- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 58 :

اختلاف علي ( عليه السلام ) وعثمان ( رضي الله عنه )


إن ما يبين عمق الاختلاف بين الخلفاء أيضا ما وقع بين علي ( عليه السلام ) وعثمان بن عفان ، كما يروي البخاري عن مروان بن الحكم قال : شهدت عثمان وعليا رضي الله عنهما بين مكة والمدينة ، وعثمان ينهى عن المتعة [ حج التمتع ]

وأن يجمع بينهما [ أي العمرة والحج ] ، فلما رأى ذلك علي ( عليه السلام ) أهل بهما جميعا قائلا : لبيك عمرة وحج معا ، فقال عثمان : تراني أنهى الناس عن شئ وتفعله أنت ؟ ! فقال علي ( عليه السلام ) : لم أكن لأدع سنة رسول الله ( ص ) لقول أحد ( 2 ) .


فيلاحظ في هذه الواقعة أن الاختلاف قد حدث بين الخليفتين المفترض اتباعهما ،

 

* هامش *

 
 

( 2 ) صحيح البخاري 3 : 108 / 1412 - كتاب الحج ، باب التمتع والإقران . ( * )

 

 

- ص 59 -

إذ أنهما من الخلفاء الأربعة ، فقد خالف علي عثمان في ما نهى الناس عنه وهو الجمع بين العمرة والحج ، مؤكدا أن ما يفعله خلافا لعثمان هو سنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم يكن له أن يدعها لقول أو أمر أحد من الناس ، وهو بهذا يشير إلى أن عثمان قد خالف سنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .


فهذا علي ( عليه السلام ) وهذا عثمان ( رضي الله عنه ) يختلفان في السنة النبوية ، ولا يتبع أحدهما الآخر ، والناس بالطبع منقسمون طبقا لذلك الاختلاف والانقسام . ولما خالف علي عثمان لم يعد عثمان ليتبعه في قوله ، بل إن عثمان اعترض عليه قائلا : كيف تفعل شيئا تراني أنهى الناس عنه ؟ !


غير أن عليا اتهمه بترك سنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ولن يتركها علي من أجله ، إذ هو فرد كسائر الناس . وليست هذه هي الواقعة الوحيدة التي يختلف فيها علي ( عليه السلام ) مع عثمان ( رضي الله عنه ) ويظهر فيها عثمان مخالفا لسنة

النبي ( صلى الله عليه وآله ) في نظر الإمام ( عليه السلام ) ، فقد روى سفيان بن عيينة ، عن جعفر بن محمد قال : " اعتل عثمان بمنى فأتي علي ، فقيل له : صل بالناس ، فقال علي : إن شئتم ، ولكن أصلي بكم صلاة رسول الله [ ( صلى الله عليه وآله ) ] ، يعني ركعتين . فقالوا : لا ، إلا صلاة أمير المؤمنين عثمان أربعا . . فأبى علي أن يصلي بهم " ( 1 ) .


واضح من هذا أن عليا ( عليه السلام ) قد رفض أن يصلي بصلاة عثمان أربع ركعات ، وهي سنة عثمان - وعثمان من الخلفاء الأربعة - والنبي ( صلى الله عليه وآله ) قال فيهم : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء . . . "! فما بال علي يخالف عثمان لو كان الحديث قد صدر حقا عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ؟ !
 


إخبار النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأبي بكر بالإحداث

من الواضح أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لم يأمر باتباع سنة الخلفاء الأربعة ، بل أكثر من ذلك أنه كان يعتبر ما سيسنونه من سنة إنما هو إحداث في الدين ومخالفة له بعد موته، فكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يظهر التخوف من ذلك.


يروي الإمام مالك في " الموطأ " : أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال لشهداء أحد : هؤلاء أشهد عليهم .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سنن البيهقي 3 : 145 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 310 . ( * )

 

 

- ص 60 -

فقال أبو بكر الصديق : ألسنا يا رسول الله إخوانهم ، أسلمنا كما أسلموا ، وجاهدنا كما جاهدوا ؟ فقال رسول الله ( ص ) : بلى ، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي ! فبكى أبو بكر ، ثم قال : إننا لكائنون بعدك ( 1 ) .


فها هو رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يخبر أبا بكر ومن معه بإحداثهم من بعده ، وأبو بكر هذا هو الخليفة الأول من الحلفاء الأربعة ، فكيف يأمر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) الناس باتباع سنة أبي بكر ويخبره في نفس الوقت بالإحداث من بعده ؟ ! فهل يتناقض الرسول يا ترى ؟ ! أم إن قوله الحق ؟


وفي الحقيقة إن هذا الخطاب الصادر من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأبي بكر لا بد من الوقوف عنده طويلا والتمعن في معانيه ومقاصده : " لا أدري ما تحدثون بعدي " ، فيا للعجب : أليس هو التغيير والتبديل ، أم ليس هو مخالفة السنة

النبوية ؟ ! ومن هم - يا ترى - هؤلاء الذين يشملهم هذا الخطاب الجمعي الذي يحمل نبأ الإحداث ؟ ولو كان هذا الإخبار لا يشمل إلا أبا بكر وحده لكان كافيا في نقض حديث اتباع الخلفاء ، غير أن عمر وأبا بكر كانا متصافقين متوافقين في كل

خطوات حياتهما منذ أن جمعهما الإسلام ، ويكفي أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد آخى بينهما . فهل يمكن أن يكون هذا الإنباء النبوي الشامل لأبي بكر في قوله : " لا أدري ما تحدثون بعدي " لا يشمل عمر ، وهو الذي وافق أبا بكر في كل

صغيرة وكبيرة ، وهو الذي خلفه أبو بكر من بعده ؟ فعمر من محدثات أبي بكر ، كما كان أبو بكر من محدثات عمر يوم بايعه في السقيفة وشيد له أركان الخلافة بلا نص ولا حق . إذا لا نستطيع أن نصرف هذا الإخبار النبوي عن عمر بن الخطاب

ليتقلب فيه أبو بكر وحده ، على أن دائرة الإخبار النبوي تتسع لتشمل الكثير من الصحابة .


قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الموطأ 1 : 307 ، المغازي للواقدي 1 : 310 - غزوة أحد . ( * )

 

 

- ص 61 -

دخلوا حجر ضب تبعتموهم . قلنا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ ! " ( 1 ) .

وهذا إخبار صريح منه ( صلى الله عليه وآله ) بانحراف الكثير منهم .

 

 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح البخاري 4 : 187 ، صحيح مسلم 8 : 57 ، مسند أحمد بن حنبل 3 : 84 و 94 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب