبل قريب من مكة ، بصحبة عائلته أو بدونها ، ليست مستحيلة ، ويمكن أن يكون ذلك للفرار من أتون المدينة خلال فصل الصيف للذين لا يستطيعون التوجه إلى الطائف ، ويمكن للتأثير اليهودي المسيحي ولاسيما مثل الرهبان ، أو تجربة شخصية لمحمد أن يكون قد أثار فيه الحاجة للخلوة والرغبة فيها . وليس المعنى الدقيق والمشتق " للتحنث " واضحا .


وإن كنا بصورة بديهية بصدد بعض طقوس العبادة . ولربما كانت أفضل فرضية هي فرضية ه‍ . هرشفلد ( 1 ) بالاعتماد على اللفظ العبري " تحنوث " ( fehinnath ) أو " تحت " ( fehinnath ) الذي يعني " الصلاة لله " .

ويمكن لهذا المعنى أن يكون قد تأثر بالجذر العربي ، حنث تعني نقض القسم والعهد ، أو العجز عن تنفيذه ، كما تعني بالمعنى العام الخطيئة ، والتحنث يعني " القيام بعمل للفرار من خطيئة أو جريمة " واستعمال كلمة " التحنث " هنا ربما كان دليلا على أن المادة قديمة فهي بذلك صحيحة ( 2 ) .


وربما استطعنا أن نتم هذا العرض الموجز بما سبق الدعوة وأول ما نزل من الوحي ، ولابد أن محمدا قد عرف منذ شبابه بعض المشاكل الاجتماعية والدينية في مكة .


ولا شك أن وضعه كيتيم قد أطلعه على القلق السائد في المجتمع ، وربما كانت أفكاره من وجهة المنظر الدينية ترجع إلى التوحيد الغامض الذي نلاحظه عند المكيين المثقفين ، ولكن يضاف إلى ذلك أنه ولا شك فكر ببعض الإصلاح في مكة ، وكان كل ما يحيط به يساعد على أن يوحي إليه بأن هذا الإصلاح يجب أن يكون

  ( 1 ) أبحاث جديدة في تأليف القرآن وتفسيره ، لندن 1902 ، ص 10 .
( 2 ) قابل كايناني حوليات ، 1 / 222 رقم 2 ( * ) .
 
 

- ج 2  ص 357 -

أولا إصلاحا دينيا .

ولهذا نرى محمدا يصبو إلى الخلوة للتفكير في الأمور الإلهية والقيام ببعض العبادات ، وربما كان ذلك للتكفير عن الخطايا ، وربما سبق هذه " العزلة " بعض التجارب الدينية ، ولكننا لا نعرف عنها شيئا . وتوحي الروايات بأن الرؤيا حدثت أثناء العزلة . ولكن تواريخ مختلف جوانب دعوة محمد غير أكيدة . تارة تقول بأن الرؤيا كانت غير منتظرة ، وتارة يبدو أن خديجة كانت قريبة منها .


 د - أنت رسول الله : تتكرر هذه الكلمات أربع مرات في مقاطع الزهري في ب ، ج ، د وط ، في المقطعين الأخيرين يتحدث جبرائيل وفي الأول " الحق " وفي الثاني " هو " وتختلف المناسبات في المقاطع الأولية .

ومن خم أفلا يمكن لهذه الروايات الأربع أن تكون لها علاقة بمختلف جوانب الحادث الذي ترويه ؟

ان ذكر جبرائيل لا يستحق الثقة في البدء ، لأننا لاننا نجد هذا الذكر كثيرا في القرآن .

وتبدو الوقائع لأول وهلة ، على نوعين على الأقل : النص ( ب ) مع النص ( ج ) يمكن أن يصورا الدعوة إلى النبوة ، بينما ( د ) و ( ط ) يبدوان كتأكيد لهذا مع السعي لتطمينه وإزالة قلقه .

وإذا كان النص ( ب ) يرجع للدعوة الأولى فما هي علاقته بالرؤيا ؟ إن وصف الرؤيا الأولى في سورة " النجم " يأتي في مقطع يرد على بعض الاعتراضات التي أثارها المكيون حول حقيقة الوحي الذي نزل على محمد ولاشك أن محمدا كان قد أعلن هذا الوحي مرة أو أكثر .


وحديث الرؤيا في هذا النص يدل على أن لها علاقة ما بالوحي . وليس هناك ما يدل على أن سماع المقاطع كان يصحب الرؤيا ، وفي الحقيقة لو أن أكثر من هذين المقطعين كان موضع 

- ج 2  ص 358 -

التساؤل لأصبح ذلك مستحيلا .

ويبدو أن النتيجة العملية للرؤيا هي شئ أكثر شمولا كالشعور بأن هذه المقاطع هي رسائل من عند الله وانه كان على محمد أن يعلنها أمام الناس ، وهذا يفترض أن محمدا كان قد نزل عليه الوحي سابقا ، ولكنه لم يكن واثقا من طبيعة الوحي الذي ينزل عليه ، وقد أخبر الآن أو انه تلقى تأكيدا بصدده .


ويمكن أن تكون الرؤيا ، من ناحية ثانية ، دعوة لطلب الوحي ، كما يمكن أن يكون محمدا قد عرف شيئا ما عن الوسائل الخاصة لاثارته والافتراض الاخير هو الأقرب .


ويجب أن نلاحظ بصدد هذا أن ما ( 1 ) كان يوحى إليه كان " مسلكه العملي " الذي يسير عليه . ومعنى الرؤيا ، في هذه الحالة ، معنى عام ، يتفق تماما مع النص ( ب ) ويمكن أن لا تكون كلمات " رسول الله " تعبيرا خارجيا كما يمكن أن لا تكون تعبيرا خياليا بل تعبيرا فكريا ، أي انه لم يسمع ولم يخيل إليه أنه يسمع ، إذ أن هاتين الكلمتين كانتا تعلنان عن رسالة وصلته بدون كلمات . فصورة الكلمتين لاحقة للرؤيا .

هل يمكن لمغامرة من هذا النوع أن تتكرر ؟ ليس هذا مستحيلا تماما ، ويتضمن جمع الرؤيين في سورة النجم بعض الشبه في محتواهما . ولا نجد من ناحية ثانية ، أي ذكر للوحي في وصف الرؤيا الثانية ، ومن المتفق عليه عادة أننا بصدد اشارة إلى الجنة ولا تساعدنا المقاطع ( ج ) و ( د ) و ( ط ) بأى شكل .

وليس المقطعان الأخيران نداءا لمحمد أكثر منهما تأكيدا وتذكيرا بالنداء الأول . ومن الطبيعي الافتراض أن محمدا قد تذكر رؤياه الأولى في ساعات الشقاء .

وربما ساورته الفكرة في ساعة الشدة فنسب ذلك لتدخل خارق . ومهما كانت الوقائع بصدد ذكريات من هذا النوع ، فانه ليس لها أهمية التجربة الأصلية .

  ( 1 ) ر . بل ، " رؤى محمد " في mw 1934 ، ص 145 - 54 ( * ) .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب