الباب الثاني حديث
" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء . . . "
لقد ورد هذا الحديث في كل من صحيح الترمذي ، وأبي داود ،
وابن ماجة ، ومسند أحمد ، ومستدرك الحاكم . وهو من أخبار الآحاد ، إذ أن
العرباض بن سارية هو الصحابي الوحيد الذي روى هذا الحديث عن النبي ( صلى الله
عليه وآله ) ، إن صح ذلك .
على أنه لم يكلف البخاري ولا مسلم نفسيهما تعب تخريج هذا
الحديث في صحيحيهما ، رغم الأهمية التي حصل عليها الحديث بين أتباع الخلفاء
الأربعة .
روى الترمذي : " حدثنا علي بن
حجر ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن بحير بن سعيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد
الرحمن بن عمرو السلمي ، عن العرباض بن سارية ، قال : وعظنا رسول الله صلى الله
عليه [ وآله ] وسلم يوما بعد صلاة الغداة
موعظة بليغة ، ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال
رجل : إن هذه موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله ؟ قال : أوصيكم بتقوى
الله ، والسمع والطاعة ، وإن عبد حبشي ، فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا ،
وإياكم ومحدثات
الأمور فإنها ضلالة ، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة
الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ " ( 1 ) . هذا
حديث آخر من الأحاديث التي اعتمد عليها أتباع الخلفاء الأربعة في إثبات
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح الترمذي 5 : 44 -
45 باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع . ( * )
|
|
|
اتباعهم والعمل بسنتهم ، ولهذا اعتبروا الحديث إشارة
ودليلا على الفرقة الناجية من الفرق المتخالفة ، واعتبروه السبيل التي تؤدي إلى
نجاة سالكها من الوقوع في الفتن والاختلاف ومحدثات الأمور التي لا تؤدي إلا إلى
الضلال ، وأن كل من خالف
هذه السنة - أي سنة الخلفاء - أو ردها فهو منحرف عن
الجادة عندهم . وسنبين إن شاء الله إشكالات الحديث ومطابقته بواقع الخلفاء
الأربعة من حيث إنه سبيل للنجاة من الاختلاف ومحدثات الأمور . على أن هذا
يغنينا عن نقل ما ذكر في بطلان سنده.
إشكالات على الحديث إن في
الحديث أمرا باتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنة الخلفاء . ونحن
نوضح هذا الأمر في نقطتين :
الأولى : أن يكون اتباع
سنتهم منفصلا ومغايرا لاتباع سنة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) كما هو
ظاهر من الحديث ، إذ أن العطف يفيد التغاير والاختلاف بلا شك ، ففي هذه الحال
إما أن تنسب إليهم العصمة ، لأن من تساوى أمر اتباعه بأمر
اتباع النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع اختلاف سنتهما ،
يجب أن يكون كالنبي ( صلى الله عليه وآله ) معصوما ، فالسنة وحي بلا ريب والوحي
معصوم ، والأمر باتباع سنة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هو نفس الأمر باتباع
سنة الخلفاء ، إذا
تجب عصمتهم . وعند عدمها يكون الأمر باتباع سنتهم التي
يمكن أن يعتريها الخطأ أمرا باتباع الخطأ ، وهذا لا يصح . ولكن لا تثبت عصمتهم
ولا يؤيدها الحال . إذا سيبطل القول المفروض بأن النبي ( صلى الله عليه وآله )
قد أمر باتباعهم مع مغايرة
سنتهم لسنته ، وذلك لعدم عصمتهم . وإما أن لا تنسب إليهم
العصمة ، فيكون النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أمر باتباعهم في سنتهم
المغايرة لسنته ( صلى الله عليه وآله ) ، رغم عدم عصمتهم ورغم حتمية وقوعهم في
الخطأ والشك والريب . ولكن
لا يجوز صدور أمر من النبي ( صلى الله عليه وآله )
باتباعهم على النحو الذي جاء في الحديث على سبيل الجزم والقطع ، وهم على هذا
الحال من انتفاء العصمة ، لأنه أمر بوجوب اتباع غير المعصوم .
إذاً يبطل القول المفروض بأن النبي ( صلى الله عليه وآله )
قد أمر باتباعهم في سنتهم المخالفة لسنته ،
رغم عدم عصمتهم ورغم حتمية وقوعهم في الخطأ والاختلاف .
الثانية : أن يكون اتباع
سنتهم هو اتباع لسنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، بل دون أن تكون لهم سنة
غير سنته ( صلى الله عليه وآله ) ، بل هم تابعون له . وفي هذا الحال تكون عبارة
" وسنة الخلفاء " زائدة لا معنى لها ، ويكون بالتالي قد أمر
الرسول ( صلى الله عليه وآله ) باتباع سنته وحدها ، دون
ذكر اتباع القرآن . وليس هذا معهودا من النبي ( صلى الله عليه وآله ) إذ أنه
كان دائما يقدم القرآن سواء على السنة أو العترة ، فضلا عن خلو الحديث من
الإشارة إليه خلوا تاما . ثم إنه
لو قيل إن ذكر اتباع الخلفاء لحرصهم على اتباع سنة النبي
( صلى الله عليه وآله ) ، لا لأنهم ينفردون بسنة خاصة . قلنا : فما هو السبب في
تخصيص الاتباع بهم ؟ هل كان سائر الصحابة مخالفين للنبي ( صلى الله عليه وآله )
في سنته أو بعضها ؟
وأين حديث : " أصحابي كالنجوم . . . " ؟ أليس هذا وحده
كافيا لإبطال حديث الخلفاء ؟ وفي الحقيقة أن هذا الحديث بهذه الدلالة التي
فهمها منه أتباع الخلفاء الأربعة - باعتباره دليلا على اتباع سنتهم وحجية
أقوالهم - لا يمكن أن يكون وسيلة للنجاة من الاختلاف كما أريد له ، أو وسيلة
لمعرفة الفرقة الناجية ، وسلامة عند ظهور البدع والمحدثات .
والباحث عن الفرقة الناجية في
دلالة ومعاني هذا الحديث - طبقا لهذا التفسير - لا ينتهي ببحثه إلا إلى مفترق
الطرق ، ولا يزداد به إلا حيرة في الوصول إلى الفرقة الناجية هذه ، وذلك
للتناقض بين ما يفيده مفهوم الحديث كدليل يفهم منه الأمر
باتباع الخلفاء الأربعة وبين المدلول عليه ، وهو واقع
حال الخلفاء الأربعة فيما بينهم . فالحديث كان وعظا وعهدا ووصية من النبي ( صلى
الله عليه وآله ) في آخر أيامه إلى أصحابه ، حذرهم فيه مغبة الاختلاف ومحدثات
الأمور ، غير أننا سنرى أن
الخلفاء أنفسهم لم ينجوا من هذا الاختلاف والوقوع في
المحدثات ، فخالف بعضهم بعضا ، وكاد بعضهم أن يقتل بعضا . لقد اختلف الإمام علي
مع أبي بكر وعمر في مسألة الخلافة ، فادعى الإمام علي أن الخلافة حق له ، وأن
أبا بكر يعلم ذلك وأنه أخذ حقا ليس له ، يقول الإمام علي :
" ولقد تقمصها ابن أبي قحافة، وهو
يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ". ثم عمدا إلى أخذ البيعة منه
بالقوة والتهديد بالقتل ! فقد قال الإمام ( عليه السلام ) لأبي بكر وقومه : "
إن لم أبايع فم ؟ فقالوا له : والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك
" . فنشب الاختلاف بينهم في مسألة من أهم مسائل الدين ،
وهي الخلافة من بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) . فإن كان النبي ( صلى الله
عليه وآله ) قد أوصى لأحد ، فلا ينبغي الاختلاف بينهم في الأمر ، بيد أن
الاختلاف بينهم قد وقع . وإن لم
يكن قد أوصى لأحد ، فلا يجوز بينهم الاختلاف أيضا ، وهم
الذين بهم سلامة الأمة من الفتن والاختلاف . ولهذا فالحديث لا يصح . وهذه
الحادثة لو لم تكن إلا هي فهي كافية في بيان بطلان هذا الحديث بهذا المعنى .
فعندما علم بنو هاشم بما حدث
في السقيفة من أمر البيعة لأبي بكر اعتصموا ، مع جمع من
الأنصار والمهاجرين ، في بيت علي ( عليه السلام ) ، احتجاجا ورفضا لما حدث ،
فقال لهم عمر : " والذي نفسي بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها . فقيل له :
إن فيها فاطمة !
فقال : وإن ". وجاء رسول أبي بكر إلى علي ، فقال : يدعوك
خليفة رسول الله. فقال علي ( عليه السلام ) : لسريع ما كذبتم على رسول الله .
فرجع إلى أبي بكر فأبلغه ، فبكى أبو بكر طويلا ، فقال عمر : لا تمهل هذا
المتخلف عنك في البيعة !
فبعث رسوله إليه ثانية ، فقال : خليفة رسول الله يدعوك
لتبايع . فقال علي ( عليه السلام ) : سبحان الله ! لقد ادعى ما ليس له فرجع
الرسول وأبلغ الخليفة ، فبكى أبو بكر طويلا ، فقام عمر ومشى معه جماعة حتى أتوا
باب فاطمة ( عليها السلام ) ،
فدقوا الباب ، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا
أبت يا رسول الله ! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة !
فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت
قلوبهم تنصدع وأكبادهم تنفطر ، وبقي عمر فبقي معه قوم ، فأخرجوا عليا ومضوا به
إلى أبي بكر ، فقال له بايع . فقال ( عليه السلام ) : أنا أحق بهذا الأمر منكم
، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة
لي . فقيل له : لست متروكا حتى تبايع . فقال : إن لم
أفعل فم ؟ قالوا : إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ! فقال ( عليه
السلام ) : إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله ! فقال عمر : أما عبد الله فنعم
، وأما أخا رسول الله فلا ! وأبو بكر
ساكت . فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟ ! فقال أبو
بكر : لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه . فلحق علي بقبر رسول الله يصيح
وينادي : ابن أم ، إن القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلون " ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الإمامة والسياسة
لابن قتيبة 1 : 12 - 13 ، الفتوح لابن
أعثم 1 : 13 ،
أعلام النساء 4 : 114 - 115 ، شرح ابن
أبي الحديد 2 : 56 و 6 : 11 . ( * )
|
|
|