من المعلوم أن الأساس الذي تدور عليه الحجية - سواء كانت
حجية نص أو حجية شخص - هي العصمة ، فحجية القرآن لعصمته ، فهو
( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) ( 1
) .
وحجية النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعصمته ( صلى الله عليه
وآله ) ، لكونه ( لا ينطق عن الهوى *
إن هو إلا وحي يوحى ) ( 2 ) .
وحجية أولي الأمر لعصمتهم التي بسببها وجبت على الناس
طاعتهم ، وذلك لقوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم ) ( 3 ) .
وأما ما كان غير ذلك من كلام أو أشخاص فلا حجية فيه ، فإذا
وضح ذلك . . فما الحجية في قول أو فعل وسيرة أبي بكر وعمر ؟ . فمن يأمر النبي (
صلى الله عليه وآله ) باتباع سنته وقوله وفعله لا بد أن يكون معصوما ، ولا يمكن
لشخص معصوم أن يرتكب أخطاء مما يرتكبه الناس .
ومن يقع فيما يقع الناس فيه من أخطاء لا يتميز عنهم بشئ ،
وبالتالي لا يرى الناس لزوما للخضوع له والعمل بأمره ونهيه ، ولا ترتاح النفوس
لاتباعه ، بل يصبح عرضة لانتقادهم واعتراضاتهم ، فالذي يقع في الخطأ لا يستطيع
أن يمنع الناس عن
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) فصلت : 42 . (
2 ) النجم : 3 و 4 . ( 3 )
النساء : 59 . ( * )
|
|
|
ارتكابه ، وإذا أقدم على ذلك فسيقل شأنه ويسقط اعتباره
عندهم ، وإذا أمر عليهم لا يطيعونه ولا يقتدون به . . فكيف يصدر الرسول أمرا
باتباع من ليست له عصمة ؟ !
وقد روي أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : "
اقتدوا بالذين من بعدي ، أبو بكر وعمر " ! فإما أن تكون لهما العصمة ، ولهذا
أمر الرسول باتباعهما . وإما أن لا تكون لهما العصمة . فإن كانت لهما عصمة من
الله تعالى فلا بد من إثبات ذلك ،
والحال أنه لم يقل أحد بهذا ، ولا يؤيد الواقع عصمتهما .
وإن لم تكن لهما عصمة من الله فلأي سبب أمر الرسول بالاقتداء بهما ؟ ! والله
تعالى لم يأمر باتباع وطاعة الرسول إلا لعصمته ، ودون العصمة لا طاعة أبدا ،
فكيف يأمر الرسول باتباع
وطاعة غير المعصوم ؟ ! لقد راعى الله عصمة النبي ( صلى
الله عليه وآله ) ولذا أوجب طاعته ، فكيف لا يراعي ذلك النبي ( صلى الله عليه
وآله ) فيأمر بطاعة غير المعصوم ؟ ! إن هذا محال .
وقد يقول قائل : ما أمر النبي
بطاعة واتباع هذين إلا لحرصهما على متابعته والعمل بسنته. ولكن . . لماذا كان
الأمر باتباعهما هما على الخصوص ؟
ألم يكن عثمان حريصا على متابعة النبي ( صلى الله عليه
وآله ) والعمل بسنته ؟ !
وهل كان الإمام علي لا يملك ذلك الحرص ؟ !
غير أننا سنشهد مواقف لهما لا نرى فيها ذلك الحرص على
اتباع النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
ثم ماذا تقول في مخالفة كثير من الصحابة للشيخين في أمر
الخلافة ، وعلى رأسهم الإمام علي ( عليه السلام ) وكل بني هاشم ، ولا سيما
فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ؟ !
ولن ننسى موقف سعد حيالهما ، فكيف نوفق بين أمر النبي (
صلى الله عليه وآله ) بالاقتداء بهما ومخالفة الهاشميين والأنصار لهما في أمر
الخلافة ؟ !
أو لم يسمع أهل البيت ( عليهم السلام ) بهذا الحديث
الآمر باتباعهما ؟ !
أم لم يكن للأنصار خبر به ؟ !
وكيف لا يكون لهم خبر به وهو أمر وعهد ووصية منه ( صلى
الله عليه وآله ) ؟ !
على أن فقدان العصمة وحده يبطل هذا الحديث .
يقول الإمام الغزالي في ذلك : " فإنه من يجوز عليه الغلط
والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله ، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ ؟
!
وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة ؟ !
وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف ؟ ! وكيف يختلف
المعصومان ؟ ! . . . " .
نعم ، يجب ألا يختلف المعصومان أبدا ، لأن المعصوم بعيد
عن الباطل وواقف على الحق . والحق - كما هو معروف - واحد لا يختلف ، فما يدركه
المعصوم من الحق في المسألة الواحدة هو نفس الحق الذي يدركه المعصوم الآخر منها
، ولعدم اختلاف الحق لا يختلف المعصومان ، فهل كان لأبي بكر أو عمر تلك العصمة
؟
على أن النبي ( صلى الله عليه
وآله ) أخبر أبا بكر بالإحداث - كما مر عليك - فقال له : " لا أدري ما تحدثون
بعدي " ، فالنبي كان يعلم أن أبا بكر ومن معه سيحدثون أمرا في الدين ، فهل من
المعقول أن يأمر بعد ذلك بالاقتداء به على الوجه الذي رأيت ؟ !
ولأبي بكر موقف مشهور مع بضعة النبي
( صلى الله عليه وآله ) وبنته البتول ، أدى موقفه ذاك إلى إغضابها وإسخاطها !
وأما عمر فله مواقف مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) عدة ، وستمر عليك مواقف
الشيخين هذه إن شاء الله عاجلا .
فالحديث هو من صنائع بني أمية
، وهو من تلك الأحاديث التي وضعت في مقابل ما روي عن النبي ( صلى الله عليه
وآله ) من اتباع العترة الطاهرة .
ذكر المدائني : " كتب معاوية
نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة : أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي
تراب وأهل بيته . . . " ( 1 ) ، فسد الباب أمام فضائل أهل البيت ، وانفتح
لفضائل غيرهم بلا ريب وإن لم توجد . وهذا الحديث من تلك .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد 1 : 15 - 161 - نقلا عن المدائني . ( * )
|
|
|