- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 115 :

عمر ورزية يوم الخميس


ويستمر سيل الاعتراضات العمرية على أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وآله ، ويبلغ شأوا بعيدا في " يوم الخميس " يوم كان النبي صلى الله عليه وآله على فراش الاحتضار ينتظر لحظات الموت ! ولقد كان لعمر في ذلك الموقف أصلب

الاعتراضات وأشدها ضد النبي صلى الله عليه وآله وأقواله ، وهذا الموقف العجيب نشاهده في قصة يوم الخميس ، أو كما يسميها ابن عباس ب‍ " رزية يوم الخميس " .

 

- ص 116 -

ولقد وقعت هذه الحادثة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بأربعة أيام ، إذ توفي صلى الله عليه وآله بعدها في يوم الاثنين . أخرج البخاري ، عن عبد الله بن مسعود ، عن ابن عباس : قال : " لما حضر رسول الله ( ص ) ، وفي البيت رجال كان

فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي ( ص ) : هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده. فقال عمر : إن النبي [ صلى الله عليه وآله ] قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . . فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قربوا يكتب لكم

النبي كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر . فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي ( ص ) قال لهم : " قوموا " . . - قال ابن مسعود - : فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم " ( 1 ) .


وروى هذا الحديث مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده أيضا ( 2 ) لقد ذكر أن عمر قال : " إن النبي قد غلب عليه الوجع " . وفي الحقيقة أن هذه العبارة ليست هي التي ذكرها عمر على التحقيق واصفا بها رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإنما هي معنى ما تفوه به ابن الخطاب في رده على طلب النبي صلى الله عليه وآله !


وهذا ما يؤكده حديث أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجواهري ، حيث يروي عن ابن عباس أنه قال : " لما حضر رسول الله الوفاة ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] : ائتوني بداوة وصحيفة أكتب لكم

كتابا لا تضلوا بعده ، قال : فقال عمر كلمة معناها أن الوجع قد غلب على رسول الله ( ص ) . ثم قال [ أي عمر ] : عندنا القرآن ، حسبنا كتاب الله ! فاختلف من في البيت واختصموا ، فمن قائل : قربوا يكتب لكم النبي ، ومن قائل ما قال عمر [ أي الكلمة التي تعني أن الوجع قد غلب على النبي صلى الله عليه وآله ] . فلما أكثروا اللغط واللغو
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح البخاري : كتاب المرضى - باب قول المريض قوموا عني ، وكتاب العلم من صحيح البخاري ج 1 .
( 2 ) صحيح مسلم : كتاب الوصايا - ج 2 : وأحمد بن حنبل في مسنده 1 : 325 و 355 . ( * ) .

 

 

- ص 117 -

والاختلاف ، غضب ( ص ) فقال : قوموا " ( 1 ) .


إذا ، فعمر لم يقل في رده على النبي صلى الله عليه وآله : إن النبي قد غلب عليه الوجع ، وإنما قال كلمة تحمل هذا المعنى مع احتوائها على معان أخر . . فما هي تلك الكلمة التي أحجم يراع الرواة عن إثباتها على صفحات القرطاس ؟ !


يروي البخاري في صحيحه ، عن ابن عباس أنه قال : " يوم الخميس ، وما يوم الخميس ؟ ! ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء ، فقال : اشتد برسول الله ( ص ) وجعه يوم الخميس ، فقال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ،

فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا : هجر رسول الله ( ص ) ! قال ( ص ) : دعوني ! فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ! وأوصى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، ( قال ) : ونسيت الثالثة " ( 2 ) !


فالشئ الواضح في تلك الأحاديث أن المبادر بالرد على رسول الله صلى الله عليه وآله اطرادا هو عمر بن الخطاب ، والناس تبع له فيما يقول . . وهذا واضح في عبارة " ومنهم من يقول ما قال عمر " ، وعبارة " ومن قائل ما قال عمر " فعمر إذا ، هو المبادر إلى الرد على رسول الله الكريم ، والناس إنما نسجوا على منواله .


ثم كانت الكلمة التي استعاض عنها الرواة بذكر معناها ، وهي هجر رسول الله ، حيث أوردها البخاري في الحديث الأخير ، ولكنه عبر عنها بما قاله الناس ، مع علمنا بأن الناس كانوا يقولون ويرددون ما كان يقوله عمر . إذا ، فالذي قال في البدء ونسج الناس على منواله هو عمر بن الخطاب لا غير .


إن صحة هذه الحادثة وهذه الرزية مما لا شك فيه ولا يشوبها الريب . ثم إن فظاعة الواقعة جعلت القوم يبذلون المهج عبثا في الحصول على تفسير لائق يدفع تهمة الرد
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجواهري .
( 2 ) صحيح البخاري : كتاب الجهاد والسير - باب جوائز الوفد ، وصحيح مسلم : كتاب الوصية . ( * ) .

 

 

- ص 118 -

والاعتراض عن الفاروق الذي واجه النبي صلى الله عليه وآله واتهمه بالهجر والهذيان والخطرفة التي تعتري المريض وفاقد الوعي ! ! وقد ذكر عمر أن النساء اللائي كن حاضرات في ذلك الوقت قلن من خلف الستار :" ألا تسمعون ما يقول رسول

الله ( ص ) ؟ ! قال عمر : إنكن صويحبات يوسف ، إذا مرض عصرتن أعينكن ، وإذا صح ركبتن عنقه ! قال [ عمر ] : فقال رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] دعوهن فإنهن خير منكم " ( 1 ) .


إن شدة الاعتراض العمري وسوء التصرف تجاه أمر النبي صلى الله عليه وآله الذي بدر منه، ورده الواضح لسنة النبي صلى الله عليه وآله جعل القوم في ذهول عن مقام النبوة ، ودفعهم صعوبة الموقف إلى زهق الأرواح في سبيل الحصول على

اعتذار عما صدر من ابن الخطاب ! فماذا قال المعتذرون في تبرير شدة عمر على النبي صلى الله عليه وآله في هذا الأمر ؟ لبيان ما أورده المعتذرون عن عمر ومن تابعه في تلك المعارضة . .


ننقل ما دار بين الشيخ سليم البشري - شيخ الأزهر الشريف في زمانه - والسيد شرف الدين الموسوي في مسألة رزية يوم الخميس هذه ، إذ يمثل هذا الحوار القمة في البحث العلمي القائم على الإنصاف والعدل وبيان الحقيقة ، بعيدا عن الأغراض وتتبع العورات والمساءات .


ولا غرو ، إذ كان الرجلان من جهابذة علماء المسلمين ، وقد كان الحوار بحق مثالا يقتدى في بحث الأمور الخلافية بين من اختلفت مشاربهم من الفرق الإسلامية ، وهم ينتمون إلى هذا الدين الحق ، لم ينقطع بينهم الأصل الرابط حتى يتعسر عليهم الاتفاق .


يقول الشيخ سليم : " لعل النبي عليه السلام حين أمرهم بإحضار الدواة والبياض لم يكن قاصدا لكتابة شئ من الأشياء ، وإنما أراد بكلامه مجرد اختبارهم لا غير . فهدى الله عمر الفاروق لذلك دون غيره من الصحابة ، فمنعهم من إحضارها .

فيجب - على هذا - عد تلك الممانعة في جملة موافقاته لربه تعالى ، وتكون من كراماته رضي الله عنه " . هكذا أجاب بعض الأعلام . . . لكن الإنصاف أن قوله صلى الله عليه وآله : " لن تضلوا بعده " لا يخفي أن الإخبار بمثل هذا الخبر لمجرد الإخبار إنما هو من نوع الكذب الواضح الذي

 

* هامش *

 
 

 ( 1 ) كنز العمال 3 : 138 . ( * ) .

 

 

- ص 119 -

يجب تنزيه الأنبياء عنه ، ولا سيما في موضع يكون ترك إحضار الدواة والبياض أولى من إحضارها . على أن في هذا الجواب نظرا من جهات أخر ، فلا بد هنا من اعتذار آخر . . حاصل ما يمكن أن يقال [ فيه ] : إن الأمر لم يكن أمر عزيمة

وإيجاب حتى لا تجوز مراجعته ويصير المراجع عاصيا ، بل كان أمر مشورة ، وكانوا يراجعونه صلى الله عليه وآله في بعض تلك الأوامر لا سيما عمر ، فإنه كان يعلم من نفسه أنه موفق للصواب في إدراك المصالح وكان صاحب إلهام من الله

تعالى ، وقد أراد التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض والوجع .

وقد رأى رضي الله عنه أن ترك إحضار الدواة أولى . . وربما خشي أن يكتب النبي صلى الله عليه وآله أمورا يعجز الناس عنها فيستحقون العقوبة بسبب ذلك ، لأنها تكون منصوصة لا سبيل إلى الاجتهاد فيها ، ولعله خاف من المنافقين أن يقدحوا

في صحة ذلك الكتاب لكونه في حال المرض فيصير سببا للفتنة ، فقال " حسبنا كتاب الله " لقوله تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) وقوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ! وكأنه رضي الله عنه أمن من ضلال الأمة حيث أكمل الله لها الدين

وأتم عليها النعمة . هذا جوابهم ، وهو كما ترى ! لأن قوله صلى الله عليه وآله : " لن تضلوا " يفيد أن الأمر أمر عزيمة وإيجاب ، لأن السعي فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة بلا ارتياب . واستياؤه [ صلى الله عليه وآله ] منهم

وقوله لهم : " قوموا ! " حين لم يمتثلوا أمره دليل آخر على أن الأمر إنما كان للإيجاب لا للمشورة . [ فإن قلت : لو ] كان واجبا ما تركه النبي صلى الله عليه وآله بمجرد مخالفتهم ، كما أنه لم يترك التبليغ بسبب مخالفة الكافرين .


فالجواب : أن هذا الكلام لو تم فإنما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب لم تكن واجبة على النبي [ صلى الله عليه وآله ] بعد معارضتهم له عليه السلام .

وهذا لا ينافي وجوب الإتيان بالدواة والبياض عليهم حين أمرهم النبي [ صلى الله عليه وآله ] به وبين لهم أن فائدته الأمن من الضلال ، إذ الأصل في الأمر

- ص 120 -

إنما هو الوجوب على المأمور ، لا على الآمر ، لا سيما إذا كانت فائدته عائدة على المأمور خاصة ، والوجوب عليهم هو محل الكلام لا الوجوب عليه [ صلى الله عليه وآله ] . على أنه يمكن أن يكون واجبا عليه أيضا ، ثم سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم وبقولهم : " هجر " ، حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة ، كما قلت حرسك الله .
 

وربما اعتذر بعضهم ، بأن عمر رضي الله عنه ومن قالوا يومئذ بقوله لم يفهموا من الحديث أن ذلك الكتاب سيكون سببا لحفظ كل فرد من أفراد الأمة من الضلال على سبيل الاستقصاء ، بحيث لا يضل بعده منهم أحد أصلا ، وإنما فهموا من قوله :" لن تضلوا " إنكم لا تجتمعون على الضلال بقضكم وقضيضكم ، ولا تتسرى الضلالة بعد كتابة الكتاب إلى كل فرد من أفرادكم .


وكانوا رضي الله عنهم يعلمون أن اجتماعهم بأسرهم على الضلال مما لا يكون أبدا، وبسبب ذلك لم يجدوا أثرا لكتابته، وظنوا أن مراد النبي [ صلى الله عليه وآله ] ليس إلا زيادة الاحتياط في الأمر ، لما جبل عليه من وفور الرحمة ، فعارضوه تلك

المعارضة ، بناء منهم أن الأمر ليس للإيجاب وأنه إنما هو أمر عطف ومرحمة ليس إلا ، فأراد التخفيف عن النبي [ صلى الله عليه وآله ] بتركه إشفاقا منهم عليه [ صلى الله عليه وآله ] .


هذا كل ما قيل في الاعتذار عن هذه البادرة ، ولكن . . من أنعم النظر فيه جزم ببعده عن الصواب ، لأن قوله صلى الله عليه وآله " لن تضلوا بعده " يفيد أن الأمر للإيجاب - كما ذكرنا - واستياؤه منهم دليل على أنهم إنما تركوا من الواجبات ما هو أوجبها وأشدها نفعا ، كما هو معلوم من خلقه العظيم .


ويختم الشيخ سليم رحمه الله قوله قائلا : فالأولى أن يقال في الجواب : هذه قضية في واقعة كانت منهم على خلاف سيرتهم ، كفرطة سبقت ، وفلتة ندرت ، لا نعرف وجه الصحة فيها على سبيل التفصيل ، والله الهادي إلى سواء السبيل .


يقول الإمام شرف الدين الموسوي : قلت قد استفرغ شيخنا وسعه في الاعتذار عن هذه المعارضة ، وفي حمل المعارضين فيها إلى الصحة ، فلم يجد إلى ذلك سبيلا . لكن علمه واعتداله وإنصافه كل ذلك أبى عليه إلا أن يصدع برد تلك الترهات ، ، ولم يقتصر في تزييفها على وجه واحد ، حتى استقصى ما لديه من الوجوه ، شكر الله حسن بلائه في ذلك .


 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب