- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 153 :

الباب الثاني إجماع الصحابة على أبي بكر رضي الله عنه


اعتبار أهل السنة لهذا الدليل هو وليد اعتبار الدليل الأول ، فهم يقولون إنه لما علم الصحابة باستخلاف النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر في الصلاة - وهي الإمامة الصغرى - فقد فهموا من ذلك إمامة أبي بكر الكبرى ، فاجتمعوا عليه واختاروه

خليفة لهم ، يفزعون إليه بعد النبي صلى الله عليه وآله ، ولهذا تمت البيعة منهم لأبي بكر دون اختلاف أو اختصام . ولما كان الاجماع حجة فقد صحت خلافته ، وصارت بذلك حجة على جميع المسلمين في بقاع الأرض .


يقول المناوي " قال أصحابنا في الأصول : يجوز أن يجمع عن قياس ، كإمامة أبي بكر هنا ، فإن الصحب أجمعوا على خلافته - وهي الإمامة العظمى - ومستندهم القياس على الإمامة الصغرى ، وهي الصلاة بالناس بتعيين المصطفى " ( 1 ) .


وهكذا صاغ القوم دليل الاجماع إثباتا لخلافة أبي بكر الصديق ، كما صاغوا قبله دليل الاستخلاف في الصلاة . لقد لجا القوم إلى القول بالإجماع ، فإلى أي لجأ لجأوا وعلى أي دليل اعتمدوا ؟ استبدلوا والله القياس بالنص ، والظن باليقين . وصاغوا من ذلك أركانا شيدوا عليها خلافة
 

 

* هامش *

 
 

 1 - فيض القدير ، شرح الجامع الصغير 5 : 521 . ( * )

 

 

- ص 154 -

الصديق ، ولعمر الله لهو بنيان أسس غير أساسه ، واعتقاد لا مستند له إلا القياس والظن .


إن القول بالإجماع في خلافة أبي بكر الصديق لا يرضى به المحققون والواقفون على حوادث السقيفة ، ولا يعيرون هذا القول اهتماما .

إن القول بالإجماع هنا قول لا يثير إلا التعجب والحيرة ممن يقول بذلك ، لا سيما عندما نعلم أن القائلين بالإجماع هذا هم من أصحاب الأسماء العلمية كالمناوي وابن تيمية المعروف بشيخ الإسلام وغيرهما ، فمنهم يتعجب الإنسان بحق ، ويقف أمدا

يتفكر في كلامهم وقولهم في الاجماع، ويسعى بكل جهد ليجد مبررا لإصرار هؤلاء على القول بالإجماع في خلافة الصديق، ويبذل ما لديه من أعذار لكي تحتفظ تلك الأسماء بمقامها في المحافل العلمية ، ولكن دون أن يجد لذلك سبيلا فيعلم أنه هو التسرع منهم في إبداء الرأي دون النظر في مصادر الخبر ، ودون التحقيق فيما يقولون .


وربما فاحت من هذا الرأي الرائحة الأموية التي أزكمت الأنوف ردحا من الزمان ، فاستحال عليها أن تتنسم العطر النبوي في علي عليه السلام وأهل بيته الكرام .


يقول المناوي : " . . فإن الصحابة أجمعوا على خلافته " ( 1 ) ، أي خلافة الصديق .

ويقول ابن تيمية : " كل من له خبرة بأحوال القوم يعلم علما ضروريا أنه لم يكن مخاصمة في أمامة الثلاثة " ( 2 ) .

ولكن ، كيف هذا ؟ ! فالخصام والنزاع الذي نشب في يوم السقيفة لم يكن له سبب سوى الخلافة والإمامة ، وهو خلاف خصام من الظهور بمكان لا يخفى على طلاب علم التاريخ ، فكيف بشيوخه ؟ !


ونحن عندما نرى كتب الأخبار والسير تعج بالإشارات إلى الاختلاف والخصام في مسألة الخلافة ، نشعر بالخجل من قوله هؤلاء العلماء ! إن الأنصار عندما سبقوا المهاجرين إلى السقيفة ، لم يكن عزمهم أداء الواجب
 

 

* هامش *

 
 

 1 - فيض القدير ، شرح الجامع الصغير 5 : 521 . 2 - منهاج السنة 3 : 217 - 218 . ( * )

 

 

- ص 155 -

لأبي بكر بالبيعة له ، بل يسارعوا إلى هناك إلا لتنصيب سيدهم ورئيسهم سعد بن عبادة خليفة لرسول الله ، فالأنصار لم تكونوا يرون لأبي بكر حقا في أمر الخلافة ، فكيف أجمعوا على بيعته ؟ !


روي : " أن عمر الخطاب لما سمع بخبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة أتى منزل النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وأبو بكر فيه ، فأرسل إليه أن اخرج إلي . فأرسل إليه : إني مشتغل ، فقال عمر : قد حدث أمر لا بد لك من حضوره ، فخرج إليه فأعمله الخبر . . . قال عمر : فأتيناهم وكنت قد زورت كلاما أقوله لهم " ( 1 ) .


فلو كانت خلافة الصديق قامت على الاجماع فهذا يفيد أن حقه في الخلافة أمر قد سملت به الجموع من قبل وسكنت له فيما مضى النفوس ، ولهذا لم يكن عمر مضطرا لأن يزور كلاما ليقوله للأنصار في أمر الخلافة ، وإلا فلماذا قول الزور إذا ؟ ! إن ما اضطر عمر لتزوير الكلام هو ما علمه من مخالفة الأنصار لهم في أمر الخلافة ، وهو واضح .


فقد روي : أن الحباب بن المنذر - وهو من كبار الأنصار - كان لهم عندما اجتمعوا في السقيفة :" يا معشر الأنصار، املكوا عليكم أمركم ، فإن الناس في ظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا يصدروا إلا عن رأيكم ، وأنتم أهل العز وأولو

العدد والمنعة وذوو البأس ، وإنما ينظر الناس ما تصنعون . ولا تختلفوا فيفسد عليكم أمركم ، فإن أبي هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنكم أمير " ( 2 ) .


ولما جاء أبو بكر وعمر إلى السقيفة ، احتجا على الأنصار بأدلة تجعل الاجماع على أبي بكر ليس أولى من الاجماع على علي عليه السلام ، بل تجعل الاجماع على زوج البتول عليه السلام على قمة الأولوية . لماذا ؟ لأن أبا بكر وعمر احتجا على الأنصار بقرابتهم من رسول الله ، إذ أنهما عشيرته
 

 

* هامش *

 
 

 1 - الكامل في التاريخ لابن الأثير 2 : 328 - حوادث سنة إحدى عشرة .
 2 - الكامل في التاريخ 2 : 329 - حوادث سنة إحدى عشرة . ( * ) .

 

 

- ص 156 -

وعترته ! إذا ، فبأي شئ كانت لأبي بكر هذه الأولوية ، فيكون بها الاجماع ؟

ومن له الحق في الاحتجاج بالقرابة من النبي النبي صلى الله عليه وآله ؟ ومن هم عترته ؟ ولما سمع الأنصار مقالة أبي بكر ، قال الحباب : " يا معشر الأنصار ، املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن

أبوا عليكم فاجلوهم من هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور ، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم ، فإنه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين . أنا جذيلها المحك وعذيقها المرجب ، أنا أبو شبل في عرينة الأسد ، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة [ أي فتية ] . فقال عمر : إذا ، ليقتلك الله ! فقال [ الجباب ] : بل إياك يقتل " ( 1 ) .


فاقرأ أيها القارئ وتدبر ما ذكرنا ، فأين شاهد الاجماع على خلافة أبي بكر ؟ وإن لم يكن في هذا الكلام شئ ينفي الاجماع على خلافة الصديق سوى قول الحباب : " فإن أبوا عليكم فاجلوهم من هذه البلاد ، وتولوا عليهم هذه الأمور " لكان هذا القول وحده مفحما لمن يدعي إجماع المسلمين على الخليفة الأول .


ثم إن من أشهر المخالفين لخلافة أبي بكر هو الإمام علي عليه السلام وزوجته البتول بنت الرسول النبي صلى الله عليه وآله . وهذا مما لا يخفي إلا على مكابر ينكر الواقع وحقائق الأشياء ، بل لقد خالف أبا بكر في خلافته كل بني هاشم وغيرهم من الصحابة .


فهذا هو البخاري يشهد بذلك ، إذ يقول عن الزهراء الطاهرة عليها السلام : " فما زالت غضبى عليها - أي على أبي بكر وعمر - حتى توفيت . ولم يبايع علي ولا أحد من بني هاشم ستة أشهر حتى توفيت فاطمة [ عليها السلام ] " ( 2 ) .


ولا أدري والله ! أي إجماع ينعقد ولم يكن فيه هؤلاء ، ؟ !

بل ويأبى الاجماع انعقادا وليس فيه علي ، ولم تؤيده فاطمة بنت النبي عليها السلام . وكيف لإجماع - لو فرض أنه منعقد

 

* هامش *

 
 

 1 - الكامل التاريخ 2 : 330 .                        2 - صحيح البخاري 5 : 256 ، 288 ، صحيح مسلم 3 : 52 ، 138 . ( * )

 

 

- ص 157 -

بدونهم - أن يكون حجة على غيرهم ، فضلا أن يحتج به عليهم ؟ ! ، وأي دين يستقيم دون علي أبنائه ، ودون أن يكونوا هم مصادره وهم موارده ؟ !


ولعمري ، فإن عمر بن الخطاب المؤيد : الأول لأبي بكر والمهندس الحاذق لخلافة فلتة كفلتة الجاهلية ، وقى الله المسلمين شرها " ، قوله : " كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمت ، وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها ، فمن بايع رجلا من غير مشورة المسلمين فإنه لا بيعة له . . . " إلى أن قال : " وإنه قد كان من خبرنا حين توفي نبية ( ص ) أن الأنصار خالفونا " ( 1 ) .


ونحن بعد إثبات مخالفة الآخرين ، إذا الحجة بهم كاملة ، ودعوى الاجماع بدونهم باطلة . ولكن لا بأس بإيراد ذكرهم ، فلعل الغافلين عن هذا الأمر أن يعوه . بعد أن وصل خبر خلافة أبي بكر إلى بني هاشم اعتصموا في بيت علي عليه السلام ،

رفضا لخلافة ابن أبي قحافة ، فاعتصم معهم : " المقداد بن عمرو ، وخالد بن سعيد ، وأبو ذر الغفاري ، والبراء بن عازب ، وابن التيهان ، وسلمان الفارسي ، وعمار بن ياسر ، وأبي بن كعب ، وعبادة بن الصامت ، وحذيفة بن اليمان " ( 2 ) ، إضافة إلى : " الزبير بن العوام ، وطلحة " ، ( 3 ) فلقد كانا من المخالفين لبيعة الصديق ومن المتخلفين عنها .


ولهذا ، توعد عمر المتخلفين في بيت الزهراء عليها السلام ، وقال : " والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على فيها ! فقيل له : إن فيها فاطمة ! فقال وإن ! ! ! وأرسل قنفذا مولى أبي بكر إلى على [ عليه السلام ] ليدعوه . فقال : يدعوك خليفة رسول الله .

 

* هامش *

 
 

 1 - تاريخ الطبري 2 : 446 ، وسيرة ابن هشام 658 1 ، السقيفة للجواهري ص 44 .
 2 - تاريخ اليعقوبي 2 : 124 تاريخ ابن خلدون 3 : 214 ، تاريخ أبي الفداء 2 : 63 .
 3 - الكامل في التاريخ 2 : 325 ، تاريخ الطبري 3 : 198 . ( * )

 

 

- ص 158 -

فقال علي ( ع ) : لسريع ما كذبتم رسول الله ! فلما عاد قنفذ إلى أبي بكر وأخبره بقول علي ( ع ) قال عمر لأبي بكر : لا تهمل هذا المتخلف عنك في البيعة . فأرسل قنفذا إلى علي ( ع ) مرة أخرى ، فقال لعلي [ عليه السلام ] : خليفة رسول الله

يدعوك لتبايع . فقال علي [ عليه السلام ] : سبحان الله ، لقد ادعى ما ليس له ! فقام عمر ومعه جماعة وأتوا بيت فاطمة ودقوا الباب ، فلما سمعت [ فاطمة ] أصواتهم نادت بأعلى صوتها : " يا أبت ! يا رسول الله ! ماذا لقينا بعدك من ابن أبي الخطاب ! ! " .


ثم أخرجوا عليا ( ع ) ومضوا به إلى أبي بكر . . فقال له : بايع ! فقال علي [ عليه السلام ] : أنا أحق بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي . فقيل له : لست متروكا حتى تبايع . فقال : إن أنا لم أفعل فم ؟ قالوا : إذن والله الذي لا إله إلا

هو نضرب عنقك . فقال : إذن والله تقتلون عبد الله وأخا رسول الله . فقال عمر : أما عبد الله فنعم ، وأما أهو رسول الله فلا ! وأبو بكر ساكت . . فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟ ! فقال : لا أكرهه على شئ ، ما كانت فاطمة إلى جنبه ؟ ! فلحق

علي [ عليه السلام ] بقبر رسول الله يصيح وينادي : : " ( ابن أم ! إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ) " ! ! ( 1 ) فهل بعد هذا يستطع أحد أن يعتمد قول المناوي وابن تيمية وغيرهما أو يذهب مذهبهم في ادعاء الاجماع في خلافة أبي بكر

الصديق ؟ ! أو ليس قولهم هذا مثيرا للعجب حقا ؟ ! وبأي شئ نفسره غير اتباع السياسة والتعصب والتقليد الذي يخفي عن الأبصار

 

* هامش *

 
 

 1 - الفتوح لابن أعثم 1 : 13 الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 : 12 - 13 ، أعلام النساء 4 : 114 - 115 . ( * ) .

 

 

- ص 159 -

الحقيقة ويعمي عليها ؟ ! إن مخالفة الإمام علي عليه السلام وبني هاشم وعدد كبير من الصحابة كان أمرا معلوما للجميع ومشهورا بين الناس في ذلك الوقت ، إذ أن القوم قد أخذوا الإمام عنفا للبيعة .


وفي ذلك كتب إليه معاوية خطابا يذمه بذلك ، فرد عليه الإمام قائلا : " وقلت إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع . ولعمر الله ، لقد أردت أن تذم فمدحت ، وأن تفضح فافتضحت ، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه " ( 1 ) .


وبهذا نعلم أن القول بالإجماع على خلافة الصديق أمر لم يكن ليطوف بخيال القوم في ذلك الوقت ، لأنهم شاهدوا بالإجماع أن الإمام عليا عليه السلام أخذ بالنعف ، وكان يقاد لبيعة أبي بكر كما يقاد الجمل المخشوش ، كما يقول ابن آكلة الأكباد وأصبح يذم الإمام عليه السلام بذلك .


وبهذا يرسل مخالفة الإمام لأبي بكر إرسال المسلمات ، مبطلا بذلك دعوى الاجماع في خلافة ابن أبي قحافة . فالقول بإجماع الناس على خلافة أبي بكر الصديق قول التاريخ ولا يسنده الدليل ، وإنما هو قول لا يعدو أن يكون استهبالا للعقول وتحريفا للكلام وليا لأطراف الحقائق ، وإضلالا لبسطاء الناس .


فما وقع في التاريخ ، وما حدث في أركان السقيفة ، وما حبلت به كتب الأخبار واليسر يصرح بخلاف ادعاء القوم الاجماع في خلافة أبي بكر .


وأنا أوجه كلامي هذا إلى أولئك الشباب الأحرار من عشاق الحقيقة والبحث والتحقيق بعيدا عن العصبية والتقليد ، وأدعوهم أن ينظروا بعقولهم إلى هذا الأمر ويبحثوه ، فهل كان هنالك من إجماع ؟ !


وأما أولئك ألذين شاخوا على ثدي التقليد ، وتوشحوا بقلائد العصيبة فانكروا العقل والجانب الاختياري في الإنسان وأماتوا فيه الاحساس بالواقع والقدر المعقول من الحرية ، وجعلوه يهرم على أوهام متوارثة . . فلا كلام لي معهم ، فدعهم في تعصبهم

وتقليدهم وجبرهم يعمهون ، إذ أنه ليس في وسعي أن أسمع الصم . . ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) النبي صلى الله عليه وآله .
 

 

* هامش *

 
 

 1 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15 : 183 - باب 28 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب