- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 64 :

مخالفة الصحابة للخلفاء الأربعة


لقد علمنا أن الاختلاف أخذ بتلابيب الخلفاء أنفسهم ، ولم يتبع بعضهم بعضا في كثير من المواطن ، وهذا ما يتناقض مع الحديث الآمر باتباعهم للنجاة من الاختلاف . كما علمنا أن البدع قد صدرت من بعضهم ، وهم - على أساس حديث الخلفاء - معول عليهم في نجاة الأمة من البدع والمحدثات .


غير أن الصحابة لم يترددوا في مخالفة الخلفاء في كثير من الأمور ، فكيف يستقيم ذلك والأمر باتباعهم ؟ ! والمخالفون لهم من أجلة الصحابة ، لا مجال للطعن فيهم ، أو اتهامهم بالنفاق .


فإما أن يكون قد أعرضوا عن أمر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) الصادر باتباعهم ، وإما أن يكون الحديث موضوعا عليه ( صلى الله عليه وآله ) .


ونقول نحن بالرأي الأخير ، ليس لما رأيناه من مخالفة الصحابة للخلفاء فحسب ، بل لأسباب سقناها وسنسوق بعضها فيما يأتي من فصول ، إن شاء الله .

- ص 65 -

مخالفة سعد بن عبادة لأبي بكر وعمر من الشخصيات البارزة في جيل الصحابة شخصية الصحابي الجليل سعد بن عبادة ، فلقد كان من أشد المخالفين لأبي بكر وعمر في أمر الخلافة . فلما تمت البيعة لأبي بكر بالصورة التي كانت ، أرسلوا إلى

سعد يطلبونه أن يبايع ، فقال لهم : " لا والله ، حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي ، وأخضب منكم سناني ورمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم مع من معي من أهلي وعشيرتي " ( 1 ) .


فانظر إلى شدة سعد على الشيخين أبي بكر وعمر ، فإنه لم يرفض بيعتهما فحسب ، بل أقسم على قتالهما بأهله وعشيرته ، فأي حديث نقبل ؟ ! وأي حديث نصحح ؟ فأمامنا حديث الاقتداء بالصحابة ، وها هو سعد منهم ، وهو نجم به تتحقق الهداية .

وأمامنا حديث الخلفاء الأربعة والأمر باتباعهم ، ورأينا سعدا يخالفهم ولا يقبل منهم إلا بعد أن يخضب سنانه بدمائهم ويضرب أعناقهم بسيفه . وإنه لما قال عمر بن الخطاب : " اقتلوا سعدا ، قتله الله " نهض قيس بن سعد يأخذ بلحية عمر ويقول له : " والله لو حصحصت منه شعرة ما رجعت وفيك واضحة " ( 2 ) .


وأما الحباب بن المنذر فهو الآخر لم يكن يعرف لأبي بكر وعمر طاعة في يوم السقيفة قط ، فلما رد الشيخان كلامه في أمر الخلافة صاح قائلا : " والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف ، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، أنا أبو شبل في عرينة الأسد " ( 3 ) .


لقد كان الحباب مستعدا لضرب من يخالفه منهما ويحطم أنفه بسيفه ، كما كان مستعدا لتولي أمر الخلافة بنفسه ، فضلا عن إبائه التسليم والبيعة لهما بالخلافة . فلا سعد ولا قيس ولا الحباب ولا علي يعرفون حديث الخلفاء ! ليس لأنهم خالفوه ، بل لأنه حديث لم يكن له وجود في ذلك الوقت ، بل ولد أخيرا في مهد الدولة
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الكامل في التاريخ لابن الأثير ، حوادث سنة إحدى عشرة - ج 2 .
( 2 ) تاريخ الطبري ، حوادث سنة إحدى عشرة - ج 2 .
( 3 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 16 . ( * )

 

 

- ص 66 -

الأموية ، وتربى على أحضانها بهذا المعنى .

والاختلاف الذي حدث في يوم السقيفة يؤيد ما ذهبنا إليه ، إذ لو كان للحديث وجود في ذلك الوقت بمعنى الخلفاء الأربعة - كما فسر - وأنه كان عهدا ووصية من النبي ( صلى الله عليه وآله ) لما حدث ما حدث من اختلاف وتنازع وخصام كادت

أن تزهق فيه أرواح طاهرة ، ولما احتاج أبو بكر وعمر إلى بذل الوسع وشق الأنفس في إقناع الأنصار بعدم أحقيتهم في الخلافة بأدلة غير هذا الحديث ، إذ أنه كان يكفي في إثبات الحجة وإقامة الدليل على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي

رضي الله عنهم ، ولما اضطر عمر إلى تشكيل شورى سداسية لتختار خليفة للناس من بعده ، كما حدث ، إذ المفترض أن الحديث قد أوجب طاعة الأربعة ، بعد أن فسروه بهم .

ولكن هيهات ، فالحديث موضوع باسم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عمدا ، فليتبوأ واضعه مقعده من النار .


خلاف بعض الصحابة للخليفة الرابع

وأما هذه فهي مسألة أخرى من الواضحات المسلمات ، وقد أصابت من " حديث الخلفاء " مقتلا ، ذلك لأن الإمام عليا هو رابع الخلفاء ، وعلى هذا فسنته واتباعه - طبقا لهذا الحديث - حجة وجبت على الصحابة ، وإلا كان المخالف رادا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومخالفا له بلا ريب .


فهذا معاوية وذاك طلحة والزبير وتلك عائشة أم المؤمنين، وتلك الفئة الباغية، فمن منهم لم يخالف الإمام عليا ( عليه السلام ) ولم يعلن عليه الحرب الضروس ، عامدين لقتله وهو الخليفة الرابع ؟ !


وأما معاوية فقد حاربه ولعنه وأمر الولاة في دولته بلعنه وسبه على الملأ ، واستمر لعن الإمام بعد معاوية كسنة راجت أكثر من خمسين عاما ، يقول الطبري : " إن معاوية لما استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين وأمره عليها

دعاه وقال له : لقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك ، ولست تاركا إيصاءك بخصلة : لا تترك شتم علي وذمه ، والترحم على عثمان والاستغفار له ، والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم ، والإطراء
 

- ص 67 -

لشيعة عثمان والإدناء لهم . فقال له المغيرة : قد جربت وجربت ، وعملت قبلك لغيرك فلم يذممني ، وستبلو فتحمد أو تذم . فقال : بل نحمد إن شاء الله " ( 1 ) .


إقرأ قول معاوية : " لا تترك شتم علي وذمه " ، فهل يبقى لحديث الخلفاء حجة على أحد بعد هذا القول ؟ ! أرجو أن لا يخطئ القارئ ويظن أن معاوية أمر المغيرة بالترحم على عثمان والاستغفار له لأنه من الخلفاء الأربعة .

كلا ، بل هي القبلية والعصبية واللعبة السياسية . وهذا أقل ما يمكن أن يقدمه معاوية لعثمان ، لأن معاوية مدين لعثمان ، كما هو مدين لمن سبقوه فيما بلغه من مقام بين أهل الشام ، حتى بلغ ما يصبو إليه . فقد تركوا له الشام يتصرف فيها كما يشاء مدة أربعين عاما انتهت بوفاته وخلافة ابنه يزيد الفاسق .


وأما طلحة والزبير فحدث عنهما ولا حرج ، فقد خالفا الخليفة الرابع أسوأ ما تكون المخالفة وأشد ، وذلك لأنه من الخلفاء الأربعة المأمور باتباعهم ، ولأنهما سبقا الناس وتصدرا غيرهما في البيعة له ، إذ كانا أول من بايع الإمام يوم هجم الناس عليه يبايعونه طوعا ورغبة منهم ، ولأنهما حارباه بعد ذلك كله وألبا عليه الناس .


فاسمع كيف يتألم الإمام لما فعلا ، يقول علي ( عليه السلام ) : " اللهم إنهما قطعاني وظلماني ونكثا بيعتي وألبا الناس علي ، فاحلل ما عقدا ولا تحكم لهما ما أبرما ، وأرهما المساءة فيما أملا وعملا . ولقد استتبتهما قبل القتال ، واستأنيت بهما أمام الوقاع ، فغمطا النعمة وردا العافية " ( 2 ) .


وقد كتب الإمام علي ( عليه السلام ) رسالة إليهما قبل القتال ينذرهما ويعظهما ، قائلا : " فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما ، فإن الآن أعظم أمركما العار ، من قبل أن يتجمع العار والنار ، والسلام " ( 3 ) .

 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) تاريخ الطبري ، وتاريخ الكامل لابن الأثير : ذكر حوادث سنة 51 ه‍ .
( 2 ) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده ص 306 .
( 3 ) نفس المصدر السابق ص 626 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب