|
رؤية الله
في ضوء الكتاب والسنة والعقل - الشيخ جعفر السبحاني ص
83 :
|
|
رؤية الله في الذكر الحكيم
دراسة أدلة المثبتين
7 - الآية
الأولى : إِلَى رَبِّهَا
نَاظِرَةٌ
استدل
القائلون بجواز الرؤية بآيات متعددة والمهم فيها هو
الآية التالية ، أعني قوله سبحانه : (
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ
الْعَاجِلَةَ *
وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
* وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
نَّاضِرَةٌ *
إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
*
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ
*
تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) ( القيامة / 20
- 25 ).
يقول الشارح القوشجي في شرحه لتجريد الإعتقاد
: إن النظر إذا كان بمعنى الانتظار يستعمل بغير صلة
ويقال انتظرته ، وإذا كان بمعنى التفكر يستعمل بلفظة
في ، وإذا كان بمعنى الرأفة يستعمل بلفظة اللام ، وإذا
كان بمعنى الرؤية استعمل بلفظة إلى ، فيحمل على الرؤية
( 1 ).
أقول : لقد طال الجدال حول ما هو المقصود من
النظر في الآية ، بين مثبتي الرؤية ونافيها ، ولو
أتينا بأقوالهم لطال بنا المقام ، فإن
| |
( 1 ) القوشجي ،
شرح التجريد : 334
.( * ) |
|
|
المثبتين يركزون على أن الناظرة بمعنى الرؤية ، كما
أن نافيها يفسرونها بمعنى الانتظار ، مع أن تسليم كونه
بمعنى الرؤية غير مؤثر في إثبات مدعيها كما سيظهر ،
والحق عدم دلالتها على جواز رؤية الله بتاتا ، وذلك
لأمرين :
الأول : أنه سبحانه استخدم كلمة وجوه لا عيون
، فقسم الوجوه إلى قسمين : وجوه ناضرة ، ووجوه باسرة ،
ونسب النظر إلى الوجوه لا العيون ، فلو كان المراد هو
الرؤية لكان المتعين استخدام العيون بدل الوجوه ،
والعجب أن المستدل غفل عن هذه النكتة التي تحدد معنى
الآية وتخرجها عن الإبهام والتردد بين المعنيين ، وأنت
لا تجد في الأدب العربي القديم ولا الحديث موردا نسب
فيه النظر إلى الوجوه وأريد منه الرؤية بالعيون
والأبصار ، بل كلما أريد منه الرؤية نسب إليهما .
الثاني : لا نشك أن الناظرة في قوله (
إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
) بمعنى الرائية ، ونحن نوافق المثبتين بأن النظر
إذا استعمل مع إلى يكون
بمعنى الرؤية ، لكن الذي يجب أن نلفت إليه نظر المستدل
هو أنه ربما يكون المعنى اللغوي ذريعة لتفهيم معنى
كنائي ، ويكون هو المقصود بالأصالة لا المدلول اللغوي
، فلو قلنا : زيد كثير الرماد ، فالجملة مستعملة في
معناها اللغوي ، ولكن كثرة الرماد مراد استعمالي لا
جدي ، والمراد الجدي هو ما اتخذ المعنى الاستعمالي
وسيلة لإفهامه للمخاطب ، والمراد هنا هو جوده وسخاؤه
وكثرة إطعامه ، فإذا قال الرجل : زيد كثير الرماد ،
فلا نقول : إن القائل أخبرنا عن كثرة الرماد في
بيت زيد الذي يعد أوساخا ملوثة لبيته ، فيكون قد ذمه
دون أن يمدحه ، بل يجب علينا أن نقول : بأنه أخبر عن
جوده وسخائه ، والعبرة في النسبة المراد الجدي لا الاستعمالي ، وهذه هي القاعدة الكلية في تفسير كلمات
الفصحاء والبلغاء .
والآن سنوضح مفاد الآية ونبين ما
هو المراد الاستعمالي والجدي فيها ، وذلك لا يعلم إلا
برفع إبهام الآية بمقابلها ، فنقول : إن هناك ستة آيات
تقابلها ثلاثة ، وهي كالآتي :
1 -( كَلَّا
بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ) يقابلها : (
وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ) .
2 -( وُجُوهٌ
يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ) يقابلها : (
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَة ) .
3 -( إِلَى
رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) يقابلها : (
تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا
فَاقِرَةٌ )
.
فلا شك أن الآيات الأربع الأول واضحة لا خفاء فيها ،
وإنما الإبهام وموضع النقاش هو الشق الأول من التقابل
الثالث ، فهل المراد منه جدا هو الرؤية ، أو أنها
كناية عن انتظار الرحمة ؟
والذي يعين أحد المعنيين هو
الشق الثاني من التقابل الثالث ، أعني ( تظن أن يفعل
بها فاقرة ) فهو صريح في أن أصحاب الوجوه الباسرة
ينتظرون العذاب الكاسر لظهرهم ، ويظنون نزوله .
وهذا
الظن لا ينفك عن الانتظار ، فكل ظان لنزول العذاب
منتظر ، فيكون قرينة على أن أصحاب الوجوه المشرقة
ينظرون إلى ربهم ، أي يرجون رحمته ، وهذا ليس تصرفا في
الآيات ولا تأويلا لها ، وإنما هو رفع الإبهام عن
الآية بالآية المقابلة لها ، وترى ذلك التقابل
والانسجام في آيات أخرى ، غير أن الجميع سبيكة واحدة .
1
-( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
مُّسْفِرَةٌ ) يقابلها : (
ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ )
.
2 -( وَوُجُوهٌ
يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ) يقابلها : (
تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) ( 1 ). فإن قوله (
ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ) قائم مقام
قوله ( إِلَى رَبِّهَا
نَاظِرَةٌ ) فيرفع إبهام الثاني بالأول .
3 -( وُجُوهٌ
يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ) يقابلها : (
عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ
*
تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ) ( الغاشية / 2 - 4 ).
4 -( وُجُوهٌ
يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ) يقابلها : (
لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ
*
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) الغاشية / 8 - 10 ).
أنظر إلى الانسجام
البديع ، والتقابل الواضح بينهما ، والهدف الواحد ،
حيث الجميع بصدد تصنيف الوجوه يوم القيامة ، إلى ناضر
ومسفر ، وناعم وإلى باسر ، وأسود ( غبرة ) وخاشع .
أما
جزاء الصنف الأول فهو الرحمة والغفران ، وتحكيه الجمل
التالية : إلى ربها ناظرة ،
ضاحكة مستبشرة ، في جنة عالية .
وأما جزاء الصنف
الثاني فهو العذاب والابتعاد عن الرحمة ،
| |
( 1 )
عبس : 38 - 40 .( * ) |
|
|
وتحكيه الجمل التالية : تظن أن يفعل بها فاقرة ،
ترهقها قترة ، تصلى نارا حامية .
أفبعد هذا البيان
يبقى شك في أن المراد من (
إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) هو انتظار
الرحمة ! ! والقائل بالرؤية يتمسك بهذه الآية ، ويغض
النظر عما حولها من الآيات ، ومن المعلوم أن هذا من
قبيل محاولة إثبات المدعى بالآية ، لا محاولة الوقوف
على مفادها .
ويدل على ذلك أن كثيرا ما تستخدم العرب
النظر بالوجوه في انتظار الرحمة أو العذاب ، وإليك بعض
ما ورد في ذلك : وجوه بها ليل الحجاز على الهوى إلى
ملك كهف الخلائق ناظرة وجوه ناظرات يوم بدر إلى الرحمن
يأتي بالفلاح فلا نشك أن قوله : وجوه ناظرات بمعنى
رائيات ، ولكن النظر إلى الرحمن هو كناية عن انتظار
النصر والفتح . إني إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير
إلى الغني الموسر فلا ريب أن اللفظين في الشعر وإن
كانا بمعنى الرؤية ، ولكن نظر الفقير إلى الغني ليس
بمعنى النظر بالعين ، بل الصبر والانتظار حتى يعينه .
قال سبحانه : (
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً
أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ
يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ) ( آل عمران / 77 )، والمراد من قوله : (
لاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ) هو طردهم عن ساحته وعدم شمول رحمته لهم
وعدم تعطفه عليهم ، لا عدم مشاهدته إياهم ، لأن رؤيته
وعدمها ليس أمرا مطلوبا لهم
حتى يهددوا بعدم نظره سبحانه إليهم ، بل الذي ينفعهم
هو وصول رحمته إليهم ، والذي يصح تهديدهم به هو عدم
شمول لطفه لهم ، فيكون المراد عدم تعطفه إليهم ، على
أن تفسير قوله ( لاَ يَنظُرُ
إِلَيْهِمْ ) ب لا يراهم يستلزم
الكفر ، فإنه سبحانه يرى الجميع (
وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ )
.
والحاصل : أن النظر إذا أسند إلى العيون يكون المعنى
بالمراد الاستعمالي والجدي هو الرؤية على أقسامها ،
وإذا أسند إلى الشخص كالفقير أو إلى الوجوه فيراد به
الرؤية استعمالا والانتظار جدا .
ثم إن لصاحب الكشاف
هنا كلمة جيدة ، حيث يقول بهذا الصدد : يقال : أنا إلى
فلان ناظر ما يصنع بي يريد معنى التوقع والرجاء ، ومن
هذا القبيل قوله : وإذا نظرت إليك من ملك والبحر دونك
زدتني نعما وقال : سمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر
حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم تقول :
عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم ، تقصد راجية ومتوقعة
لإحسانهم إليها ، كما هو معنى قولهم : أنا أنظر إلى
الله ثم إليك ، وأتوقع فضل الله ثم فضلك ( 1 ).
| |
( 1 ) الزمخشري ، الكشاف 3 :
294 .( * ) |
|
|
|