|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 48 :
|
اختفاء المنافقين بين
الصحابة
إن المنافقين ينقسمون إلى قسمين ، قسم كان معروفا بالنفاق ،
وقد تحددت شخصياتهم بالذات ، وهؤلاء يسهل اتقاء شرهم وخطرهم . وقسم لم يكن
معروفا ، ولم يكن أحد يعلم عنهم شيئا ، إذ لا يختلفون عن الصحابة العدول
والمخلصين من حيث
المظهر وإظهار الإيمان ، ولهذا كانوا يحسبون من خيرة
الصحابة بلا ريب ، ولم يكن يعلمهم إلا الله تعالى : يقول عز وجل :
( ومن أهل المدينة مردوا إلى النفاق لا تعلمهم نحن
نعلمهم ) ( 3 ) ، فهؤلاء لشدة تمرسهم وقدرتهم على النفاق اختفى أمرهم
عن الناس . فلو منح الصحابة كافتهم العدالة والوثاقة
بقضهم وقضيضهم فإنها ستشمل هؤلاء المنافقين المستورين بلا ريب ، وبالتالي ينطبق
عليهم حديث الاقتداء ، فيجوز الاقتداء بهم ، فهل تتحقق بهم عندئذ الهداية ؟ ! !
ثم إن البخاري يروي بالإسناد
إلى أبي هريرة ، عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال :
" بينا أنا قائم ، فإذا زمرة حتى عرفتهم ، خرج رجل من بيني وبينهم ، قال : هلم
. قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله . قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا
بعدك على أدبارهم القهقرى ، ثم
إذا زمرة حتى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني وبينهم ، قال : هلم . قلت : أين ؟
قال : إلى النار والله .
| |
* هامش * |
|
| |
( 3 ) التوبة : 101 .
( * )
|
|
|
قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم
ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم "
( 1 ) .
إن المتدبر في هذا الحديث
يستيقن أن كثيرا من الذين وصفوا بالصحابة ومنحوا هذه العدالة ارتدوا بعد النبي
( صلى الله عليه وآله ) القهقرى . وبالتأكيد لم يكن هؤلاء منافقين ، لأن
الارتداد يكون بعد إيمان ، والمنافقون لم يكن لهم إيمان حتى يرتدوا بعد النبي (
صلى الله عليه وآله ) إذ أنهم لم يؤمنوا حتى في زمان النبي ( صلى الله عليه
وآله ) .
ثم إنهم لا يجب أن يقال هم الذين ارتدوا في أواخر حياة
النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ذلك لأن المرتدين في زمانه لم يكن النبي ( صلى
الله عليه وآله ) يجهل ردتهم حتى يأتي ويقول عندما يراهم قد حيل بينهم وبينه
وأخذوا إلى النار : أين ؟ فيقال
له : إلى النار والله ، فيقول النبي ( صلى الله عليه
وآله ) : ما شأنهم ؟ . . فهو لم يعلم ماذا فعلوا
في حين أنه كان يعلم بالمرتدين في حياته . ثم إن النبي ( صلى الله عليه وآله )
قال : " فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم " ،
وهذه إشارة
إلى كثرتهم وقلة الناجين منهم حتى وصفهم بهمل النعم ، أي
الإبل القليلة التي تنفصل عن القطيع ، في حين أن المرتدين في زمانه لا يزيدون
على عدد الأصابع . نخلص من هذا إلى أن من بين الصحابة - وكثير ما هم - قد
ارتدوا بعد النبي ( صلى
الله عليه وآله ) . ولا أحد يعلم من هم ، وبالتالي لا
يستطيع أن يصرف عنهم العدالة لثبوت الصحبة لهم . فهذه معضلة بلا شك يبطل على
إثرها حديث " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " .
وفي رواية : يقول النبي ( صلى
الله عليه وآله ) : " ليردن علي أناس من أصحابي الحوض ،
حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول : أصحابي ! فيقول : لا تدري ما أحدثوا
بعدك " ( 2 ) .
إذا فلا بد أن نصرف النظر عن
اعتبار الصحبة معيارا للعدالة وسببا للاقتداء والهداية ، وإلا فسنقع في شراك
أولئك المرتدين الذين منعوا ورود الحوض وأخذوا إلى النار ، مع العلم أنهم ليسوا
معروفين وقد شملتهم الصحبة التي فرض أنها موجبة
للعدالة . فالإنسان طالما هو المسؤول وحده عن أعماله
وأفعاله ، وهو الذي يواجه بنفسه مصيره في اليوم الآخر ، فلا بد أن يحرص على أن
يأخذ أمور دينه ممن عرفت عدالته بالدليل
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري
7 : 208 - كتاب الرقاق ، باب الحوض .
|
( 2 ) نفس المصدر السابق . ( * )
|
|
|
القاطع ، واستحق بذلك مقام الأسوة ، فلا بد من معيار
لمعرفة الصحابة غير معيار الصحبة ، حتى تميز الحق عن الباطل والصالح عن الطالح
.
إن الصحبة والمشاهدة لا تعطيان أحدا مزية لأحد ولا تمنحانه
عصمة ، وهذا هو النبي ( صلى الله عليه وآله ) يؤكد ذلك بقوله :
" وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم إلى ذات الشمال ، فأقول
: أصحابي أصحابي . فيقال : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم "
( 1 ) .
ونحن نعلم بعد أن الفتن والاختلافات قد عصفت بالحصابة قبيل
وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، واستمرت بعده .
كما نعلم أيضا أن الحق لا يمكن أن يكون عند كل الأطراف
المتناحرة والمتخالفة ، والصحبة قد وصف بها الجميع ، فهم مشتركون في الصحبة
مختلفون في الحق ، فهل سنهتدي بهذه الصحبة إلى الحق والصواب في خضم الفتن
والاختلافات ؟
أعد البصر إلى الحديث المذكور كرتين ترى أن الذين أخذوا
إلى ذات الشمال صحابة ، فهل لهم من العدالة شئ ؟
إذا فمن هم هؤلاء ؟ !
لا يستطيع أحد أن يحددهم ، ولهذا لا يمكن أن يأمرنا نبي
الإسلام والهدى أن نقتدي بأي كان من الصحابة ، ولا يمكن أن يجعلنا نلتمس سبيل
الهداية بين صحابة ضموا في أوساطهم منافقين مخفيين ، وصحابة مرتدين ، وآخرين
محدثين في الدين .
أخرج البخاري عن العلاء بن
المسيب ، قال : " لقيت البراء بن عازب ، فقلت له : طوبى
لك ، صحبت النبي ( ص ) وبايعته تحت الشجرة ، فقال : يا ابن أخي إنك لا تدري ما
أحدثنا بعده " ! ( 2 ) .
إذا فالصحبة والبيعة لا تحول بين الإنسان والإحداث
والابتداع ، ولا تعصمه من الأخطاء ، لأنه من الممكن أن يكون المبايع للنبي (
صلى الله عليه وآله ) في لحظة البيعة مؤمنا صادقا ، ولكن ليس هناك مانع من
انتفاء هذه الحال عنه في أي وقت
آخر ، فيذنب ويرتد ويحدث في أمر الدين ، والإيمان يزيد
وينقص وينعدم كما هو معروف . إن الاتباع الحقيقي والطاعة الخالية من التردد
والمسألة ، والملازمة اللصيقة
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري
4 : 110 - كتاب بدء الخلق ، باب قول الله تعالى
( واتخذ الله إبراهيم خليلا . . . ) .
( 2 ) صحيح البخاري 5 : 125 - باب غزوة
الحديبية - طبعة مصر على النسخة الأميرية 1314 . ( * )
|
|
|
والمراقبة الدائمة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ،
والعلم التام بالشرع المأخوذ عن صاحب الرسالة . . كل ذلك هو الموجب للعدالة
التي بها يتهيأ لنا سبيل الاقتداء المؤدي إلى الهداية الحقة .
لقد حذر النبي ( صلى الله
عليه وآله ) من الفتن والاختلافات ، وبحكم حرص النبي ( صلى الله عليه وآله )
على المؤمنين ورحمته بهم وإرادة النجاة والسلامة لهم . . لا بد أن يكون قد بين
لهم طريق النجاة من تلك الفتن والاختلافات ، وأوضح لهم سبيل المؤمنين ، فكيف
بين النبي ( صلى الله عليه وآله ) ذلك للمؤمنين ؟ . . . علينا أن نبين ذلك
عاجلا إن شاء الله .
غير أن حديث الاقتداء بكافة الصحابة - بعد ظهور بطلانه من
خلال بحث مطابقة الحديث لواقع الصحابة - حديث باطل عند كثير من علماء المسلمين
.
والألباني قد أورد في كتابه (
سلسلة الأحاديث الضعيفة ) كل روايات هذا الحديث ، وأثبت بطلانها . أما الإمام
الغزالي ، فيقول : " فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة
في قوله ، فكيف يحتج بقولهم عم جواز الخطأ ،
وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة ؟ وكيف تتصور عصمة
قوم يجوز عليهم الاختلاف ؟ وكيف يختلف المعصومان ؟ وكيف وقد اتفقت الصحابة على
جواز مخالفة الصحابي ؟ . . . " إلى قوله : " فانتفاء الدليل على العصمة ، ووقوع
الاختلاف بينهم ، وتصريحهم بجواز مخالفتهم ، فيه ثلاثة أدلة قاطعة " ( 1 ) .
وعليه فحديث " أصحابي كالنجوم
بأيهم اقتديتم اهتديتم " ، وأي حديث آخر يأمر باتباع كافة الصحابة دون شرط ،
فهو حديث لا يستقيم ولا يصح ، لمخالفته واقع الصحابة، إذ لا يتسق وتلك الأخطاء
والاختلافات الني وقعت بينهم ، لأن متابعة المختلفين
في المسألة المختلف فيها متابعة على السواء محال ،
واتباع أحدهما هو مخالفة للآخر ولازم ذلك اعتبار خطأه ومتابعة البعض الآخر ،
لاعتقادهم بوقوفه على الحق ، يستوجب الدليل على ذلك ، وتكون هذه متابعة للدليل
لا للشخص ذاته .
يقول الألباني : " قال ابن
حزم : . . . إن هذه الرواية لا تثبت أصلا ، بل لا شك أنها مكذوبة ، لأن الله
تعالى يقول في صفة نبيه ( ص ) : ( وما ينطق عن الهوى
* إن هو إلا وحي
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) المستصفى من علم
الأصول للغزالي 1 : 261 - طبعة بغداد . ( * )
|
|
|
يوحى ) ( 1 ) .
فإذا كان كلامه عليه [ وآله ] الصلاة والسلام في الشريعة
حقا كله وواجبا ، فهو من الله تعالى بلا شك .
وما كان من الله تعالى فلا يختلف فيه لقوله تعالى :
( لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )
( 2 ) ، وقد نهى تعالى عن التفرقة والاختلاف بقوله : (
ولا تنازعوا ) ( 3 ) . . فمن المحال أن يأمر رسول الله صلى الله عليه [
وآله ] وسلم باتباع كل قائل من الصحابة رضي الله عنهم ، وفيهم من يحلل الشئ
وغيره يحرمه .
ولو كان ذلك لكان بيع الخمر
حلالا ، اقتداء بسمرة بن جندب ، ولو كان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي
طلحة ، وحراما اقتداء بغيره منهم . . . " ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت
من الصحابة وأخطأوا فيها السنة ، ذلك في حياته صلى الله عليه [ وآله ] وسلم
وبعد مماته . وقال ( 86 ) : " فكيف يجوز تقليد قوم يخطأون ويصيبون ؟ ! " .
وقال قبل ذلك ( 5 / 64 ) تحت ذم الاختلاف :" إنما الفرض
علينا ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام ، وما صح عن
رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الذي أمره الله تعالى ببيان الدين . . .
فصح أن الاختلاف لا يجب أن
يراعى أصلا ، وقد غلط قوم فقالوا : الاختلاف رحمة ،
واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : أصحابي كالنجوم بأيهم
اقتديتم اهتديتم . قال : هذا حديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق ، لوجوه
ضرورية :
أحدها : أنه لم يصح عن
طريق النقل .
الثاني : أنه صلى الله
عليه [ وآله ] وسلم لم يجز أن يأمر بما نهى عنه ، وهو عليه السلام قد أخبر أن
أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسره ، وكذب عمر في تأويل تأوله في الهجرة ، وخطأ أبا
السنابل في فتيا أفتى بها في العدة .
فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون عليه
السلام يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ ، تعالى الله عن ذلك .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) النجم :
3 و 4 . ( 2 ) النساء : 82 . ( 3 )
الأنفال : 46 . ( * )
|
|
|
الثالث : أن النبي صلى
الله عليه [ وآله ] وسلم لا يقول الباطل بل قوله الحق ، وتشبيهه المشبه
للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد وكذب ظاهر ، لأنه من أراد جهة مطلع الجدي ، فأم
جهة مطلع السرطان لم يهتد ، بل قد ضل ضلالا بعيدا وأخطأ خطأ
فاحشا ، وليس كل النجوم يهتدى بها في كل طريق ، فبطل
التشبيه المذكور ووضح كذب ذلك الحديث وسقوطه وضوحا ضروريا " ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سلسلة الأحاديث
الضعيفة وأثرها السئ في الأمة لمحمد ناصر الألباني ص 78 - 84 .
( * )
|
|
|
|