|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 113 :
|
ضرب عمر لمبعوث رسول
الله صلى الله عليه وآله
غير أنه لم تكن هذه الهفوة هي الوحيدة التي صدرت من جانب
أبي حفص تجاه رسول الله صلى الله عليه وآله ، فعندما أمر النبي صلى الله عليه
وآله أبا هريرة بقوله : " إذهب ، فمن لقيته يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا
بها قلبه ، فبشره بالجنة " .
فكان أول من لقيه عمر ، فسأله عن شأنه ، فأخبره بما أمره
به رسول الله صلى الله عليه وآله . يقول أبو هريرة : " فضرب عمر بيده بين ثديي
فخررت لإستي ، فقال : إرجع يا أبا هريرة ، فرجعت إلى رسول الله ، فأجهشت بكاء ،
وركبني عمر
وإذا هو على أثري ، فقال لي رسول الله : ما لك يا أبا
هريرة ؟ فقلت : لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به ، فضرب بين ثديي ضربة خررت
لإستي فقال : إرجع . فقال رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] : يا عمر ! ما حملك
على ما فعلت ؟ ملء
الفراغ قال : يا رسول الله ، أبعثت أبا هريرة بأن من لقي
الله يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه يبشره بالجنة ؟ ! فقال رسول
الله : نعم . قال : لا تفعل ، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها ، فخلهم يعملون .
. . " !
وهذه المرة كان عمر الآمر والنبي صلى الله عليه وآله مأمورا
ومطيعا ! وانعكس قوله تعالى ( أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول ) ( 2 ) ! فعمر - كما أوضحنا سالفا - لم يكن يأنس في النبي صلى
الله عليه وآله العصمة . وهذا مما فتح الباب واسعا لاعتراضاته على النبي صلى
الله عليه وآله ، بل إنه قد نهى النبي صلى الله عليه وآله عما يريد فعله !
| |
* هامش * |
|
| |
( 2 ) - النساء : 59
. ( * ) .
|
|
|
وكان عمر يحمل بين جنبيه إحساسا يجعله على قرار النبي
صلى الله عليه وآله في الأمر والنهي ، وإن كان هذا الإحساس يبلغ أحيانا أوجه ،
فيكون أبو حفص الآمر والنبي صلى الله عليه وآله المأمور !
وإلا فليس لنا تفسير لقول عمر للنبي صلى الله عليه وآله
: " لا تفعل فإني أخشى . . . " ، فهذه عبارة تبين بكل وضوح أن عمر أجلس نفسه في
ذلك المقام الذي أشرنا إليه : مقام الآمر والناهي لرسول الله . وبقوله : " إني
أخشى . . . " يبين
إحساسه بعدم قصوره عن النبي صلى الله عليه وآله في شئ ،
وكأنه يقول لرسول الله الكريم : إن كنت ترى تبشير الناس بالجنة - حين يستيقنون
من وحدانية الله - أمرا لا بأس فيه . فأنا أرى أنه ليس صحيحا ! إذا ، فقد تساوت
كفته مع كفة النبي
صلى الله عليه وآله ! ! وهو بقوله : " لا تفعل " يبين
إحساسه بصواب رأيه وعدم صواب قول النبي صلى الله عليه وآله ! وليس هذا فحسب ،
إذ يتضمن ذلك الإحساس أيضا إحساسه بالأمر والنهي للنبي صلى الله عليه وآله ،
وهنا تترجح كفة
عمر ! . . . فلو كان الأمر مجرد نظر من عمر ورأي ليس له
قوة الأمر لأخذ شكلا آخر ، ولكن القرائن تشير إلى أن عمر لم يكن يحمل في نفسه
إلا الشعور بالأمر والنهي ، ولم يتعقب أبا هريرة ويلحق به إلا لينهى النبي صلى
الله عليه وآله عن
هذا الأمر ! وضربه لأبي هريرة بتلك الصورة لأكبر دليل
وأدل قرينة على ذلك ، لأن النزعة الآمرة والناهية في نفس عمر جعلته يشعر بوقوع
حتى أبي هريرة في الغلط ، واشتراكه في اجتراح الخطأ .
وإحساس عمر تجاه النبي صلى الله عليه وآله يتضح عملا في
تصرفه مع أبي هريرة بهذه الصورة . على أن هذا الإحساس العملي تجاه النبي صلى
الله عليه وآله لا يظهر من عمر إلا في شخص رسول رسول الله ، وذلك لاستضعافه
المسكين أبا هريرة .
ولما كان هذا الإحساس منه تجاه النبي صلى الله عليه وآله
يغور في أعماقه دون الظهور إلا في ألفاظه وأقواله تراه يتضح في الاعتراضات
والمخالفات التي لا يسمح عمر الآمر والناهي بإخفائها في أعماقه . . ولهذا قال
للنبي صلى الله عليه وآله "
لا تفعل " بكل ارتياح . ولو كان عمر قانعا بقوله تعالى
في شأن مقام النبي صلى الله عليه وآله : ( وما ينطق عن
الهوى . إن هو إلا وحي يوحى ) ( 1 ) ، ولو فهم منه عصمة النبي صلى الله
عليه وآله وأن قول
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) النجم : 20 و
21 . ( * )
|
|
|
النبي صلى الله عليه وآله وحي من الله تعالى . .
أقول : لو كان قد استيقن عمر
ذلك ، لم يكن ليتفوه بكل ما تفوه به ، ولما عارض أبدا . غير أن القوم -
كالمعهود - يسعون إلى تصحيح ما صدر من عمر مهما كان ، ولو أدى ذلك إلى انتقاص
من مقام النبي صلى الله عليه وآله ، حتى يبقى مقام
عمر محفوظا من حيث لا يشعرون ! فلو كان عمر رأى أن
الأصلح عدم تبشير الناس . . فإما أن يكون النبي صلى الله عليه وآله عالما بهذا
الأصلح ، أو لم يكن عالما . . . فإن كان النبي صلى الله عليه وآله يعلم بالأصلح
ويأمر بغيره فقد خالف
الوحي ، لأن الوحي لا يأمر إلا بالأصلح ، ويكون النبي
صلى الله عليه وآله قد أمر بما أملى عليه هواه ، وهذا يخالف قوله تعالى :
( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى )
.
وإن كان لا يعلم بالأصلح فالقائل بهذا عليه أن يسعى للعودة
إلى حظيرة الإسلام بالتوبة . ثم ماذا نقول في ضرب عمر أبي هريرة ؟ ! وأي صلاح
في ذلك الضرب ؟ !
وأين عمر من قوله تعالى : ( محمد
رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) ؟ ! أم أن أبا
هريرة في نظر عمر لم يكن ممن هم مع محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ، فكان
شديدا عليه ؟ ! غير أننا لا نملك إلا التعجب ممن يصحح تصرفات عمر هذه . . والله
المستعان .
|