- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 16 :

وجوب التحقيق في أمر العقيدة


والحصول على هذا اليقين أولى ما يكون في العقيدة ، إذ أنها أصل لكل فرع ، وفساده في فسادها الذي هو موجب لكل فساد لا محالة ، إذ العقيدة هي التي نعنيها بالتحقيق والتصحيح حتى تبدو وقد تأسست على الحقيقة واليقين ، فلا بد إذا من التحقيق من سلامتها بالفحص وإعادة النظر وتقليب البصر وإعمال الفكر والتدبر في أحوالها .


والعقيدة لا تورث حتى ندعها للفطرة وحدها ، والاتكاء على اعتقاد الأسلاف والآباء والأجداد ممنوع : ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ، أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) ( 1 ) ؟

وأرجو أن يظن أحد أن هذا منحصر بنقض عقائد المشركين التي ورثوها عن أسلافهم فحسب ، بل يمتد ليشمل العقيدة التي ورثها أصحابها عن الأسلاف ، ظنا منهم أنها من الإسلام في شئ .


والسبب في ذلك أن عقائد المسلمين قد تلونت وتقسمت وتعددت وتفرعت بسبب الاختلافات والفتن التي عصفت بالرعيل الأول من المسلمين ، وما ورد على عقائدهم من عقائد الأمم والوافدين .


ولو لم يكن غير هذا لكان كافيا في إيجاب النظر والبحث في ما بلغنا من اعتقاد السابقين ، ولكن الرسول ( ص ) قد صرح محذرا أمته إذ يقول ( ص ) ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ) . إذا فالاختلاف الذي وقع
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) المائدة : 104 . ( * )

 

 

- ص 17 -

بين المسلمين إلى اليوم يؤيد ما ذهبنا إليه في وجوب التحقيق والبحث في ما بلغنا من اعتقاد ، وإلا فكيف نطمئن على حصول السلامة وبلوغ النجاة ؟ وكيف نثبت ذلك ونقيم عليه الدليل والحجة ؟ هذا أمر لا أظن سيستهونه مسلم ارتبط مصيره بيوم فيه

حساب ثم ثواب أو عقاب ولا إنسانا صدق باليوم الآخر ولا يرجو فيه النجاة والسلامة ، فالتحقيق والبحث هو السبيل إلى بلوغ هذه الغاية والحصول على النجاة المطلوبة .


وما يجدر الإشارة إليه أن الذي يفجعون بالمصير السئ والنهاية والمشؤومة في تلك الحياة الأخرى هم الذين سكنت نفوسهم للموروث من العقائد ، ظنا منهم أنه الحق ، وتلذذت أنفسهم بنشوة الغفلة وهدأة النفس لها ، ولما أصابوه من هذه الحياة .


وهؤلاء إما أنهم قد أطلقوا للنفس زمامها وحبلها على غاربها بالتهاون والتساهل في أمر الدين ونسيان الحياة الآخرة وعدم مراعاة أمرها بتصحيح اعتقاد أو أداء تكليف ، أو أنهم ركنوا إلى الأوهام في اعتقادهم وغاصوا في بحار التوهم بحثا عن

اللؤلؤ ، دون أن يتفطنوا إلى أن اعتقادا كهذا لا وجود له حتى يأتي باللؤلؤ النفيس ، فليس الوهم إلا عدم محض لا يوجد إلا في الخيال . أو أن هؤلاء قد استلقوا في أحضان الظن في أمر العقيدة. وذاقوا بهذا يسيرا من مذاق الحقيقة بعد اختلاطها بقدر

جم من الباطل ، وهم في غمرة هذا المذاق الحلو الذي يتلمظونه بين كم من المرارة ركنوا لمذاق الباطل الذي خلطوه به ظنا منهم أن للحق مذاقا كهذا إذ أنهم خطوا عملا صالحا بآخر سيئا ( إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا )( 1 )


والذين يمحصون اعتقادهم الديني ليبلغ حد اليقين أو قدرا من اليقين تضعف نسبة الشك والظن فيه بصورة تجعل مقدار الشك لا يؤدي وجوده إلى زوال الطمأنينة في الاعتقاد ، فهؤلاء أقرب من غيرهم إلى النهج الذي رسمه النبي الأكرم ( ص ) لكي

يسير عليه الناس ، بل هؤلاء لا يعجزون عن التماس الأدلة والحجج القوية على اعتقادهم هذا من حيث موافقته لآيات القرآن وأحاديث النبي ( ص ) ومسلمات العقل وفطرياته ، فهم في
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) النجم : 28 . ( * )

 

 

- ص 18 -

حقيقة الأمر يأنسون ، في اعتقادهم الممحص هذا ، إلى التفسير السليم لنقاط الخلاف بينهم وبين الفرق الأخرى ، تفسير يخلوا من التكليف الذي لا يرضى أبدا في مثل هذه المواقف ، بل يقفون على أعتاب التفسير الحكيم لهذه النقاط الخلافية دون أن

تتلجلج النفوس الحرة في قبوله ودون أن يخالفه القرآن أو الحديث أو مقتضيات العقل المتوازنة فهكذا يجب أن يكون الاعتقاد في المسائل الدينية الأصلية ، ولا يتأتى ذلك إلا ببذل الهمم في البحث والتحقيق - كما أسلفنا - والتنائي عن العصبية والجاهلية والتقليد الأعمى .

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب