- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 44 :

كتمان الشهادة ! شهادة الزور


وأرجو أن لا يندهش أحد إذا قلت : إن من الصحابة من كذب وكتم الشهادة . وهذا بلا شك طعن في العدالة والوثاقة ، ذلك أن كتم الشهادة وشهادة الزور من أكبر المطاعن التي بين سوءها القرآن الكريم .


يقول ابن أبي الحديد : " ذكر جماعة من شيوخنا البغداديين أن عدة من الصحابة والتابعين والمحدثين كانوا منحرفين عن علي عليه السلام ، قائلين فيه السوء . ومنهم من كتم مناقبه وأعان أعداءه ، ميلا مع الدنيا وإيثارا للعاجلة ، منهم أنس بن مالك .

ناشد علي عليه السلام الناس في رحبة القصر - أو قال رحبة الجامع بالكوفة -: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه " ؟ فقام اثنا عشر رجلا شهدوا بها ، وأنس بن مالك في القوم لم يقم ، فقال له :

يا أنس ! ما منعك أن تقوم فتشهد ، ولقد حضرتها ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، كبرت سني ونسيت ! فقال : اللهم إن كان كاذبا فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة . قال طلحة بن عمير : فوالله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه " ( 2 ) .


فالصحابة بشر تدفعهم بشريتهم أحيانا إلى ارتكاب الأخطاء من أجل تحقيق أهداف ، وإن خالفت الشرع ، وحتى لو أدى ذلك إلى شهادة الزور .


روي أنه لما جازت عائشة ماء الحوأب ونبحتها كلابها تذكرت تحذير رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ونهيه إياها أن تكون هي صاحبة الجمل ، فبكت وقالت : " ردوني ، ردوني " ، فجاءها طلحة والزبير بخمسين رجلا لهم جعلا ، فأقسموا بالله إن هذا ليس بماء الحوأب . فواصلت مسيرها حتى البصرة . ثم ذكر أنها أول شهادة زور أقيمت في
 

 

* هامش *

 
 

( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 : 74 - فصل في ذكر المنحرفين عن علي ، أنظر مسند أحمد 1 : 194 . ( * )

 

 

- ص 45 -

الإسلام ( 1 ) .

وروي أن أول شهود شهدوا في الإسلام ، وأخذوا عليها الرشا : الشهود الذين شهدوا عند عائشة حين مرت بماء الحوأب . . . أنه ليس ماء الحوأب ( 2 ) .

فأي عدالة تبقى بعد شهادة الزور والقسم بالله كذبا ؟ !


وقد قالوا إن الله نفى عنهم الكذب وسماهم عدول الأمة ، إنه بهتان عظيم ، فليس الصحابة كلهم عدولا ، وإنما العدول منهم قلة كما أن أهل الحق قلة .



سب الإمام علي ( عليه السلام )

إن مسألة سب الإمام علي ( عليه السلام ) على المنابر من أشهر المسائل التي شهدها القاصي والداني ، وطرقت أسماع الأصم . ورائد هذا السباب واللعن هو الصحابي المشهور معاوية بن أبي سفيان ، إذ أصدر أمره بذلك لعماله ، وعاقب من

الناس من لم يقدم على سباب الإمام علي ( عليه السلام ) لقد أمر معاوية عماله في الأمصار باتخاذ لعن الإمام علي سنة يسمعونها الناس من على المنابر ، ولما استاء بعض الصحابة من هذه السنة أمر معاوية بقتلهم ( 3 ) .


كتب زياد بن أبيه والي معاوية على الكوفة كتابا إلى معاوية يخبره أن حجرا وأصحابه قد خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب وخرجوا عن الطاعة ، فأمر معاوية بقتلهم ، فقتلوهم بمكان يعرف ب‍ ( مرج عذراء ) ، وقد قالت عائشة لمعاوية : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : " سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء " ( 4 ) .


فمن هو أبو تراب الذي سن معاوية لعنه على منابر المسلمين ، وقتل حجر بن عدي لامتناعه عن سب أبي تراب ؟ إن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) هو الذي يقول لنا بنفسه من هو أبو تراب هذا ، يقول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " علي حبه إيمان وبغضه نفاق " .


ويقول ( صلى الله عليه وآله ) له أيضا : " لا يحبك إلا

 

* هامش *

 
 

( 1 ) مروج الذهب 2 : 366 ، معجم البلدان 2 : 314 ، أنساب الأشراف 2 : 224 .
( 2 ) المناقب ص 114 .
( 3 ) صحيح مسلم : باب فضائل علي بن أبي طالب .
( 4 ) دلائل النبوة للبيهقي 6 : 457 ، الإصابة لابن حجر 2 : 329 . ( * )

 

 

- ص 46 -

مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق " ( 1 ) .


ثم من هو معاوية ؟ ! أرسل إليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليأتي ، فقالوا : إنه يأكل ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " لا أشبع الله بطنه " ، وقد قال ابن عباس : " فما شبع بطنه أبدا " ( 2 ) ،

وقال الذهبي : " قد كان معاوية معدودا في الأكلة " ( 3 ) .

فما ترون في أن يأكل الإنسان ولا يشبع ، ويعد لكثرة أكله من الأكلة ، فهل في ذلك فضيلة يا أولي الألباب ؟ ! فهذا هو معاوية ، وهذا هو رأي النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيه ، وذاك كان عليا ، وذاك قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيه .


وأما طلحة والزبير . . فبعد أن تمت بيعتهما للإمام علي ( عليه السلام ) ، خالفاه ونقضا بيعتهما له وحارباه إلى جنب معاوية هذا . وكان طلحة قد ألب الناس على عثمان وكتب إلى أهل البصرة يحرضهم عليه ، وفي وقعة الجمل أخرج له البصريون

ما كتب لهم من رسائل وسألوه : " أتعرف هذه الكتب ؟ قال : نعم . قالوا : فما ردك على ما كنت عليه ، وكنت بالأمس تكتب إلينا تؤلبنا على قتل عثمان وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه ؟ ! " ( 4 ) .


ولهذا دعا عثمان - وهو محصور - على طلحة ، فقال : " هذا ما أمر به طلحة ، اللهم اكفني طلحة ، فإنه حمل علي هؤلاء وألبهم علي . والله إني لأرجو أن يكون منها صفرا ، وأن يسفك دمه " ( 5 ) .


وبعد هذا كله اجتمع طلحة هذا والزبير مع معاوية لحرب الإمام علي بعد أن وجبت بيعتهما له في عنقيهما ، وأول من بايعه من الناس طلحة والزبير ، ثم اتهموا الإمام بعد ذلك بقتل عثمان .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح مسلم 1 : 86 و 131 - كتاب الإيمان .
( 2 ) دلائل النبوة 6 : 243 .
( 3 ) سير أعلام النبلاء 3 : 124 .
( 4 ) تاريخ الطبري 5 : 179 ، تاريخ ابن الأثير 3 : 216 ، الإمامة والسياسة 1 : 52 .
( 5 ) الكامل لابن الأثير 3 : 174 . ( * )

 

 

- ص 47 -

فهؤلاء الثلاثة من الصحابة البارزين ، قسموا لنا بينهم العدالة ، حتى نتبعهم ونقتدي بهم ، لكي نهتدي إلى سواء السبيل لو كان لهذا من سبيل بعد قوله ( صلى الله عليه وآله ) : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " ( 1 ) .


ونحن نسأل : ماذا بقي بعد السباب واللعن في قلب معاوية تجاه الإمام علي ( عليه السلام ) ؟
وماذا يفضل في نفسه نحوه بعد إعلان القتال والحرب عليه ؟
فهل بعد هذا كله نستطيع أن نرى حبا لعلي ( عليه السلام ) في قلب ابن أبي سفيان ؟


اللهم إلا أن تنعكس نواميس الدين والعقل فيكون جائزا أن يلعن الإنسان من يحبه ويحاربه بلا هوادة ويقتله ! يقول الحسن البصري : " أربع خصال كن في معاوية ، لو لم يكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة :

الأولى : انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف ، حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة ذوو الفضل .

الثانية : استخدامه بعده ابنه سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير .

الثالثة : ادعاؤه زيادا ، وقد قال رسول الله ( ص ) : الولد للفراش ، وللعاهر الحجر .

الرابعة : قتله حجرا وأصحاب حجر ، فيا ويلا له من حجر ، ويا ويلا له من حجر " ( 2 ) .


ولقد علمت لماذا قتل معاوية حجرا وأصحاب حجر ، إذا نحن نزيدك الخامسة : بغضه علي بن أبي طالب ، وقد قال فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " ( 3 ) .


ثم إن الذين كانوا في صف معاوية يوم قتل عمار بن ياسر ، ما هو السبيل إلى عدالتهم وقد قطع الرسول منذ أمد بعيد ببغيهم وانحرافهم عن الحق ، إذ قال ( صلى الله عليه وآله ) : " ويح عمار ، تقتله
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح البخاري : كتاب الفتن - باب قول النبي : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ،
صحيح مسلم
1 : 44 - كتاب الإيمان .
( 2 ) الكامل لابن الأثير 3 : 487 ، شرح النهج لابن أبي الحديد 2 : 262 و 16 : 193 .
( 3 ) صحيح مسلم 1 : 61 - كتاب الإيمان . ( * )

 

 

- ص 48 -

الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار " ( 1 ) كيف هذا ؟ وهل مع النار عدالة ؟


اللهم إلا أن يكون قاتل عمار هو الذي جاء به إلى الحرب ، فيكون إذا هو الإمام علي ( عليه السلام ) ، وبالتالي يكون قاتل سيد الشهداء حمزة هو النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لأنه هو الذي جاء به لقتال المشركين ! نعوذ بالله من عمى البصائر وخبل العقول .


واستمر لعن معاوية لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في خطب الجمع والأعياد وعلى مسمع من الناس في أرجاء البلاد ، وظل ذلك حتى عام 99 ه‍ ( 2 ) . 
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح البخاري 5 : 52 - كتاب الجهاد والسير - باب مسح الغبار عن الناس .
( 2 ) راجع كتب السير والأخبار والتاريخ . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب