|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 39 :
|
الباب الأول حديث
الاقتداء بالصحابة
لقد اعتمد القائلون بعدالة كافة الصحابة بقضهم وقضيضهم -
كما أسلفنا - على أحاديث زعموا أنها صادرة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ،
ولهذا منعوا الكلام فيهم وفي تمييز غثهم من سمينهم ، واعتبروهم طبقا لذلك في
عصمة من الجرح والطعن ، بل اعتبروا الكلام فيمن خالف الشرع منهم فسقا وخروجا عن
دائرة الإسلام .
وهذا الكلام لا يصدر إلا عمن أضاع أسس القياس والمعيار
الشرعي في معرفة الناس وأفعالهم ، واعتمد على التقليد الأعمى وعدم الواقعية ،
لأن كلاما مثل هذا لا يسنده الواقع الذي عاشه الصحابة في زمانهم ، إذ لا يمكن
أن تؤيده هذه الأحاديث بتلك
العمومية التي تفهم من نصوصها الشاملة لكافة الصحابة ،
فقد زعموا أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : " أصحابي كالنجوم بأيهم
اقتديتم اهتديتم " ( 1 ) .
ومعنى الحديث واضح في إشارته
إلى الاقتداء بكافة الصحابة في أمور الدين ، وأن الاقتداء بأي كان منهم موجب
للهداية والنجاة .
وسنضرب أمثلة من مخالفات بعض الصحابة
التي خالفوا بها الشرع صراحة ، حتى يتضح أن ما ذهب إليه هؤلاء لا يستقيم ، وأن
بعض الصحابة لا يمكن أن يعتمد عليهم في أخذ مسائل الدين لمخالفتهم للدين نفسه .
ونحن نعلم جيدا أن مخالفة الشرع
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) جامع الأصول
لابن الأثير 9 : 410 ، الباب الرابع ، في فضائل
الصحابة ، حديث رقم 6359 . ( * )
|
|
|
لا تستحسن من أحد صحابيا كان أو تابعيا أو من سائر الناس
، ذلك لأن هذا الدين فوق الجميع ولا يعرف فضيلة لأحد على الآخر إلا بمقدار
تمسكه بالدين وبمقدار ما يتصف به من تقوى .
وإثبات مخالفة البعض للشرع يكفي في إبطال حديث الاقتداء
بجملة الصحابة ، وبالتالي سنعلم أن الصحابة بعضهم يستحق أن يكون قدوة لالتزامه
جانب الشرع واقتفاء أثر النبي ( صلى لله عليه وآله ) واتباعه في أفعاله دون
تغيير لها أو تبديل ، وبعضهم لا يستحق أن يكون أسوة يقتفي آثاره غيره ،
لمخالفته النبي ( صلى الله عليه وآله ) في آثاره .
وفي الواقع لا يملك الإنسان إلا التعجب من أولئك الذين
ينسبون العدالة والوثاقة لكل الصحابة ، ويغضون أبصارهم عما نقل عن بعضهم من
آثام وأخطاء في الدين .
يقول الشيخ التفتازاني : " ما
وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التاريخ
والمذكور على ألسنة الثقاة يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق ، وبلغ
حد الظلم والفسق ، وكان الباعث له الحقد
والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرئاسة والميل إلى
اللذات والشهوات ، إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقي النبي ( ص ) بالخير
موسوما " ( 1 ) .
فانظر إلى سلامة هذا القول وصراحته
في تأييد ما ذهبنا إليه في نقض عدالة بعض الصحابة ، وهو الحق بلا ريب .
إن فرض القول بعدالة كافة الصحابة ، هو في الواقع كتم
للأنفاس وتسلط على الدين وفرض للآراء ورد لنظر القرآن في بعض الصحابة .
وخلاصة القول فهو مسلك لا ينتهي سالكوه إلا إلى الحيرة
والاختلاف والتخبط في الدين .
والذين يصححون أخطاء الصحابة
قد أخطأوا في معرفة مقياس صحة الأعمال ، واختلط عليهم ذلك الأمر ، هذا مع إحسان
الظن بهم وإلا فهم قد خضعوا لسلطان السياسة والعصبية ، فهم بتصحيح أخطاء
الصحابة يسعون إلى الضغط على الشرع ليتقبل هذه الأخطاء ويعطيها مكانا عنده بعد
طلائها بطلاء الشرع لتصبح بذلك مصدرا للتشريع .
لقد غفل هؤلاء عن أن الشرع هو
الذي يجب أن يكون المقياس في صحة أو بطلان أعمال الناس سواء كانوا صحابة أو غير
صحابة ، وهذا واضح جدا ، فكلما اصطدموا بخطأ صدر من أحد الصحابة يخالف به أحكام
الدين
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح المقاصد
للتفتازاني 4 : 310 - 311 . ( * )
|
|
|
وحدود الله يسعون بكل جهد إلى لي أطراف الشرع وتشكيل
أحكامه لصناعة قالب شرعي منه لهذه الأخطاء ، وهم مع ذلك يسمعون قول النبي
الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ( 1 )
.
فكل عمل لا يطابق الشره فهو مردود مرفوض مهما كان صاحبه
، ولعمري إن هذا لهو الحق الذي يقبله الشرع نفسه وترتاح على جنبه العقول وتنسجم
مع أطرافه الفطرة الإنسانية .
شرب الخمر
قدامة بن مظعون صحابي من أهل بدر ، تعاطى الخمر في زمان
الفاروق ، فأقام عمر بن الخطاب عليه الحد إجراء لحكم الله تعالى . . ( 2 )
فماذا يضيرنا لو قلنا لابن مظعون الصحابي البدري هذا : إنك ارتكبت إثما كبيرا
وعصيت الله بذلك ، فهل نصبح بهذا القول من الفاسقين الخارجين عن الدين ؟ !
وقد يقول قائل : إن الله قد
غفر لأهل بدر فليفعلوا ما يحلو لهم ، فلو كان هذا الكلام صحيحا فلماذا لم يغفر
الفاروق وقد غفر الله لابن مظعون وأمثاله ؟! غير أن الفاروق لم يتوان عن إقامة
الحد على ابنه عبد الرحمن الأصغر أيضا عندما تعاطى الخمر
هو الآخر ، فعمر لم يسع إلى تبرير خطأ هؤلاء الصحابة ،
ولم يقل : اجتهد هؤلاء في شربهم الخمر فأخطأوا ولهم أجر واحد ، وإلا فعلى الدين
السلام !
ثم إن الوليد بن عقبة كان
واليا على الكوفة ، فشرب الخمر وقام يصلي بالناس صلاة الفجر ، فصلاها أربع
ركعات ، وكان يقول في ركوعه وسجوده : " اشربي واسقني " ، وتقيأ في المحراب ثم
سلم بعد الأربع وخاطب المصلين : " هل أزيدكم " ؟
! ( 3 ) فأقام الإمام علي ( عليه السلام ) عليه الحد
الشرعي ولم تشفع له صحبته بشئ ، ورغم ذلك فعلينا أن نقتدي بهم لكونهم من أصحاب
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) !
أرجو أن لا يعاند أحد الحقيقة المرة
ويقول : إن الوليد
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري :
كتاب البيوع - النجش ج 4 : 55 .
( 2 ) أسد الغابة في معرفة الصحابة ،
وسائر التراجم .
( 3 ) أسد الغابة 3 : 312
السقيفة لأبي بكر الجواهري ص 120 وما
بعدها . ( * )
|
|
|
كان من المنافقين ، فالرجل كان واليا على الكوفة في زمان
عثمان بن عفان . ونحن على استعداد لقبول عدالة الوليد هذا لو استطاع من ينسبها
لكافة الصحابة إثبات ذلك له ، وهيهات .
الفرار من الزحف وشماتة
البعض
يقول ابن هشام : " فلما
انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله ( ص ) من جفاة أهل مكة الهزيمة ، تكلم
رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن ، فقال أبو سفيان بن حرب : " لا تنتهي
هزيمتهم دون البحر " ! وصرخ جبلة بن حنبل : " ألا بطل السحر اليوم " ( 1 ) !
فأبو سفيان هذا صحابي معروف ، فهل يلزمنا أن نقول إنه من
العدول ؟ !
أم كان جبلة محقا في اعتقاده ببطلان دين السحر يوم حنين ؟ !
وعلى من كان ضغن وحقد أبي سفيان حتى دفعه إلى التفوه بهذا القول وإظهار ذلك
السرور عندما شاهد هزيمة المسلمين ؟ !
على أنه لما تمت البيعة لعثمان وتولى أمر الخلافة دخل
إليه بنو أمية ، حتى امتلأت بهم الدار ثم أغلقوها عليه ، فقال لهم أبو سفيان :
أعندكم أحد من غيركم ؟ قالوا : لا . قال : " يا بني أمية ، تلقفوها [ يعني
الخلافة ] كتلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ولا جنة
ولا نار ولا بعث ولا قيامة " ! ( 1 )
وبهذا ينكشف لنا ضغن أبي سفيان
، وهو الصحابي العدل ينكر البعث ويوم الحشر . وليتنا نعلم بمن يحلف أبو سفيان ،
وهل بعد إنكار البعث والجنة والنار يبقى شئ يحلف به أبو سفيان غير اللات والعزى
؟ !
ورغم ذلك فقد نفي عنه الشك والخطأ والكذب وصار من عدول
الأمة ! والعياذ بالله من التقليد الأعمى .
إن فرار كثير من الصحابة يوم حنين
وأحد ، من المسائل التي لا تخفى على أحد ، والفرار من القتال أمر منكر
يؤدي إلى غضب الله وسوء المصير . يقول تعالى : ( يا أيها
الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ
دبره إلا متحرفا
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سيرة ابن هشام
3 : 114 ، 4 : 444 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9
: 53 - باب 139 ، انظر كتاب السقيفة
للجواهري ص 37 . ( * )
|
|
|
لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله
ومأواه جهنم وبئس المصير ) ( 1 ) .
فماذا حدث يوم أحد ؟ يقول
القرطبي : " قد فر الناس يوم أحد ، وعفا الله عنهم " ( 2 ) .
ولقد خاطبهم الله تعالى بقوله : "
إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم " ( 3 ) .
وقيل كان يناديهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " إلي
عباد الله ( 4 ) ، من كر فله الجنة " دون أن تحين منهم التفاتة .
وأما غزوة حنين فقد لاذ فيها
أغلب الناس بالفرار ، وقال لهم تعالى : ( ثم وليتم
مدبرين ) ( 5 ) . يقول الواقدي في فرار الصحابة : " فقالت أم الحارث :
فمر بي عمر بن الخطاب فقلت له : يا عمر ، ما هذا ؟ فقال عمر : أمر الله " ( 6 )
!
إن فرار الصحابة عن بعض ساحات المعارك أمر أثبته التاريخ
وحفظه القرآن آيات تتلى .
وفي غزوة أحد يقول الطبري : "
وتفرق عنه أصحابه ، ودخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة
فقاموا عليها " ( 7 ) .
فكيف بهذه الصحبة التي لا تمنع صاحبها من ارتكاب خطأ
كهذا وقد حصلوا فيها على العدالة ؟ !
وكيف تكون تلك العدالة وقد تركوا نبيهم في تلك المعارك
عرضة لسيوف الحاقدين من المشركين ، وبه قد نالوا تلك الصحبة ؟ ! ولولا بعض
الصحابة العدول حقا لانطفأ نور الإسلام ، ولكن أتمه الله بهم إذ وقفوا إلى جنب
النبي ( صلى الله عليه وآله )
يصدون عنه كل خطر ، ويحمونه بأبدانهم ، ويفدونه بأرواحهم
رضي الله عنهم . ويقول : قد كان الناس انهزموا عن رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) حتى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الأعوص .
وفر عثمان بن عفان وعقبة بن
عثمان وسعد بن عثمان . . . حتى بلغوا الجلعب جبلا بناحية المدينة مما يلي
الأعوص ، فأقاموا به ثلاثا . . . قال لهم رسول الله : لما عادوا " لقد ذهبتم
فيها عريضة " ( 8 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الأنفال : 15 -
16 .
( 2 ) تفسير القرطبي 7 : 383 .
( 3 ) آل عمران : 153 .
( 4 ) الطبري 2 : 201 غزوة أحد .
|
( 5 ) التوبة : 25 .
( 6 ) المغازي للواقدي 3 : 904 .
( 7 ) تاريخ الطبري 2 : 201 غزوة أحد . (
* )
( 8 ) تاريخ الطبري 2 : 203 حوادث السنة
الثالثة - غزوة أحد .
|
|
|
|