|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 109 :
|
عمر وصلاة النبي على ابن
أبي المنافق
من المواقف العمرية التي كان يرى فيها تناقض أفعال النبي
صلى الله عليه وآله مع القرآن : موقفه من النبي صلى الله عليه وآله عندما عزم
أن يصلي على جثمان ابن أبي بن أبي سلول .
يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب :
" لما توفي ابن أبي جاء ابنه فقال : يا رسول الله ، أعطني قميصك أكفنه
فيه ، وصل عليه ، واستغفر له . فأعطاه قميصه ، وقال له : إذا فرغت منه فآذنا .
فلما فرغ منه آذنه به ، فجاء [ صلى الله عليه وآله ]
ليصلي عليه ، فجذبه عمر فقال له : أليس قد نهاك الله أن
تصلي على المنافقين ، فقال لك : ( إستغفر لهم أو لا
تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) ( 3 ) ؟ !
فاعتراض عمر على النبي صلى الله عليه وآله في هذه الواقعة صريح لا يقبل التأويل
، وادعاء الاجتهاد في هذه المسألة يثير السخرية ممن يدعيه ، وممن ينسب هذا
التصرف العمري إلى غيرته الدينية . .
| |
* هامش * |
|
| |
( 3 ) صحيح البخاري 4 : 18 -
كتاب اللباس ، و 3 : 92 باب قوله تعالى ( استغفر
لهم أو لا تستغفر لهم ) .
والآية في سورة التوبة ، الآية 80 . ( *
) .
|
|
|
فعليه . . إما أن يقبل أن غيرته على الدين تفوق غيرة
النبي صلى الله عليه وآله ، أو أن غيرة عمر هذه قد أخرجته عن دائرة اعتبار مقام
النبوة ، فصار يرى النبي صلى الله عليه وآله مناقضا أو مخالفا لكتاب الله ! !
ومن عبارته : " أليس نهاك
الله أن تصلي على المنافقين ؟ ! " يتضح ذلك جليا ، لأن نهي القرآن عن شئ لازمه
مخالفة الذي لا يعمل بهذا النهي .
فالقرآن - كما يظن عمر -
قد نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الصلاة على المنافقين ، ولكن النبي صلى
الله عليه وآله صلى على المنافق ابن أبي . . فيكون بالتالي قد خالف النبي صلى
الله عليه وآله القرآن الكريم - كما يظن أبو حفص - ولذا لم
يتورع عن جذب النبي صلى الله عليه وآله من ثوبه
والاعتراض على صلاته ! ! فهذا إلهام آخر يخبر عمر بمخالفة النبي الكريم للقرآن
، فيبدو النبي صلى الله عليه وآله في هذا الموقف مخطئا ومذنبا ، ويظهر أبو حفص
مصيبا موافقا للحق والصواب ! فهل يبقل العقل هذا ؟ ! أم هل يؤيد القرآن ذلك ؟ !
!
ولما اشتد اعتراض عمر على النبي
صلى الله عليه وآله في أمر الصلاة قال له النبي صلى الله عليه وآله :" أخر عني
يا عمر إني خيرت ، قيل لي : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين
مرة فلن يغفر الله لهم ) فلو أعلم أني إن زدت
على السبعين غفر الله له لزدت " ، [ فابتعد عمر عن سبيل
النبي صلى الله عليه وآله ] فصلى رسول الله عليه ، ومشى خلفه ، وقام على قبره .
. . ( 1 ) .
فكل هذه الأفعال التي أتى بها
النبي صلى الله عليه وآله تبدو في نظر عمر مخالفات للقرآن ، ولهذا جذب النبي
صلى الله عليه وآله من ثوبه ناهيا إياه عن مخالفة القرآن ، في جرأة لم يتصف بها
إلا عمر ، ولكن لم يعبأ النبي صلى الله عليه وآله به ولا باعتراضاته ، فصلى
عليه كما رأيت .
على أن هذا الأمر كان بعيدا عن إدراك
وأفهام عمر ، وذلك لسببين :
أولا : من أين لعمر أن
النبي صلى الله عليه وآله قد نهي عن الصلاة على المنافقين ، وعلى القيام على
قبورهم في ذلك الوقت ؟ ! فالآية التي استدل بها عمر على منع الصلاة على موتى
المنافقين والقيام على قبورهم ليس فيها إشارة إلى منع الصلاة عليهم ولا نهي عن
القيام على قبورهم ، وإنما تبين عدم فائدة الاستغفار لهم ، ولو بلغ سبعين مرة ،
ولهذا قال
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) نفس المصدر السابق ، وكنز
العمال 1 : 170 / 858 . ( * ) .
|
|
|
النبي صلى الله عليه وآله لعمر : " فلو أعلم أني إن زدت
على السبعين غفر الله له لزدت " ولذا صلى النبي صلى الله عليه وآله وقام على
قبره .
فاستدلال عمر بتلك الآية
على منع الصلاة على المنافقين ليس في محله ، بل خطأ هو بليغ سقط فيه ابن الخطاب
. وأما آية المنع عن الصلاة على المنافقين والنهي عن القيام على قبورهم فلم تكن
قد نزلت قبل صلاة النبي صلى الله عليه وآله على
ابن أبي ، فعمر قد فهم من آية عدم فائدة الاستغفار منع
الصلاة ، فقال للنبي صلى الله عليه وآله : أليس قد نهاك الله أن تصلي على
المنافقين ؟ ! فمتى نهى الله نبيه عن الصلاة على المنافقين قبل الصلاة على ابن
أبي ؟ !
فلعلها آية في القرآن نسيها أو خالفها النبي صلى الله عليه
وآله ولم ينسها أو يخالفها ابن الخطاب ! ! ولعله من إلهامه الذي يفتقر إليه
النبي صلى الله عليه وآله ! فقوله تعالى : ( ولا تصل على
أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) هو النهي عن
الصلاة على أموات المنافقين والقيام على قبورهم ، وهذه
الآية نزلت بعد صلاة النبي صلى الله عليه وآله على ذلك المنافق ، ولم يقع نهي
صريح ( 1 ) .
يقول عبد الله بن عمر : " . .
. فجاء النبي [ صلى الله عليه وآله ] ليصلي عليه [ أي على ابن أبي ] فجذبه عمر
، فقال له : أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين ، فقال لك :
( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة
فلن يغفر
الله لهم ) ؟ ! [ قال عبد
الله بن عمر : ] فنزلت [ بعد ذلك ] : ( ولا تصل على أحد
منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) ( 2 ) . إذا ، فقد نزلت هذه الآية بعد
تمام الصلاة ، كما هو واضح .
أما الأمر الثاني : الذي قصرت
أفهام عمر عن إدراكه ، فهو الحكمة التي تضمنتها صلاة النبي صلى الله عليه وآله
على ابن أبي المنافق . . فمن المعروف أن النبي صلى الله عليه وآله - في سبيل
استئلاف الناس وترغيبهم في الإسلام - كان يبذل قصارى جهده ومنتهى سعيه ويبخع
نفسه من أجل أن تشملهم نعمة الإسلام ،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) إرشاد الساري لشرح
صحيح البخاري 8 : 423 - كتاب اللباس .
( 2 ) صحيح البخاري 4 : 18 - كتاب اللباس
. ( * ) .
|
|
|
لرحمته الشديدة بهم ورأفتهم عليهم ، فرحمة النبي صلى
الله عليه وآله بالناس وحكمته أوجبت عليه استئلاف قوم ابن أبي بهذه الصلاة ،
ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله لم يقصد بهذه الصلاة ابن أبي على وجه الخصوص ،
لعلم النبي صلى الله عليه وآله السابق بعدم فائدة الاستغفار له ، وإن بلغ فيه
السبعين .
على أن النبي صلى الله عليه وآله طبقا لما جاء في الحديث لم
ير أن باب الاستغفار قد أغلق ، وأنه قد نهي عن الاستغفار ، فقال : " فلو أعلم
إن زدت على السبعين غفر الله لزدت . . . " ، هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى
فابن أبي كان يظهر الإسلام .
إذا ، فهو من حيث الظاهر معدود من المسلمين ، والرسول
بصلاته على ابن أبي لم يخالف الدين في شئ ، كما ظن عمر ، بل أجرى حكم الظاهر في
الإسلام فصلى على ابن أبي ومشى خلفه وقام على قبره ، مع العلم أن منع الصلاة
على المنافقين لم يصدر إلا بعد الصلاة وتمامها ، كما علم .
هذا فيما يختص بشخص ابن أبي وما فعله النبي صلى الله عليه
وآله تجاهه ، غير أنه كان للنبي صلى الله عليه وآله حكمة ومرمى آخر لا ينتبه
إليه إلا من كانت له فطنة النبوة ، ولهذا لم يدركها عمر ومع عدم إدراكه هذا لم
يسلم لنبي الإسلام العظيم ولم يفوض الأمر إليه تبعا للقرآن ، فكان ما كان .
فما هي حكمة النبي صلى الله
عليه وآله من صلاته على هذا المنافق ؟
يقول ابن حجر : " إنما فعل
ذلك له على ظاهر حكم الإسلام واستئلافا لقومه ، مع أنه لم يقع نهي صريح . وروي
أنه أسلم ألف رجل من الخزرج " ( 1 ) [ والخزرج : هم قبيلة ابن أبي ] .
إذا ، فحكمة النبي صلى الله عليه وآله في هذا الفعل هي
استئلاف قوم ابن أبي وترغيبهم في الإسلام ، وقد حدث هذا ، إذ أسلم منهم لذلك
ألف رجل . .
ولهذا أسف أبو حفص وندم ، وقال : " أصبت في
الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قط أراد رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] أن
يصلي على ابن أبي فأخذت بثوبه ، فقلت له : والله ما أمرك الله بهذا ، لقد قال
لك : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين
مرة فلن تغفر الله لهم ) . فقال رسول الله : خيرني ربي ، فقال :
( استغفر لهم
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) إرشاد الساري لشرح
صحيح البخاري 8 : 423 - كتاب اللباس . ( * )
|
|
|
أو لا تستغفر لهم ) فاخترت
" ( 1 ) .
إذا ، فعمر لم يدع الإلهام فيما صنع مع النبي صلى الله عليه
وآله ، بل اعترف بما ارتكبه من خطأ وهفوة في الإسلام لا نظير لها ، فليذهب إذا
الإلهام أدراج الرياح ، وليبق الاعتراف بالخطأ فضيلة لأبي حفص .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) كنز العمال 1 :
247 / 4404 . ( * ) .
|
|
|
|