- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 95 :

الباب الثاني
مواقف عمر تجاه أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وآله


إن المتتبع لمواقف أبي حفص تجاه أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وآله - سواء في حياة النبي صلى الله عليه وآله أو طيلة مدة خلافته - يجدها مواقف تنبئ عن شخصية فريدة في نوعها ، تختلف تمام الاختلاف عن بقية شخصيات الصحابة ، وذلك

ن حيث جرأة مواقفه وتصرفاته تجاه النبي المعصوم صلى الله عليه وآله ! فعمر لم يكن يرى أفعال وأقوال النبي صلى الله عليه وآله في عصمة عن المسألة والمعارضة ، وكأنه لم يكن يرى التسليم لما يعرضه ويصدره النبي صلى الله عليه وآله من أوامر ونواه أمرا لازما له .


وفي حقيقة الأمر أن تلك التصرفات العمرية تشير بوضوح إلى نوع من عدم الاعتقاد بعصمة النبي صلى الله عليه وآله حتى في تبليغ الوحي ، فضلا عن شؤون الحياة الأخرى ، إن جاز القول بعدم عصمة النبي فيها ، فعمر لم يكن يرى بأسا في

مناقشة النبي صلى الله عليه وآله فيما يقول أو يفعل ، بل لم يكن يرى بأسا في نهي النبي صلى الله عليه وآله عن بعض ما يقول ويفعل .


كما أنه لم يكن يتردد في إحلال ما يصدره من أقوال وأفعال وآراء شخصية بل أوامره ونواهيه هو محل أقوال وأفعال وأوامر ونواهي النبي صلى الله عليه وآله .


وهذه التصرفات لا تحصى في حياة عمر ، الأمر الذي اضطر المعجبين به إلى اختراع تفسير لهذه الجرأة تجاه النبي صلى الله عليه وآله وتحويلها إلى محاسن ومناقب ! في حين نرى شخصيات أخرى من بين الصحابة لا تقل عن عمر
 

- ص 96 -

في شئ إن لم تفقه في كل شئ ، لا ترى إلا التسليم التام والخضوع الكامل أمام أوامر ونواهي رسول الله صلى الله عليه وآله .

فالذين هم في إعجاب بشخصية أبي حفص يفسرون تلك التصرفات العمرية تجاه كلام أو فعل النبي صلى الله عليه وآله ، بالاجتهاد والشجاعة في قول الحق ، فوصفوا عمر بأنه لا يخشى في الحق لومة لائم ! فشخصية عمر لم تكن ترضى بالانقياد ، بل تسعى دوما لأن تكون على دفة القيادة ومقام الريادة .


وفي الحقيقة ، إننا نتساءل عن الاجتهاد العمري هذا . . على أي أساس ابتنى ؟ فإن كان قد قام على أساس العلم والإدراك لمسائل الدين ، فمعنى هذا أنه يفترض تفوقه العلمي على رسول الله صلى الله عليه وآله ! غير أن عمر لا يمكن أن يكون أعلم الصحابة ، فضلا أن يترجح علما على النبي صلى الله عليه وآله .


وإن كانت جرأته هذه قد ابتنت على غيرة اتصف بها أبو حفص على الدين، فلا يمكن أن نقبل أن غيرته على الدين قد فاقت ما لكثير من الصحابة من غيرة على الإسلام، فضلا عن الغيرة التي كان يتمتع بها النبي الكريم على دين الله فهذا أساس لا يجيز لعمر أن يقيم عليه اجتهادا قبال ما يصدر من النبي صلى الله عليه وآله ، أو يقيم عليه تصرفا يخرجه من دائرة التسليم للوحي.


ونحن لا يمكن أن نجد قولا أو فعلا أو تقريرا لشخص يضاهي ما للرسول صلى الله عليه وآله من ذلك كله ، فلو كان المعصوم من الناس لا يسعه - على رغم عصمته - إلا التسليم لما جاء به الوحي ، وليس له بعصمته هذه مجوز لمخالفة ما

أثبته الوحي الإلهي . . فكيف بعمر الذي قضى ردحا من الزمان يسجد للأحجار ؟ ! إن العصمة لا تضمن لصاحبها إلا صحة الاتباع والاقتداء بالوحي ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله إلا مأمورا بأن يبلغ ويفعل ما يؤمر به .


فإن كان لا يجوز للنبي صلى الله عليه وآله الاجتهاد في مقابل الوحي - وهو المعصوم - فبأي شئ ومن أي طريق جاز ذلك لعمر بن الخطاب ؟ ! !


وإذا فرض علينا المعجبون بعمر اجتهاداته ضد النصوص النبوية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله فلا يستطيعون أن يفرضوا علينا اجتهاداته ضد أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وآله والنبي على قيد الحياة .


ثم إنهم كثيرا ما يصورون لنا أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقر عمر على رأيه الذي خالف

- ص 97 -

وعارض به أمر النبي صلى الله عليه وآله ! فوصفوه بأنه صاحب إلهام من الله جنبا إلى جانب الوحي ! إن الاجتهاد ضد النص لا يجوز أبدا ، إذ أنه لا يعني إلا إحلال الرأي البشري محل الوحي الإلهي ، ولا معنى له سوى ذلك . . فلو كان

الإسلام صالحا لكل زمان ومكان ، فالاجتهاد ضد النص هو إبطال لتلك الصلاحية الشاملة لكل الأمكنة والأزمنة ، ويكون قول الله تعالى : ( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ( 1 ) مخصوصا ومحصورا بمكان وزمان نزول الآية هذه ، علما أن ابن الخطاب لم يعمل بهذا حتى في زمان ومكان نزول هذه الآية .


إن الاجتهاد ضد النص الإلهي لا يعني إلا نسخ الوحي بالرأي البشري المخالف له ، وهذا في حقيقة الأمر إلغاء تام للنص الإلهي . على أن نسخ القرآن بالسنة أمر لا يجوز ، فالسنة مبينة ومفسرة ليس إلا . . فكيف إذا بكلام ورأي ابن الخطاب

ومن ينحو نحوه ؟ ! على أن الوحي لما كان عالما بوجود هذا الصنف من الناس ، تشدد في النهي عن مخالفة نبي الإسلام المعصوم ، ووصفها بالمعصية والضلال ، فقال : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم

الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) ( 2 ) . . فهل لعمر بعد هذا سبيل إلى معارضة أو مخالفة كلمة من كلام النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! وإذا اجتهد ضد هذه الآية الواضحة الصريحة . . فهل يوصف اجتهاده هذا بشئ غير المعصية والضلال المبين ؟ ! نعم ، لقد كان لأبي حفص تلك المواقف والمعارضات تجاه نبي الإسلام .
 

وإليك أمثلة تؤكد ما ذكرناه :

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الحشر : 7 . ( 2 ) الأحزاب : 36 . ( * ) .

 

 

- ص 98 -

عمر وصلح الحديبية لما وافق النبي صلى الله عليه وآله على شروط صلح الحديبية ، وأمر عليا عليه السلام بكتابة الصلح ، تصدر أبو حفص فئة المعارضين للصلح ، وتشدد على النبي صلى الله عليه وآله ، فخرج بخطابه للنبي صلى الله عليه وآله على أية حال عن أمر التسليم لأمر النبي الكريم ولما رضي به صلى الله عليه وآله .


ولندع ابن الخطاب يحكي لنا بنفسه ما دار بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله يوم ذلك الصلح :

يقول ابن الخطاب : فقلت : ألست نبي الله حقا ؟ ! قال [ صلى الله عليه وآله ] : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ ! قال [ صلى الله عليه وآله ] : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ ! قال صلى الله عليه [ وآله ] وسلم :

إني رسول الله ، ولست أعصيه ، وهو ناصري . ( قال ) [ عمر ] : أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ ! قال [ صلى الله عليه وآله ] : بلى ، أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ ! قلت : لا . قال [ صلى الله عليه وآله ] : فإنك آتيه ومطوف به .

قال [ عمر ] : فأتيت أبا بكر ، فقلت : يا أبا بكر ، أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال [ أبو بكر ] : بلى . قلت : ألسنا على الحق ، وعدونا على الباطل ؟ قال [ أبو بكر ] : بلى . قلت : فلم نعطى الدنية في ديننا إذا ؟ قال [ أبو بكر ] : أيها الرجل ، إنه

لرسول الله ، وليس يعصي ربه ، وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه ، فوالله إنه على الحق . ( قال ) [ عمر ] : فقلت : أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ ! قال [ أبو بكر ] : بلى ، أفأخبرك أنك آتيه العام ؟
 

- ص 99 -

( قال ) [ عمر ] : قلت : لا . قال [ أبو بكر ] : فإنك آتيه ومطوف به . قال عمر : فعملت لذلك أعمالا . قال [ عمر ] : فلما فرغ رسول الله [ من الكتاب ] قال [ صلى الله عليه وآله ] لأصحابه : " قوموا فانحروا ثم احلقوا . ( قال ) [ عمر ] : فوالله

ما قام منهم رجل ، حتى قال ذلك ثلاث مرات . فلما لم يقم منهم أحد ، دخل [ صلى الله عليه وآله ] خباءه ، ثم خرج فلم يكلم أحدا منهم بشئ ، حتى نحر بدنة بيده [ الشريفة ] ودعا حالقه فحلق رأسه ، فلما رأى أصحابه ذلك ، قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا ( 1 ) .


وقد ذكر الحلبي في سيرته - عند ذكر صلح الحديبية - : " أن عمر جعل يرد على رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] الكلام ، فقال له أبو عبيدة بن الجراح : ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله يقول ما يقول ؟ نعوذ بالله من الشيطان الرجيم " . قال الحلبي : " وقال رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] يومئذ : يا عمر ! إني رضيت وتأبى ؟ ! " ( 2 ) .


فانظر كيف كان عمر بن الخطاب شديدا على رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولم يجد من نفسه استطاعة لأن يخضع لأمر الله ويرضى بما رضي به نبي الله صلى الله عليه وآله ! فأين الطاعة والتسليم المطلق الذي كان من المفترض أن يتسم به عمر تجاه ما قضى به الله ورسوله ؟ !


أم كان عمر يظن أن له الخيرة من أمره ، وأنه ليس ملزما بالتسليم لذلك الأمر تسليما لا يجد معه في نفسه حرجا نحو ما يقضي به رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ !


وفي الحقيقة لم يكن عمر يثق في كلام النبي صلى الله عليه وآله ، وكان يرى أن النبي صلى الله عليه وآله قال ما لم يفعل ، وهذا واضح في قوله وخطابه للنبي الكريم : " أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ ! " فعمر لما رأى أن النبي

صلى الله عليه وآله انصرف عن الطواف بالبيت في هذا العام ، ووافق - طبقا للصلح - على الرجوع دون الطواف ، ظن أن ما وعدهم به النبي صلى الله عليه وآله لم
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح البخاري 2 : 81 - كتاب الشروط .
( 2 ) السيرة الحلبية 3 : 19 - قصة الحديبية ، السيرة الدحلانية 2 : 184 ( التي بهامش الحلبية ) . ( * ) .

 

 

- ص 100 -

يتحقق ولم يقع كما قال لهم النبي صلى الله عليه وآله - وهو الطواف بالبيت -! ولهذا أوقف النبي الكريم صاحب الخلق العظيم موقف المسألة والمحاسبة ! ! ولما رد عليه نبي الرحمة بكلامه المقنع بقوله : " أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ " أجاب عمر

بالنفي ، ولكن لم يرض عمر ، لأن ما تعلق بنفسه من ظن كان أقوى ، فلم تشفع تلك الحجة القوية للنبي عند عمر ! وربما كان إلهام عمر في ذلك الوقت أقوى ، من الوحي ، فكان يرى أشياء لم يرها النبي صلى الله عليه وآله أو يعلم ما لم يكن يعلم

به النبي صلى الله عليه وآله ! ! . . فصوب نحو أبي بكر مؤكدا قوة ما تعلق به من ظن سئ ، وإلا كان يكفيه ما قاله النبي صلى الله عليه وآله . والحقيقة التي يعلمها كل مؤمن هي أنه ليس لعمر ولا لأي أحد من أفراد البشر وحتى من غبر من الأنبياء . . . ليس لهم إلا طاعة المصطفى والنبي الأكمل صلى الله عليه وآله .


ولكن هذه الطاعة لا ترجى إلا ممن يأنس في نبي الإسلام الكريم عصمة لا ينفذ من خلالها الخطأ إليه . . وأما من كان بخلاف ذلك ، فلا ينتظر منه طاعة .


ولقد كان عمر من هذا القبيل : لم يكن يأنس في النبي صلى الله عليه وآله تلك العصمة ، وإلا فلماذا المناقشة ؟ ! ولماذا المحاسبة ؟ ! فهل كان يناقشه ويعارضه رغم علمه بعصمته ؟

ولكن هذا أسوأ ، ومعرفة عصمة النبي لا تحتاج إلى كبير عناء ، وقد كان يكفي عمر أن يردد قوله تعالى : ( ما آتاكم الرسول فخذوه ونهاكم عنه فانتهوا ) ليجد فيه العصمة بأجلى معانيها ، إذ أن هذه الآية مطلقة عامة لا تختص بأمور الدين والوحي وحده ، ولا هي مختصة بأمور الدنيا والمعاش فقط . . وأما صلح الحديبية فكان من صميم مسائل الدين ، لو أدرك ذلك عمر.


ومن كلام ابن الخطاب العجيب أثناء محاسبته النبي صلى الله عليه وآله ! قوله : " فلم نعطي الدنية في ديننا ؟ ! " . ومفاد هذا أن الدنية في الدين - حسب فهمه - يفهمها هو دون النبي صلى الله عليه وآله ، ويرفضها هو ولا يرضى بها ! ولا يرفضها

رسول الله ويرضى بها ! ! فاعجب ما شاء لك أن تعجب ! على أن قول النبي صلى الله عليه وآله " إني رسول الله ، ولست أعصيه ، وهو ناصري " كان - والله - كافيا لأن يثوب عمر إلى حظيرة اليقين والطمأنينة إلى عصمة النبي صلى الله عليه وآله ، ولما فعله النبي

- ص 101 -

الكريم في أمر ذاك الصلح ، ولكن حتى هذا القول النبوي المحض أيضا لم يكن بشافع للنبي صلى الله عليه وآله عند عمر ! وظل عمر يرد عليه الكلام ردا ، ولم يترك للنبي صلى الله عليه وآله حتى حق الجدل والنقاش بتقسيم فرص الكلام ، حتى

اضطر ذلك أبا عبيدة بن الجراح ليتدخل وينتزع من الفاروق فرصة للنبي الأكرم لكي يقول ما يقول ، فخاطب أبو عبيدة عمر صارخا : " ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] يقول ما يقول ؟ نعوذ بالله من الشيطان الرجيم " .


فانظر عزيزي القارئ إلى هذا الإلهام الذي يتعارض مع الوحي ! فلو كان عمر صائبا في معارضته للنبي الكريم لأبدى النبي صلى الله عليه وآله لتلك المعارضة ارتياحا وتحسينا ، ولكنه سعى بكل السبل إلى إقناع عمر وإزالة أنفته بلا جدوى .

فعمر لم يكن مصيبا ، وليس لأحد أن يتجرأ فيصحح لنا ما صدر منه يوم هذا الصلح . . فالذي يسعى إلى تصحيح معارضة عمر تلك ، عليه - قبل ذلك - أن يتلو آية التسليم لأمر الله ورسوله ، وينظر متدبرا عباراتها . . فهل يجد فيها تأييدا لابن

الخطاب من قريب أو بعيد ، حتى يجوز له الوقوف أمام أفعال النبي صلى الله عليه وآله كما فعل يوم صلح الحديبية ؟ ! على أن النبي صلى الله عليه وآله بين لنا بوضوح حقيقة معارضة ابن الخطاب ، فقال له بذلك الخلق القرآني العظيم : " يا عمر !

إني رضيت وتأبى ؟ ! " . . ولعمر الله ، لو كان أحد يقف أمام رؤساء هذا اليوم الموقف الذي وقفه عمر أمام الصلح الذي قبله النبي صلى الله عليه وآله ، لكان نصيبه سنوات في ظلمات السجون أو قرارا يطوي حبال المشانق حول عنقه . . ولكنه

النبي لا كذب ، فلعمر أن يقول ما يقول ، ولن يجد إلا صفحا جميلا . . . عليك وعلى آلك صلوات الله وسلامه يا نبي الله . " يا عمر ! إني رضيت ، وتأبى ؟ ! " . . نعم يا نبي الله لقد أبى عمر ما رضيت به ، فيا لها من عبارات تذيب الصخور

تسليما وخضوعا وطاعة لأشرف المخلوقات . . ولكن لم يسمع قلب عمر هذه العبارات التي تعج بالمعاني والانتقاد واللوم ، ولم يرم النبي صلى الله عليه وآله منها إلا بيان مقامه النبوي المعصوم الذي نسيه أبو حفص ، في لحظة من لحظات الأنفة .

ولو كان عمر قادرا على أن يعي تلك العبارة لكان قد وعى التي قبلها : " إني رسول الله ، ولست
 

- ص 102 -

أعصيه ، وهو ناصري " ، فالرسول أراد أن يذكر الناسي عمر بثلاث حقائق :

أراد أن يذكره بأنه رسول الله ، إذ أنه مرسل لينجز هذا الصلح أيضا من جانب الله تعالى .

وأراد أن يذكره بأنه منفذ أمر الله تعالى ولن يخالفه ولن يعصي الله في أمر ما إذ أنه معصوم من قبل الله تعالى .

وأراد أن يذكره بأن الله يسمع ويرى أحوال النبي وأفعاله ويعلم أعداءه ، فلن يتركه عرضة للذلة والدنية ، إذ أنه ناصره في كل المواقف . . . ولكن هيهات لعمر أن يخضع ، وكيف يخضع ولم يكن يأنس في النبي صلى الله عليه وآله العصمة ؟ ! وتمادى ابن الخطاب في اعتراضه .


وفي واقع الأمر ، أنها لواقعة تعقد الألسن بالدهشة ، إذ أننا نرى أن المقام النبوي ليس مقاما يجوز لأحد أن ينصب أمامه القامة ويرفع أمامه الرأس معارضا في شئ .


ومن ناحية نرى المقام العمري - طبقا لما صور للناس - من أنه الصحابي العادل الذي يقول الحق ولا يخشى فيه لومة لائم ، وأنه الفاروق الذي فرق بين الحق والباطل ، وفوق ذلك كله أنه كان صاحب إلهام ومؤيد من ناحية الوحي ، ولو في مقابل

النبي صلى الله عليه وآله ! ونحن عندما نرى علو مقام النبي صلى الله عليه وآله الحقيقي وعلو المقام العمري المرسوم في الأذهان ، نستسلم للدهشة والحيرة، فلا نستطيع الانتصار للنبي صلى الله عليه وآله من المقام العمري الذي توهمناه، ولا نقدر

على انتقاد عمر رغم إجلالنا للمقام النبوي الرفيع ، فنصبح أسرى داخل شرنقة الدهشة ، ونلوذ بالصمت .


وكل ذلك بسبب نظرية عدالة كافة الصحابة ، وما حيك حول أبي حفص من صفات إعجازية ، فالتبس علينا الأمر ونسينا أن عمر هذا وغيره من كافة الصحابة كانوا مشركين يسجدون ويطأطئون الرأس لحجر أصم ردحا من السنين ، فمن الله عليهم بهذا النبي الكريم الذي وقفوا بعد ذلك أمامه معترضين عليه ومسائلين في أمورهم لا يفقهون فيها شيئا ولا يعلمون حكمتها .


إن التقليد الأعمى ، وعدم إدراك المقام النبوي ، هو الذي أوصل عمر وكثيرا من الصحابة إلى مقامات جعلتهم في مصاف المقام النبوي بعد أن عاشوا سنين من الشرك والإلحاد ! ! نعم الإسلام يجب ما قبله . ولكنه بما يجبه من شرك وبما يفعله المسلم من إحسان

- ص 103 -

بعد الإسلام لا يؤهله لأن يرتفع من مقامه ليزاحم مقام النبوة ، بل لا يستطيع - وهو في مقامه هذا - أن يشاهد مقام راحات أقدام النبي صلى الله عليه وآله . فكل ذلك ما هو إلا ضبابة ضربت حول ابن الخطاب .


فعمر يكفيه من الفخر أن يسرد لنا ما أنجزه في التاريخ من فتوحات للإسلام ، دون أن يصوروه لنا إنسانا يدرك ما لا يقدر على إدراكه النبي صلى الله عليه وآله ، ويقول الحق ولو في مقابلة النبي الكريم ، ويضرب في القبر الملائكة عندما يأتونه للسؤال . . كل ذلك عشعش وباض وأفرخ في رؤوس الناس ، فجاء عمر كما يعرفه أهل السنة اليوم .


لم يكن عمر معصوما من الخطأ وهوى النفس ونزعات الشيطان. وإن الإيمان يزيد وينقص، والمقامات العليا لا تنال إلا بجهاد النفس والمراقبة الشديدة في طاعة النبي صلى الله عليه وآله . . وشأن عمر وبقية الصحابة بل وكافة الناس في ذلك سواء .


والقرآن الذي تلاه عمر فوجد فيه أنه مأمور بما جاء فيه من تكاليف واتباع للنبي صلى الله عليه وآله هو نفس القرآن الذي نتلوه اليوم ، وهو القرآن الذي سيتلوه من يأتي من الناس في كل عصر ومصر ، فإذا لم نجد فيه ما يجوز مخالفة النبي صلى

الله عليه وآله ، فلنا الحق أن نسأل : كيف جاز ذلك لعمر ؟ فلعمر أن يغضب لشروط الصلح التي كانت تبدو في الظاهر وكأنها دنية - كما بدت له ما دام لا يستطيع أن يدرك ما يدركه النبي الكريم ، من الحكمة والمصلحة - في صلح الحديبية .

له أن يغضب إذا لم يستطع أن يتجاوز ببصيرته الظاهر ، ولكن لا يجوز أن يترك لغضبه زمام أمره حتى ينسيه مقام النبوة . غير أنه كان المرجو من عمر أن يكون في هذا المقام الحساس في حياة الإسلام رابط الجأش صلب العزيمة إلى جانب النبي

صلى الله عليه وآله يشد من أزره لإنقاذ أمر الله ، لا أن يسعى - بسبب غضبه وأنفته التي لحقته بسبب الصلح - إلى تفكيك الجبهة الداخلية التي كانت الهم الأول للنبي صلى الله عليه وآله بعد هجرته إلى المدينة .


يقول عمر عن كتابة الصلح : " فعملت لذلك أعمالا ، فلما فرغ رسول الله ، قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا . . . فوالله ما قام منهم رجل ، حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد دخل خباءه . . . " !
 

- ص 104 -

إذا ، فقد آتت الأعمال التي عملها عمر ضد الصلح أكلها وأينعت ثمارها . . فها هو عمر يقسم : " فوالله ما قام منهم أحد " ! إذا ، فقد تمرد الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله ، وتكافأوا ضد الصلح الذي ارتضاه ، ولعل ذلك مما أوحى به إليه إلهامه العمري .


يقول الثعالبي : " إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم رأى في منامه ، عند خروجه إلى العمرة ، أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه " وقال مجاهد : رأى ذلك بالحديبية ، فأخبر الناس بهذه الرؤية . . . فلما صدهم أهل مكة قال المنافقون : وأين

الرؤيا ؟ ! ووقع في نفوس بعض المسلمين شئ من ذلك ، فأجابهم النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بأن قال : وهل قلت لكم : يكون ذلك في عامنا هذا ؟ ! " ( 1 ) . وهذا هو رد النبي لعمر - كما جاء في رواية البخاري - .


وأما ابن كثير فتراه يصرح باسم عمر عند ذكره هذه الحادثة : يقول : " فلما وقع ما وقع من قضية الصلح . . . وقع في نفس بعض الصحابة رضي الله عنهم من ذلك شئ ، حتى سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك ، فقال له [ أي للنبي

صلى الله عليه وآله ] فيما قال : أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ ! قال [ صلى الله عليه وآله ] : بلى ، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ قال : لا . قال النبي عليه السلام : فإنك آتيه ومطوف به " ( 2 ) .


أما الطبري فقد ذكر أن السائل عن الرؤيا هم أصحاب محمد ، ولم يقل هم المنافقون ، كما ذكر الثعالبي . . يقول الطبري : " عن مجاهد في قوله : " الرؤيا بالحق " ، قال : أري بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين ، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية : أين رؤيا محمد ؟ ! " ( 3 ) .


وقد أورد المراغي في تفسيره ما دار بين عمر والنبي صلى الله عليه وآله ، فراجع من تفسيره سورة الفتح ( 4 ) تجد ما ذكرناه .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) تفسير جواهر الحسان للثعالبي 4 : 181 - سورة الفتح .
( 2 ) تفسير ابن كثير 4 : 201 - سورة الفتح .

( 3 ) تفسير الطبري 26 : 107 - سورة الفتح .
( 4 ) تفسير المراغي 26 : 112 - سورة الفتح . ( * ) .
 

 

- ص 105 -

فانظر إلى قول القائلين : " أين رؤيا محمد ؟ ! " تجده يعج بالسخرية والاستهزاء ورغم ذلك فقد حكم بعدالة الجميع ، وأنهم لا يتطرق إليهم الجرح ، فيا للعجب ! وسواء كان القائلون هم المنافقون أو هم أصحاب محمد ، فقد تصدرهم ابن الخطاب ،

وتولى هو محاسبة النبي صلى الله عليه وآله ومعارضته دون الناس ، إذ أنه لم يرد اسم أحد من الناس غيره قد استجوب النبي صلى الله عليه وآله .


ويقول الثعالبي : " والسكينة [ في قوله تعالى ( هو الذي أنزل السكينة . . . ) ] هي الطمأنينة إلى أمر رسول الله ، والثقة بوعد الله ، وزوال الأنفة التي لحقت عمر " ( 1 ) .

إذا ، فقد لحقت الأنفة عمر بعد فقدانه الطمأنينة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والثقة بوعد الله . لقد عارض عمر رسول الله الكريم في أمر الصلح بلا شك ، ولما تم الصلح ولم يكن عمر راضيا به عمل له أعمالا في الخفاء لعله يوفق في إبطاله ،

فكانت نتيجة تلك الأعمال أن تمرد الصحابة على أمر النبي صلى الله عليه وآله لما أمرهم بأن ينحروا ويحلقوا ، فأقسم عمر قسما تفوح منه رائحة السرور والافتخار بنتيجة ما عمل ، فقال : " والله ما قام منهم أحد " !


وقد يسأل سائل : لماذا عارض عمر النبي صلى الله عليه وآله في كتابة ذلك الصلح ؟ ولماذا حرض وألب الناس على مخالفة النبي صلى الله عليه وآله ؟ ولماذا يفعل عمر كل هذا ؟ وما هو السر من وراء تلك الأعمال ؟ نعم ، إنه لهو السؤال المنتظر ،

ولا بد له من إجابة تكشف عن حقيقة الأمر ، وينحل بها اللغز العمري ، ولكن الفاروق أراحنا وكفانا ركوب العناء والبحث عن إجابة لهذا السؤال . . يقول الثعلبي : " وقال عمر : ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ! " ( 2 ) ، أي يوم صلح الحديبية .

فالأمر إذا ، لم يكن إلهاما بنى عليه عمر اعتراضه وتأليبه الناس على أمر النبي صلى الله عليه وآله ، بل كان الأمر كما عرفت وستعرف .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) تفسير جواهر الحسان للثعالبي 4 : 180 - سورة الفتح .

( 2 ) أنظر : تفسير الثعلبي - سورة الفتح . ( * ) .  

 

- ص 106 -

ولقد روى الواقدي : " . . . ولقي عمر من القضية [ يعني قضية الصلح ] أمرا كبيرا ، وجعل يرد على رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الكلام ، ويقول : علام نعطي الدنية في ديننا ؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول :

أنا رسول الله ، ولن يضيعني ! قال : فجعل [ عمر بن الخطاب ] يرد على النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الكلام . قال [ و ] يقول أبو عبيدة بن الجراح : ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله يقول ما يقول ؟ ! تعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، واتهم

رأيك ! . . . وقال عمر : فما أصابني قط شئ مثل ذلك اليوم ، ما زلت أصوم وأتصدق مما صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت يومئذ .


فكان ابن عباس يقول : قال لي عمر في خلافته ، وذكر القضية - أي قضية صلح الحديبية - : " ارتبت ارتيابا لم أرتبه منذ أسلمت إلا يومئذ . ولو وجدت ذلك اليوم شيعة - أي مؤيدين له - تخرج عنهم رغبة عن القضية لخرجت " .


وقال أبو سعيد الخدري : جلست عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما ، فذكر القضية فقال : لقد دخلني يومئذ من الشك ، وراجعت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يومئذ مراجعة ما راجعته مثلها قط ، ولقد أعتقت فيما دخلني يومئذ رقابا

وصمت دهرا . وإني لأذكر ما صنعت خاليا فيكون أكبر همي ، فينبغي للعباد أن يتهموا الرأي . والله لقد دخلني يومئذ من الشك حتى قلت في نفسي : لو كان مائة رجل على مثل رأيي ما دخلنا فيه أبدا " ( 1 ) .


نعم ، لقد لقي عمر من القضية - وهي مما قضى به الله ورسوله - أمرا بل أمرا كبيرا ، والله تعالى يقول : ( إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين . وما صاحبكم بمجنون ) ( 2 ) .


ولكن دخل عمر ما دخله من الريب يومئذ ! وهذا الريب الذي يوضحه بقوله : ارتبت ارتيابا لم أرتبه منذ أسلمت ، زين لعمر الخروج على أمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله يوم الصلح ، إذا وجد من يشاطره الرأي في الخروج على النبي صلى الله عليه وآله وما رضي به النبي صلى الله عليه وآله .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) كتاب المغازي للواقدي 2 : 606 - 607 - غزوة الحديبية .

( 2 ) التكوير : 19 - 22 . ( * ) .  

 

- ص 107 -

وندم عمر على ما فعل داحضا بذلك تهمة الإلهام التي اتهموه بها ، وقال : " لقد أعتقت فيما دخلني يومئذ رقابا ، وصمت دهرا " ورغم ذلك فعندما يذكر عمر ما صنع حينما يكون في خلوته يشعر بثقل ذنبه ويكون أكبر همه ، ولذا توصل عمر إلى

نتيجة قنع بها في اتهام الرأي ، على أن الرأي منعدم في قبالة النص ، ولا سيما في حياة النبي صلى الله عليه وآله ، كما حدث لعمر .


ومن عجائب ما ذكره الدحلاني في قول عمر " لقد أعتقت بسبب ذلك رقابا وصمت دهرا " : " وإنما فعل ذلك لتوقفه عن المبادرة بامتثال الأمر ، وإن كان معذورا في جميع ما صدر منه ، بل مأجور ، لأنه مجتهد " ! !

ولله العجب من هذا الكلام ! أيجتهد عمر في أمر صدر من النبي صلى الله عليه وآله في حياته ؟ !

أيعد عدم امتثال عمر لأمر الله ورسوله اجتهادا في وجه النبي الكريم ؟ !

وهل كان لعمر الخيرة من أمره قبال ما قضاه الله ورسوله من قضية الصلح تلك ؟ !

وهل كان عمر يرى التسليم لأمر الله لا يلزمه ؟ !

أم أن عصمة النبي صلى الله عليه وآله ليس لها وزن أمام آراء عمر بن الخطاب ؟ !

أم يا ترى وجد عمر في قوله تعالى : ( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ( 1 )

فسحة للرد على النبي صلى الله عليه وآله وعدم المبادرة إلى امتثال أمره وللاجتهاد ضد أوامره ؟ !


وروي أنه عندما لم يقم أحد من الناس للمبادرة بامتثال أمر النبي صلى الله عليه وآله لما قال لهم : " قوموا فانحروا وحلقوا " دخل عليه وآله السلام على أم سلمة [ التي كانت معه يومئذ ] وهو شديد الغضب فاضطجع ، فقالت : ما لك يا رسول الله ؟ ! مرارا ، وهو لا يجيبها ، وذكر لها ما لقي من الناس ، وقال لها : هلك المسلمون ، أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا ، فلم يفعلوا " ( 2 ) .


فعمر لم يكن مستثنى من الناس في أمر النبي صلى الله عليه وآله بالنحر والحلق ، ولم يقم عمر ، وتثاقل مع الناس في امتثال أمر النبي صلى الله عليه وآله . ولو كان لعمر هذا الثواب بسبب هذا الاجتهاد ضد أوامر النبي صلى الله عليه وآله فلم قال النبي صلى الله عليه وآله لأم المؤمنين : " هلك المسلمون ، أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا ، فلم يفعلوا " ؟ ! .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الحشر : 7 .

( 2 ) السيرة الحلبية 3 : 23 - قصة الحديبية . ( * ) .  

 

- ص 108 -

إذا ، فليعلم الدحلاني ومن ذهب مذهبه أن عدم المبادرة إلى امتثال أمر النبي صلى الله عليه وآله ليس أنه لا يتضمن ثوابا فحسب ، بل موجب للهلاك والعذاب ، كما قال النبي صلى الله عليه وآله .


ولو كان عمر بن الخطاب - دعك من أن يكون مستيقنا من الأجر على اجتهاده ضد أوامر النبي صلى الله عليه وآله - لو كان يظن ظنا أنه مأجور على عدم المبادرة إلى امتثال أوامر النبي صلى الله عليه وآله . . لما توسل إلى الله طلبا لرضاه ومغفرته

بعتق الرقاب والصوم دهرا ، إذ أن هذا العمل يوضح ندم عمر على ما صنع مع رسول الله ، وهذا يبين إحساسه بالإثم ، لا الثواب يا سيدي الدحلاني ! غير أن إثبات عدم المبادرة إلى امتثال أوامر النبي صلى الله عليه وآله من ناحية عمر هو موضع حديثنا وهو ما نسعى إلى توضيحه .


ومن هنا يظهر بطلان حديث " اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر " ، وقول من قال : إن الشيخين لامتثالهما أمر النبي عليه وآله السلام أمر باتباعهما . ولما عاد النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه راجعين بعد صلح الحديبية إلى المدينة ، نزلت عليه بكراع الغميم - وهو مكان بين مكة والمدينة - سورة الفتح .


وقد روى البخاري ( 1 ) أن النبي صلى الله عليه وآله نادى عمر وقال له : " لقد أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس " . ثم قرأ : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) ( 2 ) ، فقال رجل من أصحابه : ما هذا بفتح ، لقد صددنا عن البيت ،

وصد هدينا ، ورد رجلان من المؤمنين كانا خرجا إلينا ! فقال النبي [ صلى الله عليه وآله ] " بئس الكلام هذا ، بل هو أعظم فتح ، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالبراح عن بلادهم ، ويسألوكم القضية ، ويرغبوا إليكم في الأمان ، وقد رأوا منكم ما كرهوا ، وأظفركم الله عليهم ، وردكم سالمين مأجورين ، فهو أعظم الفتوح .
 

أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم ؟ ! أنسيتم يوم الأحزاب ( إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح البخاري : كتاب الجهاد - باب غزوة الحديبية - ج 3 .

( 2 ) - الفتح 1 . ( * ) .  

 

- ص 109 -

الظنونا ) ؟ ! " ( 1 ) فقال المسلمون : " صدق الله ورسوله ، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا " ( 2 ) .


إقرأ مرة أخرى عزيزي القارئ خطاب ذلك الرجل لنبي الله العظيم ، عندما قرأ عليه عليهم السلام ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) : " ما هذا بفتح . . . " . وأنت قد علمت أن الذي كانت له الجرأة على رسول الله ، وكان دائما لا يخشى في الحق لومة لائم ، والذي كان متصدرا الاعتراض على النبي صلى الله عليه وآله يوم الصلح . . . إنما عمر بن الخطاب .


فمن يا ترى ذلك الرجل الذي اضطر الراوي إخفاء اسمه ، ذلك الرجل الشجاع الذي لا يخشى لومة لائم ، فقال رادا على النبي صلى الله عليه وآله : " ما هذا بفتح ، لقد صددنا عن البيت ، وصد هدينا . . . " ؟ ! من هو يا ترى ؟ ! لعل هناك فاروقا آخر لا نعلمه !
 

 

* هامش *

 
 

 ( 1 ) الأحزاب : 10 .

( 2 ) أنظر : السيرة الدحلانية : قصة الحديبية . ( * ) .  

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب