|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 61 :
|
محدثات أبي حفص
إن لابن الخطاب منهجا خاصا انفرد به بين الصحابة ، وعمدة
هذا المذهب العمري عدم التردد في التصرف كما يرى مع السنة النبوية ، وإن أدى
ذلك إلى تبديلها أو إلغائها وإحلال محلها ما يراه بديلا لها ، سواء ذلك في حياة
النبي ( صلى الله عليه وآله ) أو بعد وفاته .
روى أحمد في مسنده : " أن أبا
موسى الأشعري كان يفتي بالمتعة [ حج التمتع ] ، فقال له رجل : رويدك ببعض فتياك
! إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك ، حتى لقيه أبو موسى فسأله
عن ذلك ، فقال عمر : قد علمت أن النبي
صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قد فعله هو وأصحابه ، ولكن
كرهت أن يظلوا بهن معرسين في الأراك ، ثم يروحون بالحج تقطر رؤوسهم " ( 2 ) .
فعمر يعلم أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد سن متعة الحج
، ورغم ذلك لم ير بأسا في إلغائها ، وليس ذلك إلا لأنه كره شيئا فيها . وبكل
هذه البساطة تعطل قوله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه
وما نهاكم عنه فانتهوا ) ( 3 ) ، وها هو الإحداث العمري .
يقول البيهقي : " ما أعمر
رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عائشة في زمن الحج إلا ليقطع بذلك أمر
الشرك " ( 4 ) ، ذلك لأن المشركين في الجاهلية " كانوا يرون العمرة في أشهر
الحج من أفجر الفجور في الأرض " ( 5 ) . .
فانظر إلى سبب إدخال النبي ( صلى الله عليه وآله ) العمرة
في الحج ، إذ أنها سنة نبوية تخالف سنة جاهلية راجت بين المشركين ، فكيف سهل
على الفاروق - وهو الذي قيل إنه فرق بين الحق والباطل - إعادة الباطل وإحياؤه
وإماتة الحق
| |
* هامش * |
|
| |
( 2 ) مسند أحمد 1 :
50 .
( 3 ) الحشر : 7 .
( 4 ) سنن البيهقي 4 : 245 .
( 5 ) صحيح مسلم : كتاب الحج - باب
التمتع والعمرة ، صحيح البخاري 3 : 109 /
1413 - كتاب الحج . ( * )
|
|
|
وإلغاؤه ! ولقد أغلق النبي ( صلى الله عليه وآله ) باب
الاجتهاد في إلغاء أو تغيير شئ في متعة الحج ، فبعد أن أعلن النبي ( صلى الله
عليه وآله ) متعة الحج في حجة الوداع أمام ما يربو على مائة ألف مسلم ، قام
سراقة بن مالك فقال : يا رسول
الله ، ألعامنا هذا التمتع أم للأبد ؟ فشبك أصابعه
الشريفة وقال : " دخلت العمرة في الحج ، دخلت العمرة في الحج لأبد الأبد " ( 1
) .
فهل يجوز بعد هذا لأبي حفص أو
غيره أن يجتهد ويمنع متعة الحج ؟ ! ولكن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال لهم
قبل ذلك : " لا أدري ما تحدثون بعدي " ، فإنها دلائل النبوة .
فها نحن قد شهدنا أن حديث
الخلفاء يحذر المؤمنين من الاختلاف ويأمرهم باتباع الخلفاء الأربعة ، لأن في
ذلك نجاتهم من الشقاق والاختلاف وسلامة لهم من محدثات الأمور والبدع ، ولكن
رأينا أبا بكر ومن نحا نحوه قد أخبرهم النبي ( صلى الله
عليه وآله ) بارتكاب الإحداث والتغيير ، وشاهدنا الخلفاء
أنفسهم وقعوا في مغبة الاختلاف فاختلفوا فيما بينهم ، كما رأينا ما حدث من
اختلاف بين أبي بكر وعمر من ناحية والإمام علي ( عليه السلام ) من ناحية أخرى
في مسألة الخلافة ، وشاهدنا
مثالا للاختلاف بين الإمام علي ( عليه السلام ) وعثمان
بن عفان في سنة النبي الأكرم ، ورأينا كيف عمد عمر بن الخطاب إلى إلغاء سنة
النبي ( صلى الله عليه وآله ) التي سنها إلى الأبد .
فهذا الاختلاف الذي نشأ بين
الخلفاء أدى إلى نفس المخاوف التي من أجلها وعظ النبي ( صلى الله عليه وآله )
أصحابه بالحديث المذكور الذي فيه الأمر باتباع الأربعة ، فلقد حدث الاختلاف
ووقع الإحداث ووقع الناس فيه ، فكيف يبين الرسول
( صلى الله عليه وآله ) سبيل النجاة والسلامة من
الاختلاف والإحداث باتباع الخلفاء فيقعون هم أنفسهم فيما فرض أن نجاة الناس منه
هؤلاء الخلفاء ؟ ! فما دامت أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) وحيا فالوحي
لا يخطئ ، مما يوضح أن هذا الحديث موضوع على لسان النبي ( صلى الله عليه وآله )
ومقول عليه .
فالرسول ( صلى الله عليه وآله
) لم يكن يمنع المسلمين من الاختلاف ويحذرهم إياه ويأمرهم باتباع الخلفاء
الأربعة للنجاة منه ويرى وقوع الاختلاف بين الخلفاء ولا يرى له خطرا . والحق
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح مسلم 1 :
467 . ( * )
|
|
|
أن الاختلاف بين الخلفاء لهو أشد خطرا من اختلاف العامة
من المسلمين ما دام القادة في سلامة منه .
فالحق إن اتبع لن يجد الاختلاف إلى اتباع ذلك الحق سبيلا
، وكما أن الحق واحد ، فالمجتمعون عليه وإن كثر عددهم فهم في الحقيقة واحد ،
فكيف يختلف الواحد ؟ ! بل كيف يختلف الاثنان وهما على الحق ! إذا فالواحد لا
يختلف ليكون اثنين والاثنان لا يختلفان وهما قد توحدا على الحق بعد إدراكه .
نعم ليس كل ما اجتمع عليه حقا لأن الكثيرين يمكن اجتماعهم
على الباطل كما يمكن أن يختلفوا وهم على الباطل أيضا بأن يكون الاختلاف بين
الطرفين : كل طرف يدعي باطلا يظنه الحق ، وكما يمكن أيضا اختلافهم بأن يكون
طرفا الخلاف أحدهما
على الباطل والآخر على الحق . فهذه صور ثلاث أدى إليها
وجود الباطل في أحد الطرفين ، إذا فالباطل إما أن يتفق عليه ، أو يختلف فيه ،
أو يختلف الباطل مع الحق .
وأما الحق فله صورة واحدة إذ أنه واحد ، فلا بد من الاتفاق
عليه والاتحاد فيه . وأية صورة بخلاف ذلك فهي متضمنة للباطل بأي شكل كان .
ولهذا فأينما وجد الاختلاف فاعلم أن الباطل قد أطل برأسه
من جهة أو من الجهتين بباطلين مختلفين في الموضوع والهدف ، ولهذا حذر منه النبي
( صلى الله عليه وآله ) ، وهو تحذير تناول المعلول دون العلة ، فالباطل علة
الاختلاف . إن الاختلاف
الذي وقع بين الصحابة كافة أو بين الأربعة هو صورة واحدة
من صور الاختلاف الثلاث ، ولهذا لا يمكن أن يكون اتباعهم على السواء نجاة من
الاختلاف .
ولمعرفة الحق لا بد من علامات
ومعالم وإشارات وأدلة من سنخ الحق نفسه تشير وتدل عليه .
وخلاصة هذا الأمر أن حديث
اتباع سنة الخلفاء حديث محرف المعنى والدلالة ، فهو إن كان يدل على اتباع
الخلفاء فهو لا بد أن يدل بالتأكيد على وحدتهم واتساقهم ، لا سيما في سنة النبي
( صلى الله عليه وآله ) وكل ما يهم الناس .
ثم إنه هناك دلالة في الحديث تشير إلى اتباع الأربعة ،
فإن اسم الخلفاء الوارد في الحديث لا يعني بأي شكل كان أنهم الخلفاء الأربعة .
وهل الخلفاء أربعة كما ذكر ؟
وهل هناك ما يدل على ذلك ؟ أم أنهم أكثر من هذا العدد ؟
واتباع أحد الأربعة بهذا الأمر إما لأنهم متبعون للنص فيكون اتباعهم ليس لسبب
غير النص نفسه ، وإما لأنهم غير متبعين للنص فلا يجوز اتباعهم فيما خالفوا به
النص .
ولو كانت الحجة في قولهم بسبب اعتمادهم على النص فلا يختص
هذا بهم ، إذ كل من يعتمد في قوله على نص فقوله بهذه الصورة مقبول .
أما بخلاف ذلك فلا ، لأن الجميع يجب أن يخضعوا للنص ،
وعلى الجميع طاعة النبي ( صلى الله عليه وآله ) . وحتى أولو الأمر ليس لهم
العمل بما يخالف القرآن والسنة . وطاعة الرسول لا تعني مخالفته والعمل بخلاف ما
يأمر به وينهى عنه ،
وهذا واضح بالبداهة ، فالذي يجتهد في مسألة بين الرسول (
صلى الله عليه وآله ) أمر الله فيها ويخلص من اجتهاده إلى ما يخالفها فقد خالف
النبي ( صلى الله عليه وآله ) بذلك ، ولا يقبل قوله ، بل يجب أن يعاقب على هذا
الخلاف .
والاجتهاد ضد النص أو مع وجود النص مخالفة صريحة لله ورسوله
. ولو جاز الاجتهاد ضد النص فكيف تكون السنة مصدرا للتشريع ؟ أليس ذلك عملا
بخلافا لشرع ، إذ لم يعتمد على مصدره ؟
|