- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 54 :

الباب الثاني حديث
" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء . . . "


لقد ورد هذا الحديث في كل من صحيح الترمذي ، وأبي داود ، وابن ماجة ، ومسند أحمد ، ومستدرك الحاكم . وهو من أخبار الآحاد ، إذ أن العرباض بن سارية هو الصحابي الوحيد الذي روى هذا الحديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، إن صح ذلك .

على أنه لم يكلف البخاري ولا مسلم نفسيهما تعب تخريج هذا الحديث في صحيحيهما ، رغم الأهمية التي حصل عليها الحديث بين أتباع الخلفاء الأربعة .

روى الترمذي : " حدثنا علي بن حجر ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن بحير بن سعيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، عن العرباض بن سارية ، قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يوما بعد صلاة الغداة

موعظة بليغة ، ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال رجل : إن هذه موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله ؟ قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة ، وإن عبد حبشي ، فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا ، وإياكم ومحدثات

الأمور فإنها ضلالة ، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ  " ( 1 ) . هذا حديث آخر من الأحاديث التي اعتمد عليها أتباع الخلفاء الأربعة في إثبات
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح الترمذي 5 : 44 - 45 باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع . ( * )

 

 

- ص 55 -

اتباعهم والعمل بسنتهم ، ولهذا اعتبروا الحديث إشارة ودليلا على الفرقة الناجية من الفرق المتخالفة ، واعتبروه السبيل التي تؤدي إلى نجاة سالكها من الوقوع في الفتن والاختلاف ومحدثات الأمور التي لا تؤدي إلا إلى الضلال ، وأن كل من خالف

هذه السنة - أي سنة الخلفاء - أو ردها فهو منحرف عن الجادة عندهم . وسنبين إن شاء الله إشكالات الحديث ومطابقته بواقع الخلفاء الأربعة من حيث إنه سبيل للنجاة من الاختلاف ومحدثات الأمور . على أن هذا يغنينا عن نقل ما ذكر في بطلان سنده.


إشكالات على الحديث إن في الحديث أمرا باتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنة الخلفاء . ونحن نوضح هذا الأمر في نقطتين :

الأولى : أن يكون اتباع سنتهم منفصلا ومغايرا لاتباع سنة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) كما هو ظاهر من الحديث ، إذ أن العطف يفيد التغاير والاختلاف بلا شك ، ففي هذه الحال إما أن تنسب إليهم العصمة ، لأن من تساوى أمر اتباعه بأمر

اتباع النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع اختلاف سنتهما ، يجب أن يكون كالنبي ( صلى الله عليه وآله ) معصوما ، فالسنة وحي بلا ريب والوحي معصوم ، والأمر باتباع سنة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هو نفس الأمر باتباع سنة الخلفاء ، إذا

تجب عصمتهم . وعند عدمها يكون الأمر باتباع سنتهم التي يمكن أن يعتريها الخطأ أمرا باتباع الخطأ ، وهذا لا يصح . ولكن لا تثبت عصمتهم ولا يؤيدها الحال . إذا سيبطل القول المفروض بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أمر باتباعهم مع مغايرة

سنتهم لسنته ، وذلك لعدم عصمتهم . وإما أن لا تنسب إليهم العصمة ، فيكون النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أمر باتباعهم في سنتهم المغايرة لسنته ( صلى الله عليه وآله ) ، رغم عدم عصمتهم ورغم حتمية وقوعهم في الخطأ والشك والريب . ولكن

لا يجوز صدور أمر من النبي ( صلى الله عليه وآله ) باتباعهم على النحو الذي جاء في الحديث على سبيل الجزم والقطع ، وهم على هذا الحال من انتفاء العصمة ، لأنه أمر بوجوب اتباع غير المعصوم .


إذاً يبطل القول المفروض بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أمر باتباعهم في سنتهم المخالفة لسنته ،

- ص 56 -

رغم عدم عصمتهم ورغم حتمية وقوعهم في الخطأ والاختلاف .

الثانية : أن يكون اتباع سنتهم هو اتباع لسنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، بل دون أن تكون لهم سنة غير سنته ( صلى الله عليه وآله ) ، بل هم تابعون له . وفي هذا الحال تكون عبارة " وسنة الخلفاء " زائدة لا معنى لها ، ويكون بالتالي قد أمر

الرسول ( صلى الله عليه وآله ) باتباع سنته وحدها ، دون ذكر اتباع القرآن . وليس هذا معهودا من النبي ( صلى الله عليه وآله ) إذ أنه كان دائما يقدم القرآن سواء على السنة أو العترة ، فضلا عن خلو الحديث من الإشارة إليه خلوا تاما . ثم إنه

لو قيل إن ذكر اتباع الخلفاء لحرصهم على اتباع سنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لا لأنهم ينفردون بسنة خاصة . قلنا : فما هو السبب في تخصيص الاتباع بهم ؟ هل كان سائر الصحابة مخالفين للنبي ( صلى الله عليه وآله ) في سنته أو بعضها ؟

وأين حديث : " أصحابي كالنجوم . . . " ؟ أليس هذا وحده كافيا لإبطال حديث الخلفاء ؟ وفي الحقيقة أن هذا الحديث بهذه الدلالة التي فهمها منه أتباع الخلفاء الأربعة - باعتباره دليلا على اتباع سنتهم وحجية أقوالهم - لا يمكن أن يكون وسيلة للنجاة من الاختلاف كما أريد له ، أو وسيلة لمعرفة الفرقة الناجية ، وسلامة عند ظهور البدع والمحدثات .


والباحث عن الفرقة الناجية في دلالة ومعاني هذا الحديث - طبقا لهذا التفسير - لا ينتهي ببحثه إلا إلى مفترق الطرق ، ولا يزداد به إلا حيرة في الوصول إلى الفرقة الناجية هذه ، وذلك للتناقض بين ما يفيده مفهوم الحديث كدليل يفهم منه الأمر

باتباع الخلفاء الأربعة وبين المدلول عليه ، وهو واقع حال الخلفاء الأربعة فيما بينهم . فالحديث كان وعظا وعهدا ووصية من النبي ( صلى الله عليه وآله ) في آخر أيامه إلى أصحابه ، حذرهم فيه مغبة الاختلاف ومحدثات الأمور ، غير أننا سنرى أن

الخلفاء أنفسهم لم ينجوا من هذا الاختلاف والوقوع في المحدثات ، فخالف بعضهم بعضا ، وكاد بعضهم أن يقتل بعضا . لقد اختلف الإمام علي مع أبي بكر وعمر في مسألة الخلافة ، فادعى الإمام علي أن الخلافة حق له ، وأن أبا بكر يعلم ذلك وأنه أخذ حقا ليس له ، يقول الإمام علي :
 

- ص 47 -

" ولقد تقمصها ابن أبي قحافة، وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ". ثم عمدا إلى أخذ البيعة منه بالقوة والتهديد بالقتل ! فقد قال الإمام ( عليه السلام ) لأبي بكر وقومه : " إن لم أبايع فم ؟ فقالوا له : والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك

" . فنشب الاختلاف بينهم في مسألة من أهم مسائل الدين ، وهي الخلافة من بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) . فإن كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أوصى لأحد ، فلا ينبغي الاختلاف بينهم في الأمر ، بيد أن الاختلاف بينهم قد وقع . وإن لم

يكن قد أوصى لأحد ، فلا يجوز بينهم الاختلاف أيضا ، وهم الذين بهم سلامة الأمة من الفتن والاختلاف . ولهذا فالحديث لا يصح . وهذه الحادثة لو لم تكن إلا هي فهي كافية في بيان بطلان هذا الحديث بهذا المعنى . فعندما علم بنو هاشم بما حدث

في السقيفة من أمر البيعة لأبي بكر اعتصموا ، مع جمع من الأنصار والمهاجرين ، في بيت علي ( عليه السلام ) ، احتجاجا ورفضا لما حدث ، فقال لهم عمر : " والذي نفسي بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها . فقيل له : إن فيها فاطمة !

فقال : وإن ". وجاء رسول أبي بكر إلى علي ، فقال : يدعوك خليفة رسول الله. فقال علي ( عليه السلام ) : لسريع ما كذبتم على رسول الله . فرجع إلى أبي بكر فأبلغه ، فبكى أبو بكر طويلا ، فقال عمر : لا تمهل هذا المتخلف عنك في البيعة !

فبعث رسوله إليه ثانية ، فقال : خليفة رسول الله يدعوك لتبايع . فقال علي ( عليه السلام ) : سبحان الله ! لقد ادعى ما ليس له فرجع الرسول وأبلغ الخليفة ، فبكى أبو بكر طويلا ، فقام عمر ومشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة ( عليها السلام ) ،

فدقوا الباب ، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة !

- ص 58 -

فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع وأكبادهم تنفطر ، وبقي عمر فبقي معه قوم ، فأخرجوا عليا ومضوا به إلى أبي بكر ، فقال له بايع . فقال ( عليه السلام ) : أنا أحق بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة

لي . فقيل له : لست متروكا حتى تبايع . فقال : إن لم أفعل فم ؟ قالوا : إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ! فقال ( عليه السلام ) : إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله ! فقال عمر : أما عبد الله فنعم ، وأما أخا رسول الله فلا ! وأبو بكر

ساكت . فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟ ! فقال أبو بكر : لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه . فلحق علي بقبر رسول الله يصيح وينادي : ابن أم ، إن القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلون " ( 1 ) . 

 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 : 12 - 13 ، الفتوح لابن أعثم 1 : 13 ،
أعلام النساء
4 : 114 - 115 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 56 و 6 : 11 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب