|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 160 :
|
دلالة الحديث على صلاة
أبي بكر
لقد علمت أن أهم روايات الحديث في روايات كل الصحاح ومسند
أحمد قد سقطت عن الاعتبار من حيث السند ، إذ وضح السند ، أذ وضح ضعف أهم تلك
الروايات المخرجة فيها .
وأما متن الحديث ، من حيث الدلالة فقد ساورته إشكالات عديدة
تمنع الاحتجاج به كدليل على مسألة من أهم المسائل الأصولية التي ترتبط ارتباطا
وثيقا بمصير الإنسان الأخروي ، ألا وهي مسألة الإمامة والخلافة من بعد النبي
عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم .
إذ لا شك في أن طاعة أولي الأمر من الواجبات التي ألزم بها
الإنسان . ولمعرفتهم لا بد من إقامة أدلة تنفي الظنون وتثبت اليقين في هذه
المعرفة ، لأنه لو قادتنا الأدلة الظنية إلى غيرهم ، معتمدين على الظن في
إمامتهم ، فأداء واجب الطاعة لهم لا يجزى ، لا سيما إذا توفرت الأدلة الأقوى
على إمامة من يخالفهم .
إشكال على المتن : فإشكالات
هذا الحديث ، هي إشكالات نضح بها وعاء الاعتقاد بخلافة الصديق ، لا فأبعدت قصة
الحديث عن مسرح الواقع الحقيقة . . وأرجو أن لا يتسرع مؤيد والخلافة البكرية
العمرية بنبذ ما رأينا في هذا الأمر وما أثبتنا في
هذه السطور حوله من قول ، قبل التدبر فيما قلنا وقبل
تعقل ما ذهبنا إليه ، إذ أن هذا أقل الإنصاف وأدنى العدل . فعلاوة على دلالة
الحديث الظنية - إذ أنه لا يعدو أن يكون قياسا قيست فيه الخلافة العامة على
الخلافة الصغرى ، وهي إمامة الصلاة ،
مما لا يوجب القطع باليقين بهذا - فإننا شاهدنا مخالفة
أجلة الصحابة وإعراضهم عن بيعة أبي بكر الصديق . وقد مر ذكرهم بأسمائهم ، فأعد
البصر كرتين ينقلب إليك مستيقنا من مخالفتهم للصديق ورفضهم لبيعته . فهذا إشكال
واضح ، إذ كيف لم يفهم هؤلاء الصحابة الأجلاء من تلك الإمامة الصغرى - لو سلمنا
بحدوثها يومئذ - دلالتها على الإمامة الكبرى أو الخلافة ؟ !
وكيف سهل على النووي أدراك هذا الأمر وإثبات خلافة
الصديق به على رغم غيابه عن مسرح الحوادث في ذلك الوقت ، ولم يسهل على هؤلاء
الصحابة الذين خالفوا أبا بكر ولم يبايعوه ، وهم شهود الحوادث في زمانهم ؟ ؟ !
فانظر أبي سعيد الخدري ، قال
: " سمعت البراء بن عازب يقول : فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر
وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم معتجرون بالأزر الصنانية ، لا يمرون
بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده ، فمسحوها على
يدي أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبي . فأنكرت عقلي ،
وخرجت اشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضربا
عنيفا وقلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة ! فقال العباس : تربت أيديكم
إلى آخر الدهر " ( 1 ).
فدلالة صلاة أبي بكر التي حكمتها عائشة أم المؤمنين على
الخلافة الكبرى أمر لم يطف بأذهان الصحابة ، ولم يفهموه من صلاة أبي بكر .
والبيعة التي تمت من البعض بعد الخلاف الحاد وسل السيوف
لم يكن سببها قياس الخلافة الكبرى على إمامة الصلاة أو الخلافة والخصام -
بالبيعة للصديق ، غير أن بعض الصحابة خالفوه إلى آخر أيامهم .
وهل كان لم يبايع أبا بكر قط ، ولم يكن يرى له إمامة
صغرى فضلا عن أن يفهم منها الإمامة الكبرى ، إذ لم يكن يجتمع مع الشيخين في عيد
أو جمعة ، وكان لا يفيض بإفاضتها ( 2 ) .
يقول ابن الأثير : " ثم تحول
سعد بن عبادة إلى داره فيق أياما ، وأرسل إليه ليبايع فإن الناس قد بايعوا . .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - أنظر : كتاب
السقيفة لأبي بكر الجواهري ص 46 .
2 - الكامل في التاريخ 2 : 330 - حوادث سنة
إحدى عشرة ، كتاب السقيفة ص 59 :
الإمامة والسياسة ص 17 ، معجم البلدان
317 2 . ( * )
|
|
|
فقال : لا والله ، حتى أرميكم بما في كنانتي وأخضب سنان
رمحي ، وأضرب بسيفي ، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني . وإن اجتمع معكم الجن
والإنس ما بايعتكم ، حتى أعرض على ربي . فقال عمر : لا تدعه حتى يبايع . فقال
بشير بن سعد : إنه قد لج وأبى ، ولا يبايعكم حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل
معه أهله وطائفة من عشيرته " ( 1 ) .
إن ما لم يفهمه المخالفون لأبي بكر من الصحابة - وهم شهود
عيان في عصرهم ، وأقرب عهدا ومكانا من تلك الحوادث ، وأفضل من يدرك مفهوم
الإمامة الصغرى - . كيف يدركه دونهم من ابتعد زمانه عن زمان النبي صلى الله
عليه وآله بأكثر من ألف عام ؟ !
يقول ابن تيمية : " الاستخلاف
في الحياة نوع نيابة لا بد لكل ولي أمر . وليس كل من يصلح للاستخلاف في الحياة
[ يعني حياة النبي صلى الله عليه وآله ] على بعض الأمة يصلح أن يستخلف بعد
الموت [ أي بعد موت النبي صلى الله عليه وآله ]
فإن النبي [ صلى الله عليه وآله ] استخلف غير واحد ،
ومنهم من لا يصلح للخلافة بعد موته ، كما استعمل ابن أم مكتوم الأعمى في حياته
، وهو لا يصلح للخلافة بعد موته [ صلى الله عليه وآله ] ، وكذلك بشير بن المنذر
وغيره " ( 2 ) .
وعلى هذا فصلاحية أبي بكر للاستخلاف في الصلاة لا دلالة
فيها على صلاحيته للخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله لإدارة شؤون الناس
السياسية والاقتصادية . . . وغيرها ، فلا تلازم بين الخلافتين .
ولهذا لم يفهم الإمام علي هذه الملازمة ، بل صرح بأن أبا
بكر قد تقمص ما لم له بقميص . يقول عليه السلام : " لقد تقمصها [ يعني الخلافة
] ابن أبي قحافة ، وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل
، ولا يرقي إلي الطير " ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - تاريخ الطبري :
حوادث سنة إحدى عشرة - ج 2 ، تاريخ ابن الأثير
: نفس الحوادث - ج 2 أيضا .
2
- منهاج السنة لابن تيمية 4 : 91 .
3 - نهج البلاغة : الخطبة رقم 3 ( المعروفة
بالشقشقية ) . ( * )
|
|
|
إذا ، فهذا رأى الإمام علي في خلافة الصديق ، أمر لم يكن
للصديق بل إن الصديق يعلم أن عليا عليه السلام أساس رصه والقطب الذي عليه يدور
، فأين قول من حبه إيمان وبغضه نفاق من قياسات النووي والفخر الرازي وغيرهما ؟
! !
فإما أن نتهم النووي ورفاقه بمجانبة الحق في ما ذهبوا إليه
تأييدا لخلافة الصديق . ولكن بأي شئ استدل أبو بكر على حقه في الخلافة ؟ سنعلم
ذلك مما قاله أبو بكر عند احتجاجه على الأنصار في السقيفة .
يقول أبو بكر : " . . .
وخص الأولين من قومه بتصديقه ، فهم أول من عبد الله في الأرض ، وهم أولياؤه
وعترته وأحق الناس بالأمر من بعده ، ولا ينازعهم فيه إلا ظالم " . فأبو بكر لم
يتطرق إلى مسافة الصلاة وإمامة الناس باعتبار دليلا على الخلافة ، وإنما كان
يرى استحقاق الخلافة بأحد أمرين أو بالأمرين معا .
أولا : تستحق الخلافة
بالتصديق السابق للنبي صلى الله عليه وآله .
ثانيا : تستحق الخلافة
بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله . وهي حق للعترة كما جاء في صريح قوله ،
إذا أنهم أحق الناس بالأمر من بعده ولا ينازعهم فيه إلا ظالم . ولكن هذا
استدلال احتج به أبو بكر على نفسه ، فمن ناحية التصديق والسبق
بالإيمان فعلي أسبق منه في تصديق النبي صلى الله عليه
وآله ، وكان يخاطب النبي صلى الله عليه وآله بقوله : " يا نبي الله " وعمره
اثنتا عشرة سنة - انظر حديث الدار يوم الإنذار - ( 1 ) .
وإما من ناحية القرابة، فلو
كانت القرابة هي مدار استحقاق الأمر بعد النبي صلى الله عليه وآله فكلما اشتدت
القرابة من النبي صلى الله عليه وآله الاستحقاق لهذا الأمر . . إذا ، فعلي أشد
قرابة من النبي صلى الله عليه وآله ، فهو ابن عمه ، وصهره ،
فيكون الإمام عليه السلام قد جمع القرابتين : قرابة
الرحم وقرابة المصاهرة . وعلى هذا فعلي عليه السلام أقرب من أبي بكر ، فكيف
| |
* هامش * |
|
| |
1 - مسند أحمد
1 : 111 - 331 : المستدرك 3 : 132 ،
كنز العمال 6 : 392 / 600 8 ،
تاريخ الطبري : ج 2 ، الكامل في التاريخ
: ج 2 : السيرة الحلبية 1 : 381 - باب
استخفائه صلى الله عليه وآله . ( * )
|
|
|
استحقها أبو بكر بذلك دون الإمام عليه السلام ؟ !
غير أن عمر ذهب أبعد من هذا ، فصرح بأن الخلافة إرث لا
يحق لأحد أن ينازعهم فيه - كما مر عليك - . إذا ، فأمر لا يستحق بإمامة الناس
في الصلاة ، كما يقال ، ولا هذ ه الصلاة من الأدلة على ذلك ، لأن الميراث لا
يؤخذ بإمامة الناس في الصلاة ، ولا يثبت بها ، وهي ليست من شروطه كما هو معروف
.
على أن أبا بكر الصديق قد وضع حدا لترهات القول باستحقاقه
الخلافة بسبب إمامته في الصلاة بأمر النبي صلى الله عليه وآله ، فأبو بكر يقول
: " إن بيعتي فلتة ، وقى الله شرها " ( 1 ) .
إذا ، فما هو الأمر الذي يكون فلتة ؟ !
أليس هو الأمر الذي يتم من غير روية ولا تدبر ؟ !
أليس هو الأمر المبتدع المجازف فيه ؟ !
فإذا كانت خلافة الصديق فلتة وقي الله شرها ، فلا يمكن
أن تكون صلاته بالناس دليلا وإشارة إلى خلافته ، لأن هذا الدليل وتلك الإشارة
إلى خلافته تنفي أن تكون خلافته فلتة كما قال ، لأن الدليل والإشارة على شئ
يهيئ النفوس ويعدها للتعرف
على ذلك الشئ واستقباله ، فتنتبه العقول إليه لتهيئ
المقدمات ، فلا تكون فلتة فيخشى منها الفتنة والشر ، فكيف يدعى أن صلاة الصديق
بالناس تدل على استحقاقه الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله ! ! وهذا دليل
جسمه فيما بعد المناوي .
النووي وغيرهما أو من سبقهما
، إذا أنهم وجدوا أنفسهم قد ورثوا الاعتقاد بخلافة الصديق ، وصاروا يطوون في
هذا الاعتقاد طريقا ذا اتجاه واحد ، فاستنبطوا هذا الدليل من حكاية لم يكن لها
واقع تطابقه ، لإظهار صحة ما حدث أمام المخالفين ، إذا
لهم يكن هذا الاعتقاد موجودا في نفوس الصحابة والخليفة
الأول . فهذا هو الخليفة الثاني يدعي أن النبي صلى الله عليه وآله لم يستخلف
أحدا ، وبهذا ينفي القياس
| |
* هامش * |
|
| |
1 - أنساب الأشراف
للبلاذري 1 : 59 ، نهج البلاغة ، شرح ابن
أبي الحديد 1 : 132 . ( * )
|
|
|
المزعوم من أن قصد النبي صلى الله على وآله من أمر أبي
بكر بإمامة الناس في الصلاة أنما هو لبيان كونه الخليفة من بعده ، فيكون قد
خلفه عليهم بذلك . .
يقول ابن هشام : " فلولا
مقالة قالها عمر عند وفاته لم يشك المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله
] وسلم قد استخلف أبا بكر ، ولكنه قال عند وفاته : إن أستخلف فقد استخلف من هو
خير مني ، وإن أتركهم فقد تركهم من هو خير مني [ يعني بذلك النبي صلى الله عليه
وآله ] .
ولهذا شك المسلمون في خلافة أبي بكر
، واعترف عمر بعدم استخلاف النبي لأبي بكر الصديق .
ثم إن حديث صلاة أبي بكر هذا قد روته عائشة بنت محمد صلى
الله عليه وآله قد خالفت أبا بكر وخلافته ، وذهبت وهي عليه غاضبة ساخطة ! فلو
كان ما تنفرد بروايته عائشة بنت أبي بكر وحدها يصبح حجة على الناس ، فلماذا لا
تكون معارضة الزهراء بنت محمد صلى الله عليه وآله لما روته حجة على الناس ؟ !
قالت البتول عليها السلام في أمر الخلافة " ويحهم ! أنى
زحزحوها [ تعني الخلافة ] عن رواسي الرسالة ، وقواعد النبوة ، ومهبط الروح
الأمين ؟ ! الطبن بأمور الدنيا والدين ؟ ! ألا ذلك الخسران المبين . وما الذي
نقموا من أبي الحسن ؟ ! نقموا
والله منه نكير سيفه ، وشدة وطأته ، ونكال وقعه ، وتنمره
في ذات الله . وتالله لو تكافأوا على زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه [
وآله ] وسلم لاعتقله وسار به سيرا سجحا لا يكلم خشاشه ، ولا يتتعتع راكبه ،
ولأوردهم منهلا رويا فضفاضا تطفح ضفتاه ، ولا
| |
* هامش * |
|
| |
1 - سيرة ابن هشام
4 : 302 - تمريض رسول الله في بيت عائشة . ( * )
|
|
|
يترنم جانباه ، ولا صدرهم بطانا ، ونصح لهم سرا وإعلانا
، غير متحل منهم بطائل إلا بغمر الناهل وردعة سورة الساغب ، ولفتحت عليهم بركات
من السماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون .
ألا هلم فاستمع ، وما عشت أراك الدهر عجبا ، وإن تعجب
فقد أعجبك الحادث ، إلى أي لجأ لجأوا ؟ ! وبأي عروة تمسكوا ، لبئس المولى ولبئس
العشير ، بئس للظالمين بدلا ! استبدلوا والله الذنابي بالقوادم ، والعجز
بالكاهل ، فرغما لمعاطس قوم
يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( ألا
إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) . . ويحهم ! (
أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون )
" ( 1 ) ؟ !
أجل ، لو كان ما تحكيه عائشة حجة فلم لا تكون الحجة في
معارضة الزهراء لما تحكيه عائشة ، والنبي صلى الله عليه وآله يقول : " فاطمة
بضعة مني يغضبني ما يغضبها " ؟ !
وها هي قد غضب على هذه الخلافة التي أثبتوها بما حكت
عائشة ، فكيف لا يكون هذا الغضب النبوي دليلا على بطلان ما أحكمته أم المؤمنين
، لا سيما وقد خالف الصديق معظم الصحابة في مسألة الخلافة - وقد عرفت ذلك - ؟ !
على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يترك لأم المؤمنين
عائشة حجة في قول تحتج بها على من يخالفها ، ولا سيما على فاطمة عليها السلام .
لقد روى البخاري : " أن النبي
صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قام خطيبا على منبره ، فأشار نحو مسكن عائشة وقال
: ها هنا الفتنة ، ها هنا الفتنة ، حيث يطلع قرن الشيطان " ! ( 2 ) .
فماذا نفهم من هذا الحديث الواضح الضريح الذي لا يقبل
التأويل بغير ما حملته ألفاظه من معان ظاهرة يفهمها البدوي والحضري ، وهذا وحده
يكفي لإسقاط حديث أم المؤمنين عن صلاة أبي بكر بالناس .
غير أن مسلما أورد هذا الحديث بألفاظ
شدة ، يقول : " خرج رسول الله [ صلى الله عليه وآله ]
| |
* هامش * |
|
| |
1 - أنظر : كتاب
السقيفة لأبي بكر الجواهري ص 100 ، كتاب
بلاغات النساء لابن طيفور ص 29 .
2 - صحيح البخاري : كتاب الجهاد والسير - باب
ما جاء في بيوت أزواج النبي عليها السلام . ( * )
|
|
|
من بيت عائشة فقال : رأس الكفر من ها هنا ، حيث يطلع قرن
الشيطان " ! ( 1 ) .
وعندما نظيف حديث البخاري إلى
حديث مسلم ، ثم نظيف إليها قصة وادي الحوأب وتحذير النبي صلى الله عليه
وآله لها أن لا تكون التي تنجها كلاب الحواب ، عندما قال لها ولأم سلمة ؟ ! :
أيتكن صاحبة الجمل الأدب ، تنبحها كلاب الحوأب ، فتكون ناكبة عن الصراط ؟ ! ثم
ضرب على ظهر عائشة فقال : إياك أن تكونيها يا حميراء ( 2 ) !
أجل . . عندما نجمع تلك الحقائق على صعيد واحد ، نعلم أن أم
المؤمنين قد تصدرت فتنة وأججت نارها ، رغم أنها قد منعت وحذرت من ذلك . وعندما
نعلم أنه لم يكن لها إلا عدو واحد ، وأثبت التاريخ أنها حاربته وقادت الناس في
قتاله يوم الجمل ،
وعرف فيما بعد بحرب الجمل ، الذي عبرت به وادي الحواب .
. نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله ما قصد بقوله مشيرا إلى مسكنها : " ها هنا
الفتنة ، هاهنا الفتنة ! " إلا فتنة محاربتها وعداءها لعلي بن أبي طالب أمير
المؤمنين !
أجل ، فعائشة لم تحارب أحدا غير الإمام علي حتى نقول إن
النبي صلى الله عليه وآله : " قصد بهذه الفتنة محاربتها لذلك الآخر . وحرب
عائشة للإمام علي من أشهر حوادث التاريخ ، حتى غدى بين عائشة وحربها للإمام علي
دلالة التزامية لا تنفك .
ثم نعرج على القول النبي صلى الله
عليه آله : " ويح عمار ! تقتله الفئة الباغية " فنعلم أن عمارا قتل
بسيوف عائشة ومعاوية ! فهل يشك أحد في تنكبها الصراط كما حذرها النبي صلى الله
عليه وآله ؟ !
ولا مجال لادعاء الاجتهاد ، لأنه قد سبق وصف النبي صلى
الله عليه وآله لذلك بأنه فتنة ورأس الكفر وقرن من قرون الشيطان ولا يثاب أحد
على هذا ، بل . . . وسبب كل ذلك هو بغض عائشة أم المؤمنين لأمير المؤمنين علي
بن أبي طالب
وقد علمت أن نفسها لا تطيب له بخير وإن لم يكن خير فشر .
بعد أن وضح ذلك يجب أن نتوقف قليلا عند حكايتها لصلاة أبيها بالناس ولا نسارع
| |
* هامش * |
|
| |
1 - صحيح مسلم
2 : 503 .
2 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 :
77 . ( * )
|
|
|
بقبولها ، إذ أنها محفوفة بما يمنع ذلك . لقد علمت عائشة
أن عليا عليه السلام هو الخليفة من النبي صلى الله عليه وآله .
تقول أم سلمة مذكرة عائشة
لعلها أن تثوب عن حرب أمير المؤمنين : . . . واذكري أيضا يوم كنت أنا وأنت مع
رسول الله في سفر له ، وكان على يتعاهد نعل رسول الله فيخصفها ، وثيابه فيغسلها
، فنقب نعله فأخذها يومئذ يخصفها وقعد في ظل
سمرة ، وجاء أبوك ومعه عمر ، وقمنا أي الحجاب ، ودخلا
يحدثانه فيما أرادا إلى أن قالا : يا رسول الله ، إنا لا ندري أمد ما تصحبنا ،
فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ، ليكون لنا بعدك مفزعا . فقال لهما : أما إني قد
أرى مكانه ، ولو فعلت لتفرقتم
عنه كما تفرق بنو إسرائيل عن هارون . فسكتا ثم خرجا ،
فلما خرجا جئنا إلى رسول الله ، فقلت له أنت ، وكنت أجرا عليه منا : يا رسول
الله ، من كنت مستخلفا عليهم ؟ فقال : خاصف النعل . فنزلنا فرأيناه عليا . .
فقلت : يا رسول الله ، ما أري
إلا عليا ! فقال [ صلى الله عليه وآله ] هو ذاك . قالت
عائشة : نعم ، أذكر ذلك . فقالت أم سلمة : فأي خروج تخرجين بعد هذا يا عائشة ؟
! " ( 1 ) .
إذا فقد كانت عائشة تعرف خليفة رسول الله صلى الله عليه
وآله من بعده ، ولكنها تبغضه ، ولا يسعها أن ترى أباها بعيدا عن هذا المقام !
ومسألة عائشة في أمر الخلافة لم تكن هي مجرد اختيار الأصلح ، بل كانت تسعى لأن
يبقى هذا الأمر بين قومها ، ولذلك لم تكن عائشة راضية عندما تولى عثمان الخلافة
.
فقد روي أنها لما بلغها قتله قالت :
" أبعده الله ! قتله ذنبه ، وأقاده الله بعمله ! يا معشر قريش ، لا يسوءنكم قتل
عثمان كما ساء أحيمر ثمود قومه . أحق الناس بهذا الأمر لذو الأصبع " -
| |
* هامش * |
|
| |
1 - شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد 2 : 77 . ( * )
|
|
|
تعني طلحة - . . . فلما جاءت الأخبار ببيعة علي عليه
السلام ، قالت : " تعسوا ! لا يردون الأمر في تيم أبدا " ( 1 ) .
فانظر كيف هي حريصة على أن يبقى الأمر في قبيلتها
تيم . ولو كانت عائشة حريصة على أن يتولى هذا الأمر طلحة فهل كانت قصة صلاة
أبيها أبدا ، بل حرصت على جعل الخلافة في قومها أشد الحرص ، وكانت قصة صلاة
أبيها بالناس من ذلك الحرص ، لا سيما وأنها عليا منافسه الأول .
وقد روى الطبري : " إن عائشة
لما انتهت إلى سرف راجعة في طريقها في مكة لقيها عبد ابن أم كلام ، وهو عبد ابن
أبي سلمة ، ينسب إلى أمه . . فقالت له : مهيم ؟ قال : قتلوا عثمان ، فمكثوا
ثمانيا . قالت : ثم صنعوا ماذا ؟ قال : أخذها أهل
المدينة بالإجماع ، فجازت بهم الأمور إلى خير حجاز :
اجتمعوا على علي بن أبي طالب . فقالت : والله ، ليت أن هذه [ أي السماء ] انطبق
على هذه [ أي الأرض ] ، إن تم الأمر لصاحبك ، ردوني ، ردوني ! فارتدت إلى مكة
وهي تقول : قتل والله عثمان مظلوما ! والله لأطلبن بدمه " ( 2 ) !
فانظر إلى هذا التغيير المفاجئ الذي اعترى أم المؤمنين ! !
فقد كانت تقول عن عثمان : ( قتله ذنبه ) ، ( أقاده الله بعمله ) . . وذلك لأنها
كانت تظن أن الفرصة قد تهيأت لأن تعود الخلافة إلى تيم ، ولما لم يحدث ما ظنت ،
وعادت الخلافة إلى علي
عليه السلام صار عثمان عندها مظلوما ولزمتها المطالبة
بدمه ! فهل بعد هذا يمكن الاعتماد على قولها إن النبي صلى الله عليه وآله عين
أباها إماما للناس في
| |
* هامش * |
|
| |
1 - نفس المصدر نقلا عن أبي مخنف .
2 - تاريخ الطبري 3 : 476 . ( * )
|
|
|
الصلاة ؟ ! على أن صلاة أبي بكر بالناس لا دلالة فيها
على الخلافة ، كما أوضح ابن تيمية ، هذا إن كان أبو بكر قد صلى بالناس . ولكن ،
هل صلى أبو بكر بالناس حقا ؟ ! !
يقول ابن سيد الناس : " لما
كان الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجره ، أمر رسول الله
صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم . فلما كان من الغد ،
دعا أسامة بن زيد فقال : سر إلى موضع مقتل أبيك ،
فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش . . . فلما كان يوم
الأربعاء ، بدا برسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وجعه ، فحم وصدع . فلما
أصبح يوم الخميس ، عقد لأسامة لواء بيده [ الشريفة ] ، ثم قال : اغز بسم الله
وفي سبيل الله . فخرج
بلوائه معقودا ، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي ،
وعسكر بالجرف ، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في
تلك الغزوة ، منهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي
وقاص سعيد بن
زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم بن حريس . . فتكلم
قوم وقالوا : يستعمل هذا الغلام [ وكان عمر زيد سبع عشرة سنة ] على المهاجرين
الأولين ؟ ! فغضب رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم غضبا شديدا ، فخرج وقد
عصب على رأسه
عصابة وعليه قطيفة ، فصعد المنبر ، وحمد الله وأثنى عليه
، ثم قال : أما بعد أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ؟ !
ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله ، وأيم الله ، إن
كان خليقا للإمارة وإن
ابنه من بعده لخليق للإمارة ، وإن كان من أحب الناس إلي
، وإنهما لمخيلان لكل خير - أي مظنة لكل خير - فاستوصوا به خيرا ، فإنه من
خياركم .
ثم نزل فدخل بيته ، وذلك في يوم السبت لعشر خلون من شهر
ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول
الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ويخرجون إلى المعسكر بالجرف . وثقل على رسول
الله صلى
الله عليه [ وآله ] وسلم ، فجعل يقول : أنفذوا بعث أسامة
، فلما كان يوم الأحد ، اشتد برسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وجعه ،
فدخل أسامة في معسكره والنبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم مغمور ، وهو اليوم
الذي لدوه ( 1 ) فيه ،
فطأطأ أسامة فقبله والنبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم
لا يتكلم ، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة ، قال أسامة : فعرفت
أنه يدعو لي . ورجع أسامة إلى معسكره ، فأمر الناس بالرحيل ، فبينا هو يريد
الركوب إذا رسول أم أيمن
قد جاءه يقول : إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ]
وسلم وهو يموت ، فتوفي عمر وأبو عبيدة ، انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه [
وآله ] وسلم وهو يموت ، فتوفي حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي ليلة من شهر
ربيع الأول ، ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف " ( 2 ) .
لقد علمنا أن المسلمين ودعوا النبي صلى الله عليه وآله
وخرجوا إلى معسكرهم بالجرف ، وخرج أبو بكر مع كبار الصحابة برفقة المسلمين تحت
لواء أسامة ، إذ كانوا جنودا في الجيش ، وكان ذلك في يوم السبت .
وفي يوم الأحد اشتد مرض النبي صلى الله عليه وآله ، فصار
يحث الناس على الخروج ، فجاء أسامة وحده من معسكره لوداع النبي صلى الله عليه
وآله ، فدعا له النبي صلى الله عليه وآله ، وعاد أسامة إلى معسكره وفي يوم
الاثنين أمر أسامة
الجيش بالرحيل ، وقبل الذهاب جاءه خبر وفاة النبي صلى
الله عليه وآله ، ولكن لم يدخل المدينة في أول الأمر إلا أسامة وعمر وأبو عبيدة
، وعندما تأكدوا من وفاة النبي صلى الله عليه وآله دخل سائر الجيش المدينة .
وعلى هذا يكون أبو بكر قد بقي في المعسكر في الجرف منذ يوم السبت ، حتى وفاة
| |
* هامش * |
|
| |
1 - لدوه : جعلوا الدواء في جانب فمه .
2 - كتاب عيون الأثر لابن سيد الناس 2 : 281 -
282 - سرية أسامة بن زيد بن حارثة . ( * )
|
|
|
النبي صلى الله عليه وآله في ضحى يوم الاثنين .
فكيف يكون أبو بكر قد صلى صلاة الصبح في يوم الاثنين وهو
معسكر في خارج المدينة بالجرف ؟ !
وحتى في وجوده بالمعسكر فإنه لا يمكن أن يصلي بالناس ،
لأن قائد الجيش هو إمام الناس في الصلاة ، كما هو معروف . وقد علمت أنه لما
جاءهم خبر أم أيمن بوفاة النبي صلى الله عليه وآله لم يدخل إلا أسامة وعمر وأبو
عبيدة ، وبقي أبو بكر في المعسكر ، ولم يدخل إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه
وآله .
وهذا ما قاله الطبري وابن الأثير
وسائر المؤرخين ، إذ ذكروا أن أبا بكر لم يأت إلا بعد أن بلغه خبر وفاة
النبي صلى الله عليه وآله . فإما أنه كان بالسنح عند أهله ، وإما أنه قد بقي
بالجرف حيث المعسكر . . فإن كان بالسنح فقد غاب ثلاث ليال حتى بلغه الخبر .
وإن كان بالمعسكر فقد غاب يومين ، ولم يدخل إلا بعد بلوغه
الخبر أيضا ، فدخل مع الجيش ، ووجد عمر يقول ما كان يقول في ذلك الوقت من
تهديده لمن يزعم أن النبي صلى الله عليه وآله قد مات ، وإما أن يكون قد ترك
المعسكر وذهب إلى السنح وبقي هناك حتى خبر الوفاة و هو الأرجح عندي .
إذا ، فالأمر واضح جدا لا يحتاج إلى عناء في التفكير لفهم
جوانبه ، فصلاة أبي بكر بأمر النبي صلى الله عليه وآله ما هي إلا من صناعة ووضع
البشر ، أملتها عليهم العصبية والقبلية والعداء لعلي عليه السلام وعترة خير
الأنام .
لقد ذكر أبو بكر بن عبد
العزيز الجواهري ( 1 ) " أن رسول الله ( ص ) في مرض موته أمر أسامة بن زيد بن
حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والأنصار ، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن
الجراح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير " .
ولقد أبدى النبي صلى الله عليه وآله اهتماما بليغا بأمر
هذه السرية ، ولم تمنعه شدة مرضه من إنفاذ هذا البعث . وإن تعبئة وجوه وأعيان
المهاجرين والأنصار مثل أبي بكر وعمر وطلحة والزبير تعكس مدى اهتمام النبي صلى
الله عليه وآله بأمر هذا الجيش . وكل ما في إنما هو اهتمام منه صلى الله عليه
وآله
| |
* هامش * |
|
| |
1 - شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد 2 : 20 وما يليها - نقلا عن
كتاب السقيفة . ( * )
|
|
|
بانفاد بعث أسامة لكونه من أمر الله ، إذا أراد الله
تعالى أن يكون هذا البعث على الوجه الذي أعده النبي صلى الله عليه وآله مشتملا
على أبي بكر وعمر بقيادة الشاب اليافع أسامة بن زيد . وكان أمر الله في إنفاذ
هذا البعث أمرا لا يقبل التأني والتأخير ، سواء أكان بسبب مرضه أو بسبب أي أمر
آخر .
وهذا كله يتضح من إصرار النبي صلى الله عليه وآله حتى آخر
لحظات حياته على إنفاذ البعث ، بل وصل الأمر إلى لعن النبي صلى الله عليه وآله
المتخلفين عن هذا الجيش . وأراد أسامة أن يعتذر للنبي صلى الله عليه وآله عن
الخروج ، والنبي
صلى الله عليه وآله في هذه الحال من المرض ، ولكن لم يكن
للنبي صلى الله عليه وآله مجال لتأخير أمر الله تعالى ولقبول اعتذار أسامة .
فقد روي أن أسامة دخل النبي
صلى الله عليه وآله وقال له: " بأبي أنت وأمي، أتاذن لي أن أمكث أياما حتى
يشفيك الله تعالى ؟ " . . ولكن ، لم يكن الأمر كما يتصوره أسامة ، فأمر الله في
هذه السرية لا يؤخره المرض . فقال النبي صلى الله عليه
وآله : " اخرج وسر على بركة الله ". وقال أسامة ظانا أن
شدة مرض النبي صلى الله عليه وآله تعينه على إقناع النبي صلى الله عليه وآله
بتأخير السرية ولو أياما : " يا رسول الله ، إن أنا خرجت وأنت على هذه الحال
خرجت وفي قلبي قرحة " .
فقال النبي صلى الله عليه وآله : " سر على النصر
والعافية " . إذا ، فلا مجال لتأخير أمر الوحي . . لكن أسامة ما يزال يعلق
الآمال ، ساعيا إلى إقناع النبي صلى الله عليه وآله بالتأخر حتى يشفيه الله ،
فقال مشفقا : " يا رسول الله ، إني أكره أن
أسائل عنك الركبان " . أما النبي صلى الله عليه وآله
فكان يعلم أن هذه السرية فوق التأخير ، فكيف الالغاء ؟ ! عندها تغيرت لهجة
النبي صلى الله عليه وآله ، فقال مظهرا لزوم الأمر النبوي : " انفذ لما أمرتك
به " . ثم أغمي على النبي صلى الله
عليه وآله ، بأبي هو وأمي . وعندما علم أسامة أن أمر
السرية هذه لا مراجعة فيه ، قام يعد نفسه للخروج ، فخضع للأمر الإلهي وبدا في
إعداد الجيش . وفي هذه الأثناء أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولكن لا شئ
أمامه غير أمر هذه السرية وبعث أسامة ، فقال آمرا : " أنفذوا بعث
أسامة " .
وهذه المرة أصدر أمره للجنود وأفراد الجيش ، إذ لا مناص
من التنفيذ . ثم أردف النبي صلى الله عليه وآله بعبارة يخاطب بها من سولت لهم
أنفسهم الطعن في تأمير أسامة ، أو يخاطب بها أولئك الذين توسوس لهم أنفسهم
إلغاء البعث هذا أو التخلف عنه ، فقال النبي صلى الله عليه وآله مخاطبا إياهم :
" لعن الله من تخلف عنه " .
وهذا الحكم لا يختلف من حيث الزمان ، سواء كان زمانه في
حياة النبي صلى الله عليه وآله أو كان بعد وفاته ، بالنسبة إلى من شملهم الأمر
، إذ قد صدر الأمر وأردف بلعن المتخلفين على نحو من الاطلاق والقطع ، دون
استثناء لأحد منهم بما فيهم أبو بكر وعمر .
والمدقق في أمر هذه السرية يلحظ
أشياء تلفت انتباهه ، وتحرك فيه باعث التحقيق . إننا نلحظ في أمر هذا
البعث :
1 - الاهتمام البليغ الذي أبداه النبي صلى الله
عليه وآله بهذا البعث ، حتى أنه صلى الله عليه وآله لعن المتخلفين عنه في إصرار
لم يعهد من النبي صلى الله عليه وآله سابقا .
2 - الوقت الذي أمر فيه بإنفاذ البعث ، فالنبي صلى
الله عليه وآله كان قد نعيت إليه نفسه وأخبر بدنو أجله ، فما هي أهمية هذا
البعث حتى يتشدد النبي صلى الله عليه وآله في إنفاذه في هذا الوقت بالذات ، وهو
نفس اليوم الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
3 - تعبئة وجوه وأعيان الصحابة من المهاجرين
والأنصار في هذه السرية ، دون استثناء لأحد بما فيهم الصديق والفاروق ، تحت
إمرة الشاب اليافع ابن العشرين عاما أسامة بن زيد .
4 - عدم فتح باب الشورى لأصحابه في هذه السرية ،
وقد كان يستشيرهم في بعض الغزوات .
ونحن قد علمنا أن النبي صلى
الله عليه وآله التحق بالرفيق الأعلى قبل أن يخرج الجيش من معسكره بالجرف .
فلنفرض ذهاب الجيش قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، ووفاة النبي صلى الله
عليه وآله بعد ذهابهم . .
فكيف يكون حال عاصمة الإسلام ونسائها وأطفالها ،
والأعداء من المنافقين واليهود الحاقدين على دين الإسلام يتربصون بالإسلام
الدوائر ، وقد أخلى النبي صلى الله عليه وآله
المدينة من الصحابة كافة ، وارتحل هو إلى الرفيق الأعلى
؟ !
ثم إننا نسأل : هل كان النبي
صلى الله عليه وآله يرى في أبي بكر الخليفة من بعده ؟ ! ولكن لا يستقيم هذا
الأمر لو كانت الإجابة بالإيجاب ، وذلك لأمرين نلحظهما في بعث أسامة بن زيد :
أولا : لقد أمر النبي صلى
الله عليه وآله أبا بكر بالخروج في هذا الجيش ، والنبي صلى الله عليه وآله كان
يعلم بموته إذ أخبر بذلك . فلو كان النبي صلى الله عليه وآله رأى في أبي بكر
خليفته لأمره بالبقاء إلى جنبه حتى لا تخلو المدينة ممن يفزع إليه
المسلمون ، ويحفظ بيضة الإسلام في أصعب يوم في حياة
المسلمين ، وحتى لا يكون نساء المسلمين وأطفالهم في غياب آبائهم بلا راع لهم
ولا حافظ لأعراضهم . . هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى ، فما دام النبي صلى الله عليه وآله مخلفا
أبا بكر ، فأبو بكر أحوج إلى نصح النبي صلى الله عليه وآله وإرشاده إرشادا خاصا
يستعين به على إدارة أمور المسلمين . وعلى كل فبقاء أبي بكر - لو كان هو
الخليفة بعد النبي صلى
الله عليه وآله - يستقيم وحكمة النبي الكريم ، لا خروجه
في هذا الجيش وهو خليفة المسلمين ، فقد يناقض حكمة النبي صلى الله عليه وآله
وحنكته السياسية في إدارة شؤون الدولة .
ثانيا : فإن كان لا بد من
خروج أبي بكر - وهو المنتخب من جانب النبي صلى الله عليه وآله خليفة له من بعده
على المسلمين - فعلى أقل تقدير كان على النبي صلى الله عليه وآله أن يوليه هو
الجيش ويجعله على رأس الجنود ، لا أن يرسله معهم جنديا مأمورا تحت إمارة أسامة
بن زيد ذي العشرين عاما ، إذ أن هذا لا يتفق ومقام الخلافة .
فالخليفة هو خليفة النبي صلى الله عليه وآله في جميع
مقاماته ومنها قيادة الجيش ، فكيف صار خليفة المسلمين جنديا يرأسه فرد من رعيته
، بل شاب صغير العمر ؟ ! إن هذا ليبدو ليس من الحكمة في شئ ، بل سيكون لذلك
أسوأ النتائج ، وقد رأيت كيف طعن البعض في تأمير أسامة .
بل إنهم أرادوا عزل أسامة بعد ذلك ، لأنه أمر على كبار
المهاجرين ، فكيف لو أمر على الخليفة ؟ ! إذا ، لكي لا يكون النبي صلى الله
عليه وآله بعيدا عن الحكمة والفطانة النبوية ، علينا أن نسلم بأن
النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يرى في أبي بكر خليفة
له من بعده . بل أراد النبي صلى الله عليه وآله بأمره أبا بكر وعمر بالذهاب في
هذا الجيش تحت إمرة أسامة أن يتحقق غيابهما عن المدينة ، فيكون قد أراد النبي
صلى الله عليه وآله بذلك إبعاد أبي بكر وعمر عن أعتاب الخلافة ببيعة علي في
غيابهما .
ولهذا كان الطعن في تأمير أسامة ، وكان التثاقل عن إمضاء
الأمر النبوي حتى توفي النبي صلى الله عليه وآله ، فأحكمت السقيفة وهدد علي
عليه السلام بالقتل ، كما رأيت . إذا ، فالنبي صلى الله عليه وآله بأمره أبا
بكر بالذهاب في هذا الجيش قد أراد إبعاده عن المدينة ، لأنه لو كان هو الخليفة
من بعده لأبقاه إلى جانبه واحتفظ به في المدينة .
بيد أنه أراد بتأمير الشاب أسامة على هذا الجيش وبأن يكون
أبو بكر الشيخ تحت إمرته ، أن يقطع الحجة على من يقول - معارضا خلافة الإمام
علي - بأنه صغير السن أو استصغره قومه ، كما قال عمر لابن عباس ! قال عمر لابن
عباس مرة :
" يا ابن عباس ، ما أظنهم منعهم عنه إلا أنه استصغره
قومه ! قال ابن عباس : والله ، ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ "
براءة " من صاحبك " ( 1 ) .
إن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلم بما يجول في نفوس
القوم ، ولهذا أراد بتأمير أسامة عليهم قطع الحجة وإبطال ادعائهم بصغر سن
الإمام علي عليه السلام بالنسبة إلى الخلافة ، ذلك أن تأمير أسامة عليهم - وهو
في ذلك العمر - هو تمهيد من
النبي الكريم صلى الله عليه وآله لخلافة علي بن أبي طالب
عليه السلام ، ورغم ذلك فقد استصغره قومه ، كما رأيت من قول عمر لابن عباس !
على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يأمر علي بن أبي طالب عليه السلام بالذهاب
في هذا الجيش ، كما
هو بين لا ارتياب فيه . . فلأي شئ احتفظ النبي صلى الله
عليه وآله بالإمام علي عليه السلام إلى جانبه ؟ ألم يكن الخليفة أولى بهذا
المقام ؟ وقد يقول قائل : إن النبي صلى الله عليه وآله إلا ليغسله بعد موته .
نعم ، إذ ليس في ذلك شك ، وقد أوصاه النبي صلى الله عليه وآله بذلك .
روى ابن سعد عن علي عليه السلام قال
: " أوصى النبي [ صلى الله عليه وآله ] أن لا يغسله أحد غيري " ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد 3 : 97 .
2 - طبقات ابن سعد 2 : 61 - القسم الثاني
. ( * )
|
|
|
وروي أنه قال : " أوصاني
رسول الله ( ص ) فقال : إذا أنا مت فغسلني بسبع قرب " ( 1 ) .
وروى الحاكم في مستدركه ،
والذهبي في تلخيصه ، عن علي [ عليه السلام ] ، قال : " غسلت رسول الله [ صلى
الله عليه وآله ] ، فجعلت أنظر ما يكون من الميت ، فلم أر شيئا ، وكان طيبا حيا
وميتا " ( 2 ) .
وروى عمر بن الخطاب ، عن رسول
الله [ صلى الله عليه وآله ] أنه قال لعلي : " أنت غاسلي ودافني " ( 3 ) .
أجل ، لقد أوصى النبي صلى الله عليه وآله الإمام عليا عليه
السلام بأن يغسله إذا مات ويدفنه ، فهذا صحيح .
وقد عرفنا أن النبي صلى الله عليه وآله كان قد علم بموته
، ورأينا كيف تشدد في أمر الجيش بالخروج ، وفيه كبار الصحابة ، أبو بكر وعمر
وغيرهما ، تحت لواء أسامة ، ورأينا كيف كانت المدينة تخلو - بذهاب الجيش إلى
مؤتة - من كل الصحابة ومن النبي صلى الله عليه وآله نفسه ، إذ توفي في نفس
اليوم المقرر لخروج الصحابة في الجيش .
لقد رأينا كل ذلك ، وكان يمكن أن يمتد غياب الصحابة إلى ما
يفوق الشهر ، بغض النظر عن إمكانية استشهادهم .
أجل ، رأينا النبي صلى الله عليه وآله قد فعل كل ذلك . .
فهل يا ترى كان النبي صلى الله عليه وآله يترك دولة
الإسلام مدة شهر أو عشرين يوما بلا خليفة حتى يعود أبو بكر ؟ !
وهل يا ترى كان يذهب النبي صلى الله عليه وآله ويترك
الدولة الإسلامية الفتية الطرية العود بلا راع ، وعلي بن أبي طالب عليه السلام
فيها ، بل هو الذي أبقاه فيها عامدا إلى ذلك وقد قال له من قبل : " أنت مني
بمنزلة هارون من موسى ؟ !
إذا ، فلها رون أن يخلف موسى في قومه ، كما هي الإرادة
الإلهية المقدسة .
ولعمر الله ، هذا ما كان يرمي إليه النبي صلى الله عليه
وآله ، إذ لا معنى لإرسال جيش عبئ فيه كل الصحابة مهاجريهم وأنصارهم بكريهم
وعمريهم ، ثم يحتفظ بعلي عليه السلام إلى جواره ، ثم تخلو المدينة
| |
* هامش * |
|
| |
1 - كنز العمال
4 : 54 .
2 - مستدرك الحاكم 3 : 59 ، وأخرجه
الذهبي في تلخيصه ، وقال : صحيح الإسناد
إلى علي .
3 - كنز العمال 6 : 155 - الحديث رقم 2583 . (
* )
|
|
|
من راع يرعاها ، والنبي صلى الله عليه وآله يعلم ذلك ،
ثم لا يخلف عليا عليها خليفة على المسلمين ! لقد أراد النبي صلى الله عليه وآله
إبعادهم ، بإخلاء المدينة منهم ، حتى يصفو له الجو ويخلف عليا عليه السلام .
فعل ذلك لكي لا تتكرر رزية أخرى كرزية يوم الخميس ، يوم
اجتمعوا حوله في حجرته صلى الله عليه وآله ، فأراد أن يكتب لهم كتابا ينجون به
من الضلال ، فقال عمر وأفراده : هجر رسول الله ! وإن الرجل قد غلب عليه الوجع !
حسبنا كتاب الله ، عندنا القرآن ! فمنعوا بذلك كتابة الكتاب .
لقد اتهموا النبي صلى الله عليه وآله بالهجر والهذيان في
يوم الخميس ، وطعنوا في تأمير أسامة يوم السبت . . فماذا تراهم يقولون لو ولى
عليهم عليا عليه السلام يوم الأحد ؟ ! فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله توالي
الطعن منهم في أوامره ،
وعدم العمل بها ، بل رأى أنهم طعنوا في عصمته . . أمرهم
بالخروج عن المدينة في هذا البعث ، وولى عليهم أسامة لكي يولي عليا في غيابهم ،
وإلا فلا معنى لإرساله كل الصحابة في ذلك البعث وهو يعلم أنه سيموت ، بأبي هو
وأمي .
|