- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 160 :

دلالة الحديث على صلاة أبي بكر


لقد علمت أن أهم روايات الحديث في روايات كل الصحاح ومسند أحمد قد سقطت عن الاعتبار من حيث السند ، إذ وضح السند ، أذ وضح ضعف أهم تلك الروايات المخرجة فيها .


وأما متن الحديث ، من حيث الدلالة فقد ساورته إشكالات عديدة تمنع الاحتجاج به كدليل على مسألة من أهم المسائل الأصولية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بمصير الإنسان الأخروي ، ألا وهي مسألة الإمامة والخلافة من بعد النبي عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم .


إذ لا شك في أن طاعة أولي الأمر من الواجبات التي ألزم بها الإنسان . ولمعرفتهم لا بد من إقامة أدلة تنفي الظنون وتثبت اليقين في هذه المعرفة ، لأنه لو قادتنا الأدلة الظنية إلى غيرهم ، معتمدين على الظن في إمامتهم ، فأداء واجب الطاعة لهم لا يجزى ، لا سيما إذا توفرت الأدلة الأقوى على إمامة من يخالفهم .


إشكال على المتن : فإشكالات هذا الحديث ، هي إشكالات نضح بها وعاء الاعتقاد بخلافة الصديق ، لا فأبعدت قصة الحديث عن مسرح الواقع الحقيقة . . وأرجو أن لا يتسرع مؤيد والخلافة البكرية العمرية بنبذ ما رأينا في هذا الأمر وما أثبتنا في

هذه السطور حوله من قول ، قبل التدبر فيما قلنا وقبل تعقل ما ذهبنا إليه ، إذ أن هذا أقل الإنصاف وأدنى العدل . فعلاوة على دلالة الحديث الظنية - إذ أنه لا يعدو أن يكون قياسا قيست فيه الخلافة العامة على الخلافة الصغرى ، وهي إمامة الصلاة ،

مما لا يوجب القطع باليقين بهذا - فإننا شاهدنا مخالفة أجلة الصحابة وإعراضهم عن بيعة أبي بكر الصديق . وقد مر ذكرهم بأسمائهم ، فأعد البصر كرتين ينقلب إليك مستيقنا من مخالفتهم للصديق ورفضهم لبيعته . فهذا إشكال واضح ، إذ كيف لم يفهم هؤلاء الصحابة الأجلاء من تلك الإمامة الصغرى - لو سلمنا بحدوثها يومئذ - دلالتها على الإمامة الكبرى أو الخلافة ؟ !
 

- ص 161 -

وكيف سهل على النووي أدراك هذا الأمر وإثبات خلافة الصديق به على رغم غيابه عن مسرح الحوادث في ذلك الوقت ، ولم يسهل على هؤلاء الصحابة الذين خالفوا أبا بكر ولم يبايعوه ، وهم شهود الحوادث في زمانهم ؟ ؟ !


فانظر أبي سعيد الخدري ، قال : " سمعت البراء بن عازب يقول : فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم معتجرون بالأزر الصنانية ، لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده ، فمسحوها على

يدي أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبي . فأنكرت عقلي ، وخرجت اشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا وقلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة ! فقال العباس : تربت أيديكم إلى آخر الدهر " ( 1 ).


فدلالة صلاة أبي بكر التي حكمتها عائشة أم المؤمنين على الخلافة الكبرى أمر لم يطف بأذهان الصحابة ، ولم يفهموه من صلاة أبي بكر .

والبيعة التي تمت من البعض بعد الخلاف الحاد وسل السيوف لم يكن سببها قياس الخلافة الكبرى على إمامة الصلاة أو الخلافة والخصام - بالبيعة للصديق ، غير أن بعض الصحابة خالفوه إلى آخر أيامهم .

وهل كان لم يبايع أبا بكر قط ، ولم يكن يرى له إمامة صغرى فضلا عن أن يفهم منها الإمامة الكبرى ، إذ لم يكن يجتمع مع الشيخين في عيد أو جمعة ، وكان لا يفيض بإفاضتها ( 2 ) .


يقول ابن الأثير : " ثم تحول سعد بن عبادة إلى داره فيق أياما ، وأرسل إليه ليبايع فإن الناس قد بايعوا . .
 

 

* هامش *

 
 

 1 - أنظر : كتاب السقيفة لأبي بكر الجواهري ص 46 .
 2 - الكامل في التاريخ 2 : 330 - حوادث سنة إحدى عشرة ، كتاب السقيفة ص 59 :
الإمامة والسياسة
ص 17 ، معجم البلدان 317 2 . ( * )

 

 

- ص 162 -

فقال : لا والله ، حتى أرميكم بما في كنانتي وأخضب سنان رمحي ، وأضرب بسيفي ، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني . وإن اجتمع معكم الجن والإنس ما بايعتكم ، حتى أعرض على ربي . فقال عمر : لا تدعه حتى يبايع . فقال بشير بن سعد : إنه قد لج وأبى ، ولا يبايعكم حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل معه أهله وطائفة من عشيرته " ( 1 ) .


إن ما لم يفهمه المخالفون لأبي بكر من الصحابة - وهم شهود عيان في عصرهم ، وأقرب عهدا ومكانا من تلك الحوادث ، وأفضل من يدرك مفهوم الإمامة الصغرى - . كيف يدركه دونهم من ابتعد زمانه عن زمان النبي صلى الله عليه وآله بأكثر من ألف عام ؟ !


يقول ابن تيمية : " الاستخلاف في الحياة نوع نيابة لا بد لكل ولي أمر . وليس كل من يصلح للاستخلاف في الحياة [ يعني حياة النبي صلى الله عليه وآله ] على بعض الأمة يصلح أن يستخلف بعد الموت [ أي بعد موت النبي صلى الله عليه وآله ]

فإن النبي [ صلى الله عليه وآله ] استخلف غير واحد ، ومنهم من لا يصلح للخلافة بعد موته ، كما استعمل ابن أم مكتوم الأعمى في حياته ، وهو لا يصلح للخلافة بعد موته [ صلى الله عليه وآله ] ، وكذلك بشير بن المنذر وغيره " ( 2 ) .


وعلى هذا فصلاحية أبي بكر للاستخلاف في الصلاة لا دلالة فيها على صلاحيته للخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله لإدارة شؤون الناس السياسية والاقتصادية . . . وغيرها ، فلا تلازم بين الخلافتين .


ولهذا لم يفهم الإمام علي هذه الملازمة ، بل صرح بأن أبا بكر قد تقمص ما لم له بقميص . يقول عليه السلام : " لقد تقمصها [ يعني الخلافة ] ابن أبي قحافة ، وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ، ولا يرقي إلي الطير " ( 3 ) .

 

* هامش *

 
 

 1 - تاريخ الطبري : حوادث سنة إحدى عشرة - ج 2 ، تاريخ ابن الأثير : نفس الحوادث - ج 2 أيضا .
 2 - منهاج السنة لابن تيمية 4 : 91 .
 3 - نهج البلاغة : الخطبة رقم 3 ( المعروفة بالشقشقية ) . ( * )

 

 

- ص 163 -

إذا ، فهذا رأى الإمام علي في خلافة الصديق ، أمر لم يكن للصديق بل إن الصديق يعلم أن عليا عليه السلام أساس رصه والقطب الذي عليه يدور ، فأين قول من حبه إيمان وبغضه نفاق من قياسات النووي والفخر الرازي وغيرهما ؟ ! !


فإما أن نتهم النووي ورفاقه بمجانبة الحق في ما ذهبوا إليه تأييدا لخلافة الصديق . ولكن بأي شئ استدل أبو بكر على حقه في الخلافة ؟ سنعلم ذلك مما قاله أبو بكر عند احتجاجه على الأنصار في السقيفة .
 

يقول أبو بكر : " . . . وخص الأولين من قومه بتصديقه ، فهم أول من عبد الله في الأرض ، وهم أولياؤه وعترته وأحق الناس بالأمر من بعده ، ولا ينازعهم فيه إلا ظالم " . فأبو بكر لم يتطرق إلى مسافة الصلاة وإمامة الناس باعتبار دليلا على الخلافة ، وإنما كان يرى استحقاق الخلافة بأحد أمرين أو بالأمرين معا .

أولا : تستحق الخلافة بالتصديق السابق للنبي صلى الله عليه وآله .

ثانيا : تستحق الخلافة بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله . وهي حق للعترة كما جاء في صريح قوله ، إذا أنهم أحق الناس بالأمر من بعده ولا ينازعهم فيه إلا ظالم . ولكن هذا استدلال احتج به أبو بكر على نفسه ، فمن ناحية التصديق والسبق

بالإيمان فعلي أسبق منه في تصديق النبي صلى الله عليه وآله ، وكان يخاطب النبي صلى الله عليه وآله بقوله : " يا نبي الله " وعمره اثنتا عشرة سنة - انظر حديث الدار يوم الإنذار - ( 1 ) .


وإما من ناحية القرابة، فلو كانت القرابة هي مدار استحقاق الأمر بعد النبي صلى الله عليه وآله فكلما اشتدت القرابة من النبي صلى الله عليه وآله الاستحقاق لهذا الأمر . . إذا ، فعلي أشد قرابة من النبي صلى الله عليه وآله ، فهو ابن عمه ، وصهره ،

فيكون الإمام عليه السلام قد جمع القرابتين : قرابة الرحم وقرابة المصاهرة . وعلى هذا فعلي عليه السلام أقرب من أبي بكر ، فكيف

 

* هامش *

 
 

 1 - مسند أحمد 1 : 111 - 331 : المستدرك 3 : 132 ، كنز العمال 6 : 392 / 600 8 ،
تاريخ الطبري
: ج 2 ، الكامل في التاريخ : ج 2 : السيرة الحلبية 1 : 381 - باب استخفائه صلى الله عليه وآله . ( * )

 

 

- ص 164 -

استحقها أبو بكر بذلك دون الإمام عليه السلام ؟ !

غير أن عمر ذهب أبعد من هذا ، فصرح بأن الخلافة إرث لا يحق لأحد أن ينازعهم فيه - كما مر عليك - . إذا ، فأمر لا يستحق بإمامة الناس في الصلاة ، كما يقال ، ولا هذ ه الصلاة من الأدلة على ذلك ، لأن الميراث لا يؤخذ بإمامة الناس في الصلاة ، ولا يثبت بها ، وهي ليست من شروطه كما هو معروف .


على أن أبا بكر الصديق قد وضع حدا لترهات القول باستحقاقه الخلافة بسبب إمامته في الصلاة بأمر النبي صلى الله عليه وآله ، فأبو بكر يقول : " إن بيعتي فلتة ، وقى الله شرها " ( 1 ) .

إذا ، فما هو الأمر الذي يكون فلتة ؟ !
أليس هو الأمر الذي يتم من غير روية ولا تدبر ؟ !
أليس هو الأمر المبتدع المجازف فيه ؟ !

فإذا كانت خلافة الصديق فلتة وقي الله شرها ، فلا يمكن أن تكون صلاته بالناس دليلا وإشارة إلى خلافته ، لأن هذا الدليل وتلك الإشارة إلى خلافته تنفي أن تكون خلافته فلتة كما قال ، لأن الدليل والإشارة على شئ يهيئ النفوس ويعدها للتعرف

على ذلك الشئ واستقباله ، فتنتبه العقول إليه لتهيئ المقدمات ، فلا تكون فلتة فيخشى منها الفتنة والشر ، فكيف يدعى أن صلاة الصديق بالناس تدل على استحقاقه الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله ! ! وهذا دليل جسمه فيما بعد المناوي .


النووي وغيرهما أو من سبقهما ، إذا أنهم وجدوا أنفسهم قد ورثوا الاعتقاد بخلافة الصديق ، وصاروا يطوون في هذا الاعتقاد طريقا ذا اتجاه واحد ، فاستنبطوا هذا الدليل من حكاية لم يكن لها واقع تطابقه ، لإظهار صحة ما حدث أمام المخالفين ، إذا

لهم يكن هذا الاعتقاد موجودا في نفوس الصحابة والخليفة الأول . فهذا هو الخليفة الثاني يدعي أن النبي صلى الله عليه وآله لم يستخلف أحدا ، وبهذا ينفي القياس
 

 

* هامش *

 
 

 1 - أنساب الأشراف للبلاذري 1 : 59 ، نهج البلاغة ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 132 . ( * )

 

 

- ص 165 -

المزعوم من أن قصد النبي صلى الله على وآله من أمر أبي بكر بإمامة الناس في الصلاة أنما هو لبيان كونه الخليفة من بعده ، فيكون قد خلفه عليهم بذلك . .
 

يقول ابن هشام : " فلولا مقالة قالها عمر عند وفاته لم يشك المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قد استخلف أبا بكر ، ولكنه قال عند وفاته : إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني ، وإن أتركهم فقد تركهم من هو خير مني [ يعني بذلك النبي صلى الله عليه وآله ] .


ولهذا شك المسلمون في خلافة أبي بكر ، واعترف عمر بعدم استخلاف النبي لأبي بكر الصديق .

ثم إن حديث صلاة أبي بكر هذا قد روته عائشة بنت محمد صلى الله عليه وآله قد خالفت أبا بكر وخلافته ، وذهبت وهي عليه غاضبة ساخطة ! فلو كان ما تنفرد بروايته عائشة بنت أبي بكر وحدها يصبح حجة على الناس ، فلماذا لا تكون معارضة الزهراء بنت محمد صلى الله عليه وآله لما روته حجة على الناس ؟ !

قالت البتول عليها السلام في أمر الخلافة " ويحهم ! أنى زحزحوها [ تعني الخلافة ] عن رواسي الرسالة ، وقواعد النبوة ، ومهبط الروح الأمين ؟ ! الطبن بأمور الدنيا والدين ؟ ! ألا ذلك الخسران المبين . وما الذي نقموا من أبي الحسن ؟ ! نقموا

والله منه نكير سيفه ، وشدة وطأته ، ونكال وقعه ، وتنمره في ذات الله . وتالله لو تكافأوا على زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لاعتقله وسار به سيرا سجحا لا يكلم خشاشه ، ولا يتتعتع راكبه ، ولأوردهم منهلا رويا فضفاضا تطفح ضفتاه ، ولا

 

* هامش *

 
 

 1 - سيرة ابن هشام 4 : 302 - تمريض رسول الله في بيت عائشة . ( * )

 

 

- ص 166 -

يترنم جانباه ، ولا صدرهم بطانا ، ونصح لهم سرا وإعلانا ، غير متحل منهم بطائل إلا بغمر الناهل وردعة سورة الساغب ، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون .

ألا هلم فاستمع ، وما عشت أراك الدهر عجبا ، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث ، إلى أي لجأ لجأوا ؟ ! وبأي عروة تمسكوا ، لبئس المولى ولبئس العشير ، بئس للظالمين بدلا ! استبدلوا والله الذنابي بالقوادم ، والعجز بالكاهل ، فرغما لمعاطس قوم

يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) . . ويحهم ! ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) " ( 1 ) ؟ !


أجل ، لو كان ما تحكيه عائشة حجة فلم لا تكون الحجة في معارضة الزهراء لما تحكيه عائشة ، والنبي صلى الله عليه وآله يقول : " فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها " ؟ !

وها هي قد غضب على هذه الخلافة التي أثبتوها بما حكت عائشة ، فكيف لا يكون هذا الغضب النبوي دليلا على بطلان ما أحكمته أم المؤمنين ، لا سيما وقد خالف الصديق معظم الصحابة في مسألة الخلافة - وقد عرفت ذلك - ؟ !

على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يترك لأم المؤمنين عائشة حجة في قول تحتج بها على من يخالفها ، ولا سيما على فاطمة عليها السلام .


لقد روى البخاري : " أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قام خطيبا على منبره ، فأشار نحو مسكن عائشة وقال : ها هنا الفتنة ، ها هنا الفتنة ، حيث يطلع قرن الشيطان " ! ( 2 ) .


فماذا نفهم من هذا الحديث الواضح الضريح الذي لا يقبل التأويل بغير ما حملته ألفاظه من معان ظاهرة يفهمها البدوي والحضري ، وهذا وحده يكفي لإسقاط حديث أم المؤمنين عن صلاة أبي بكر بالناس .


غير أن مسلما أورد هذا الحديث بألفاظ شدة ، يقول : " خرج رسول الله [ صلى الله عليه وآله ]
 

 

* هامش *

 
 

 1 - أنظر : كتاب السقيفة لأبي بكر الجواهري ص 100 ، كتاب بلاغات النساء لابن طيفور ص 29 .
 2 - صحيح البخاري : كتاب الجهاد والسير - باب ما جاء في بيوت أزواج النبي عليها السلام . ( * )

 

 

- ص 167 -

من بيت عائشة فقال : رأس الكفر من ها هنا ، حيث يطلع قرن الشيطان " ! ( 1 ) .

وعندما نظيف حديث البخاري إلى حديث مسلم ، ثم نظيف إليها قصة وادي الحوأب وتحذير النبي صلى الله عليه وآله لها أن لا تكون التي تنجها كلاب الحواب ، عندما قال لها ولأم سلمة ؟ ! : أيتكن صاحبة الجمل الأدب ، تنبحها كلاب الحوأب ، فتكون ناكبة عن الصراط ؟ ! ثم ضرب على ظهر عائشة فقال : إياك أن تكونيها يا حميراء ( 2 ) !


أجل . . عندما نجمع تلك الحقائق على صعيد واحد ، نعلم أن أم المؤمنين قد تصدرت فتنة وأججت نارها ، رغم أنها قد منعت وحذرت من ذلك . وعندما نعلم أنه لم يكن لها إلا عدو واحد ، وأثبت التاريخ أنها حاربته وقادت الناس في قتاله يوم الجمل ،

وعرف فيما بعد بحرب الجمل ، الذي عبرت به وادي الحواب . . نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله ما قصد بقوله مشيرا إلى مسكنها : " ها هنا الفتنة ، هاهنا الفتنة ! " إلا فتنة محاربتها وعداءها لعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين !


أجل ، فعائشة لم تحارب أحدا غير الإمام علي حتى نقول إن النبي صلى الله عليه وآله : " قصد بهذه الفتنة محاربتها لذلك الآخر . وحرب عائشة للإمام علي من أشهر حوادث التاريخ ، حتى غدى بين عائشة وحربها للإمام علي دلالة التزامية لا تنفك .

ثم نعرج على القول النبي صلى الله عليه آله : " ويح عمار ! تقتله الفئة الباغية " فنعلم أن عمارا قتل بسيوف عائشة ومعاوية ! فهل يشك أحد في تنكبها الصراط كما حذرها النبي صلى الله عليه وآله ؟ !

ولا مجال لادعاء الاجتهاد ، لأنه قد سبق وصف النبي صلى الله عليه وآله لذلك بأنه فتنة ورأس الكفر وقرن من قرون الشيطان ولا يثاب أحد على هذا ، بل . . . وسبب كل ذلك هو بغض عائشة أم المؤمنين لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب

وقد علمت أن نفسها لا تطيب له بخير وإن لم يكن خير فشر . بعد أن وضح ذلك يجب أن نتوقف قليلا عند حكايتها لصلاة أبيها بالناس ولا نسارع
 

 

* هامش *

 
 

 1 - صحيح مسلم 2 : 503 .                       2 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 77 . ( * )

 

 

- ص 168 -

بقبولها ، إذ أنها محفوفة بما يمنع ذلك . لقد علمت عائشة أن عليا عليه السلام هو الخليفة من النبي صلى الله عليه وآله .

تقول أم سلمة مذكرة عائشة لعلها أن تثوب عن حرب أمير المؤمنين : . . . واذكري أيضا يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله في سفر له ، وكان على يتعاهد نعل رسول الله فيخصفها ، وثيابه فيغسلها ، فنقب نعله فأخذها يومئذ يخصفها وقعد في ظل

سمرة ، وجاء أبوك ومعه عمر ، وقمنا أي الحجاب ، ودخلا يحدثانه فيما أرادا إلى أن قالا : يا رسول الله ، إنا لا ندري أمد ما تصحبنا ، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ، ليكون لنا بعدك مفزعا . فقال لهما : أما إني قد أرى مكانه ، ولو فعلت لتفرقتم

عنه كما تفرق بنو إسرائيل عن هارون . فسكتا ثم خرجا ، فلما خرجا جئنا إلى رسول الله ، فقلت له أنت ، وكنت أجرا عليه منا : يا رسول الله ، من كنت مستخلفا عليهم ؟ فقال : خاصف النعل . فنزلنا فرأيناه عليا . . فقلت : يا رسول الله ، ما أري

إلا عليا ! فقال [ صلى الله عليه وآله ] هو ذاك . قالت عائشة : نعم ، أذكر ذلك . فقالت أم سلمة : فأي خروج تخرجين بعد هذا يا عائشة ؟ ! " ( 1 ) .


إذا فقد كانت عائشة تعرف خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله من بعده ، ولكنها تبغضه ، ولا يسعها أن ترى أباها بعيدا عن هذا المقام ! ومسألة عائشة في أمر الخلافة لم تكن هي مجرد اختيار الأصلح ، بل كانت تسعى لأن يبقى هذا الأمر بين قومها ، ولذلك لم تكن عائشة راضية عندما تولى عثمان الخلافة .


فقد روي أنها لما بلغها قتله قالت : " أبعده الله ! قتله ذنبه ، وأقاده الله بعمله ! يا معشر قريش ، لا يسوءنكم قتل عثمان كما ساء أحيمر ثمود قومه . أحق الناس بهذا الأمر لذو الأصبع " -

 

* هامش *

 
 

 1 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 77 . ( * )

 

 

- ص 169 -

تعني طلحة - . . . فلما جاءت الأخبار ببيعة علي عليه السلام ، قالت : " تعسوا ! لا يردون الأمر في تيم أبدا " ( 1 ) .


فانظر كيف هي حريصة على أن يبقى الأمر في قبيلتها تيم . ولو كانت عائشة حريصة على أن يتولى هذا الأمر طلحة فهل كانت قصة صلاة أبيها أبدا ، بل حرصت على جعل الخلافة في قومها أشد الحرص ، وكانت قصة صلاة أبيها بالناس من ذلك الحرص ، لا سيما وأنها عليا منافسه الأول .


وقد روى الطبري : " إن عائشة لما انتهت إلى سرف راجعة في طريقها في مكة لقيها عبد ابن أم كلام ، وهو عبد ابن أبي سلمة ، ينسب إلى أمه . . فقالت له : مهيم ؟ قال : قتلوا عثمان ، فمكثوا ثمانيا . قالت : ثم صنعوا ماذا ؟ قال : أخذها أهل

المدينة بالإجماع ، فجازت بهم الأمور إلى خير حجاز : اجتمعوا على علي بن أبي طالب . فقالت : والله ، ليت أن هذه [ أي السماء ] انطبق على هذه [ أي الأرض ] ، إن تم الأمر لصاحبك ، ردوني ، ردوني ! فارتدت إلى مكة وهي تقول : قتل والله عثمان مظلوما ! والله لأطلبن بدمه " ( 2 ) !


فانظر إلى هذا التغيير المفاجئ الذي اعترى أم المؤمنين ! ! فقد كانت تقول عن عثمان : ( قتله ذنبه ) ، ( أقاده الله بعمله ) . . وذلك لأنها كانت تظن أن الفرصة قد تهيأت لأن تعود الخلافة إلى تيم ، ولما لم يحدث ما ظنت ، وعادت الخلافة إلى علي

عليه السلام صار عثمان عندها مظلوما ولزمتها المطالبة بدمه ! فهل بعد هذا يمكن الاعتماد على قولها إن النبي صلى الله عليه وآله عين أباها إماما للناس في

 

* هامش *

 
 

 1 - نفس المصدر نقلا عن أبي مخنف .                         2 - تاريخ الطبري 3 : 476 . ( * )

 

 

- ص 170 -

الصلاة ؟ ! على أن صلاة أبي بكر بالناس لا دلالة فيها على الخلافة ، كما أوضح ابن تيمية ، هذا إن كان أبو بكر قد صلى بالناس . ولكن ، هل صلى أبو بكر بالناس حقا ؟ ! !


يقول ابن سيد الناس : " لما كان الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجره ، أمر رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم . فلما كان من الغد ، دعا أسامة بن زيد فقال : سر إلى موضع مقتل أبيك ،

فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش . . . فلما كان يوم الأربعاء ، بدا برسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وجعه ، فحم وصدع . فلما أصبح يوم الخميس ، عقد لأسامة لواء بيده [ الشريفة ] ، ثم قال : اغز بسم الله وفي سبيل الله . فخرج

بلوائه معقودا ، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي ، وعسكر بالجرف ، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة ، منهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص سعيد بن

زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم بن حريس . . فتكلم قوم وقالوا : يستعمل هذا الغلام [ وكان عمر زيد سبع عشرة سنة ] على المهاجرين الأولين ؟ ! فغضب رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم غضبا شديدا ، فخرج وقد عصب على رأسه

عصابة وعليه قطيفة ، فصعد المنبر ، وحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ؟ ! ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله ، وأيم الله ، إن كان خليقا للإمارة وإن

ابنه من بعده لخليق للإمارة ، وإن كان من أحب الناس إلي ، وإنهما لمخيلان لكل خير - أي مظنة لكل خير - فاستوصوا به خيرا ، فإنه من خياركم .

- ص 171 -

ثم نزل فدخل بيته ، وذلك في يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ويخرجون إلى المعسكر بالجرف . وثقل على رسول الله صلى

الله عليه [ وآله ] وسلم ، فجعل يقول : أنفذوا بعث أسامة ، فلما كان يوم الأحد ، اشتد برسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وجعه ، فدخل أسامة في معسكره والنبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم مغمور ، وهو اليوم الذي لدوه ( 1 ) فيه ،

فطأطأ أسامة فقبله والنبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لا يتكلم ، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة ، قال أسامة : فعرفت أنه يدعو لي . ورجع أسامة إلى معسكره ، فأمر الناس بالرحيل ، فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أم أيمن

قد جاءه يقول : إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وهو يموت ، فتوفي عمر وأبو عبيدة ، انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وهو يموت ، فتوفي حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي ليلة من شهر ربيع الأول ، ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف " ( 2 ) .


لقد علمنا أن المسلمين ودعوا النبي صلى الله عليه وآله وخرجوا إلى معسكرهم بالجرف ، وخرج أبو بكر مع كبار الصحابة برفقة المسلمين تحت لواء أسامة ، إذ كانوا جنودا في الجيش ، وكان ذلك في يوم السبت .


وفي يوم الأحد اشتد مرض النبي صلى الله عليه وآله ، فصار يحث الناس على الخروج ، فجاء أسامة وحده من معسكره لوداع النبي صلى الله عليه وآله ، فدعا له النبي صلى الله عليه وآله ، وعاد أسامة إلى معسكره وفي يوم الاثنين أمر أسامة

الجيش بالرحيل ، وقبل الذهاب جاءه خبر وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، ولكن لم يدخل المدينة في أول الأمر إلا أسامة وعمر وأبو عبيدة ، وعندما تأكدوا من وفاة النبي صلى الله عليه وآله دخل سائر الجيش المدينة . وعلى هذا يكون أبو بكر قد بقي في المعسكر في الجرف منذ يوم السبت ، حتى وفاة
 

 

* هامش *

 
 

 1 - لدوه : جعلوا الدواء في جانب فمه .
 2 - كتاب عيون الأثر لابن سيد الناس 2 : 281 - 282 - سرية أسامة بن زيد بن حارثة . ( * )

 

 

- ص 172 -

النبي صلى الله عليه وآله في ضحى يوم الاثنين .

فكيف يكون أبو بكر قد صلى صلاة الصبح في يوم الاثنين وهو معسكر في خارج المدينة بالجرف ؟ !

وحتى في وجوده بالمعسكر فإنه لا يمكن أن يصلي بالناس ، لأن قائد الجيش هو إمام الناس في الصلاة ، كما هو معروف . وقد علمت أنه لما جاءهم خبر أم أيمن بوفاة النبي صلى الله عليه وآله لم يدخل إلا أسامة وعمر وأبو عبيدة ، وبقي أبو بكر في المعسكر ، ولم يدخل إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله .


وهذا ما قاله الطبري وابن الأثير وسائر المؤرخين ، إذ ذكروا أن أبا بكر لم يأت إلا بعد أن بلغه خبر وفاة النبي صلى الله عليه وآله . فإما أنه كان بالسنح عند أهله ، وإما أنه قد بقي بالجرف حيث المعسكر . . فإن كان بالسنح فقد غاب ثلاث ليال حتى بلغه الخبر .


وإن كان بالمعسكر فقد غاب يومين ، ولم يدخل إلا بعد بلوغه الخبر أيضا ، فدخل مع الجيش ، ووجد عمر يقول ما كان يقول في ذلك الوقت من تهديده لمن يزعم أن النبي صلى الله عليه وآله قد مات ، وإما أن يكون قد ترك المعسكر وذهب إلى السنح وبقي هناك حتى خبر الوفاة و هو الأرجح عندي .


إذا ، فالأمر واضح جدا لا يحتاج إلى عناء في التفكير لفهم جوانبه ، فصلاة أبي بكر بأمر النبي صلى الله عليه وآله ما هي إلا من صناعة ووضع البشر ، أملتها عليهم العصبية والقبلية والعداء لعلي عليه السلام وعترة خير الأنام .


لقد ذكر أبو بكر بن عبد العزيز الجواهري ( 1 ) " أن رسول الله ( ص ) في مرض موته أمر أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والأنصار ، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير " .

ولقد أبدى النبي صلى الله عليه وآله اهتماما بليغا بأمر هذه السرية ، ولم تمنعه شدة مرضه من إنفاذ هذا البعث . وإن تعبئة وجوه وأعيان المهاجرين والأنصار مثل أبي بكر وعمر وطلحة والزبير تعكس مدى اهتمام النبي صلى الله عليه وآله بأمر هذا الجيش . وكل ما في إنما هو اهتمام منه صلى الله عليه وآله
 

 

* هامش *

 
 

 1 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 20 وما يليها - نقلا عن كتاب السقيفة . ( * )

 

 

- ص 173 -

بانفاد بعث أسامة لكونه من أمر الله ، إذا أراد الله تعالى أن يكون هذا البعث على الوجه الذي أعده النبي صلى الله عليه وآله مشتملا على أبي بكر وعمر بقيادة الشاب اليافع أسامة بن زيد . وكان أمر الله في إنفاذ هذا البعث أمرا لا يقبل التأني والتأخير ، سواء أكان بسبب مرضه أو بسبب أي أمر آخر .


وهذا كله يتضح من إصرار النبي صلى الله عليه وآله حتى آخر لحظات حياته على إنفاذ البعث ، بل وصل الأمر إلى لعن النبي صلى الله عليه وآله المتخلفين عن هذا الجيش . وأراد أسامة أن يعتذر للنبي صلى الله عليه وآله عن الخروج ، والنبي

صلى الله عليه وآله في هذه الحال من المرض ، ولكن لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله مجال لتأخير أمر الله تعالى ولقبول اعتذار أسامة .


فقد روي أن أسامة دخل النبي صلى الله عليه وآله وقال له: " بأبي أنت وأمي، أتاذن لي أن أمكث أياما حتى يشفيك الله تعالى ؟ " . . ولكن ، لم يكن الأمر كما يتصوره أسامة ، فأمر الله في هذه السرية لا يؤخره المرض . فقال النبي صلى الله عليه

وآله : " اخرج وسر على بركة الله ". وقال أسامة ظانا أن شدة مرض النبي صلى الله عليه وآله تعينه على إقناع النبي صلى الله عليه وآله بتأخير السرية ولو أياما : " يا رسول الله ، إن أنا خرجت وأنت على هذه الحال خرجت وفي قلبي قرحة " .

فقال النبي صلى الله عليه وآله : " سر على النصر والعافية " . إذا ، فلا مجال لتأخير أمر الوحي . . لكن أسامة ما يزال يعلق الآمال ، ساعيا إلى إقناع النبي صلى الله عليه وآله بالتأخر حتى يشفيه الله ، فقال مشفقا : " يا رسول الله ، إني أكره أن

أسائل عنك الركبان " . أما النبي صلى الله عليه وآله فكان يعلم أن هذه السرية فوق التأخير ، فكيف الالغاء ؟ ! عندها تغيرت لهجة النبي صلى الله عليه وآله ، فقال مظهرا لزوم الأمر النبوي : " انفذ لما أمرتك به " . ثم أغمي على النبي صلى الله

عليه وآله ، بأبي هو وأمي . وعندما علم أسامة أن أمر السرية هذه لا مراجعة فيه ، قام يعد نفسه للخروج ، فخضع للأمر الإلهي وبدا في إعداد الجيش . وفي هذه الأثناء أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولكن لا شئ أمامه غير أمر هذه السرية وبعث أسامة ، فقال آمرا : " أنفذوا بعث

- ص 174 -

أسامة " .

وهذه المرة أصدر أمره للجنود وأفراد الجيش ، إذ لا مناص من التنفيذ . ثم أردف النبي صلى الله عليه وآله بعبارة يخاطب بها من سولت لهم أنفسهم الطعن في تأمير أسامة ، أو يخاطب بها أولئك الذين توسوس لهم أنفسهم إلغاء البعث هذا أو التخلف عنه ، فقال النبي صلى الله عليه وآله مخاطبا إياهم : " لعن الله من تخلف عنه " .


وهذا الحكم لا يختلف من حيث الزمان ، سواء كان زمانه في حياة النبي صلى الله عليه وآله أو كان بعد وفاته ، بالنسبة إلى من شملهم الأمر ، إذ قد صدر الأمر وأردف بلعن المتخلفين على نحو من الاطلاق والقطع ، دون استثناء لأحد منهم بما فيهم أبو بكر وعمر .


والمدقق في أمر هذه السرية يلحظ أشياء تلفت انتباهه ، وتحرك فيه باعث التحقيق . إننا نلحظ في أمر هذا البعث :

 1 - الاهتمام البليغ الذي أبداه النبي صلى الله عليه وآله بهذا البعث ، حتى أنه صلى الله عليه وآله لعن المتخلفين عنه في إصرار لم يعهد من النبي صلى الله عليه وآله سابقا .

 2 - الوقت الذي أمر فيه بإنفاذ البعث ، فالنبي صلى الله عليه وآله كان قد نعيت إليه نفسه وأخبر بدنو أجله ، فما هي أهمية هذا البعث حتى يتشدد النبي صلى الله عليه وآله في إنفاذه في هذا الوقت بالذات ، وهو نفس اليوم الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وآله ؟ !

 3 - تعبئة وجوه وأعيان الصحابة من المهاجرين والأنصار في هذه السرية ، دون استثناء لأحد بما فيهم الصديق والفاروق ، تحت إمرة الشاب اليافع ابن العشرين عاما أسامة بن زيد .

 4 - عدم فتح باب الشورى لأصحابه في هذه السرية ، وقد كان يستشيرهم في بعض الغزوات .


ونحن قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وآله التحق بالرفيق الأعلى قبل أن يخرج الجيش من معسكره بالجرف . فلنفرض ذهاب الجيش قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، ووفاة النبي صلى الله عليه وآله بعد ذهابهم . .

فكيف يكون حال عاصمة الإسلام ونسائها وأطفالها ، والأعداء من المنافقين واليهود الحاقدين على دين الإسلام يتربصون بالإسلام الدوائر ، وقد أخلى النبي صلى الله عليه وآله
 

- ص 175 -

المدينة من الصحابة كافة ، وارتحل هو إلى الرفيق الأعلى ؟ !


ثم إننا نسأل : هل كان النبي صلى الله عليه وآله يرى في أبي بكر الخليفة من بعده ؟ ! ولكن لا يستقيم هذا الأمر لو كانت الإجابة بالإيجاب ، وذلك لأمرين نلحظهما في بعث أسامة بن زيد :

أولا : لقد أمر النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر بالخروج في هذا الجيش ، والنبي صلى الله عليه وآله كان يعلم بموته إذ أخبر بذلك . فلو كان النبي صلى الله عليه وآله رأى في أبي بكر خليفته لأمره بالبقاء إلى جنبه حتى لا تخلو المدينة ممن يفزع إليه

المسلمون ، ويحفظ بيضة الإسلام في أصعب يوم في حياة المسلمين ، وحتى لا يكون نساء المسلمين وأطفالهم في غياب آبائهم بلا راع لهم ولا حافظ لأعراضهم . . هذا من ناحية .


ومن ناحية أخرى ، فما دام النبي صلى الله عليه وآله مخلفا أبا بكر ، فأبو بكر أحوج إلى نصح النبي صلى الله عليه وآله وإرشاده إرشادا خاصا يستعين به على إدارة أمور المسلمين . وعلى كل فبقاء أبي بكر - لو كان هو الخليفة بعد النبي صلى

الله عليه وآله - يستقيم وحكمة النبي الكريم ، لا خروجه في هذا الجيش وهو خليفة المسلمين ، فقد يناقض حكمة النبي صلى الله عليه وآله وحنكته السياسية في إدارة شؤون الدولة .


ثانيا : فإن كان لا بد من خروج أبي بكر - وهو المنتخب من جانب النبي صلى الله عليه وآله خليفة له من بعده على المسلمين - فعلى أقل تقدير كان على النبي صلى الله عليه وآله أن يوليه هو الجيش ويجعله على رأس الجنود ، لا أن يرسله معهم جنديا مأمورا تحت إمارة أسامة بن زيد ذي العشرين عاما ، إذ أن هذا لا يتفق ومقام الخلافة .


فالخليفة هو خليفة النبي صلى الله عليه وآله في جميع مقاماته ومنها قيادة الجيش ، فكيف صار خليفة المسلمين جنديا يرأسه فرد من رعيته ، بل شاب صغير العمر ؟ ! إن هذا ليبدو ليس من الحكمة في شئ ، بل سيكون لذلك أسوأ النتائج ، وقد رأيت كيف طعن البعض في تأمير أسامة .


بل إنهم أرادوا عزل أسامة بعد ذلك ، لأنه أمر على كبار المهاجرين ، فكيف لو أمر على الخليفة ؟ ! إذا ، لكي لا يكون النبي صلى الله عليه وآله بعيدا عن الحكمة والفطانة النبوية ، علينا أن نسلم بأن

- ص 176 -

النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يرى في أبي بكر خليفة له من بعده . بل أراد النبي صلى الله عليه وآله بأمره أبا بكر وعمر بالذهاب في هذا الجيش تحت إمرة أسامة أن يتحقق غيابهما عن المدينة ، فيكون قد أراد النبي صلى الله عليه وآله بذلك إبعاد أبي بكر وعمر عن أعتاب الخلافة ببيعة علي في غيابهما .


ولهذا كان الطعن في تأمير أسامة ، وكان التثاقل عن إمضاء الأمر النبوي حتى توفي النبي صلى الله عليه وآله ، فأحكمت السقيفة وهدد علي عليه السلام بالقتل ، كما رأيت . إذا ، فالنبي صلى الله عليه وآله بأمره أبا بكر بالذهاب في هذا الجيش قد أراد إبعاده عن المدينة ، لأنه لو كان هو الخليفة من بعده لأبقاه إلى جانبه واحتفظ به في المدينة .


بيد أنه أراد بتأمير الشاب أسامة على هذا الجيش وبأن يكون أبو بكر الشيخ تحت إمرته ، أن يقطع الحجة على من يقول - معارضا خلافة الإمام علي - بأنه صغير السن أو استصغره قومه ، كما قال عمر لابن عباس ! قال عمر لابن عباس مرة :

" يا ابن عباس ، ما أظنهم منعهم عنه إلا أنه استصغره قومه ! قال ابن عباس : والله ، ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ " براءة " من صاحبك " ( 1 ) .


إن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلم بما يجول في نفوس القوم ، ولهذا أراد بتأمير أسامة عليهم قطع الحجة وإبطال ادعائهم بصغر سن الإمام علي عليه السلام بالنسبة إلى الخلافة ، ذلك أن تأمير أسامة عليهم - وهو في ذلك العمر - هو تمهيد من

النبي الكريم صلى الله عليه وآله لخلافة علي بن أبي طالب عليه السلام ، ورغم ذلك فقد استصغره قومه ، كما رأيت من قول عمر لابن عباس ! على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يأمر علي بن أبي طالب عليه السلام بالذهاب في هذا الجيش ، كما

هو بين لا ارتياب فيه . . فلأي شئ احتفظ النبي صلى الله عليه وآله بالإمام علي عليه السلام إلى جانبه ؟ ألم يكن الخليفة أولى بهذا المقام ؟ وقد يقول قائل : إن النبي صلى الله عليه وآله إلا ليغسله بعد موته . نعم ، إذ ليس في ذلك شك ، وقد أوصاه النبي صلى الله عليه وآله بذلك .


روى ابن سعد عن علي عليه السلام قال : " أوصى النبي [ صلى الله عليه وآله ] أن لا يغسله أحد غيري " ( 2 ) .
 

 

* هامش *

 
 

 1 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 97 .            2 - طبقات ابن سعد 2 : 61 - القسم الثاني . ( * )

 

 

- ص 177 -

وروي أنه قال : " أوصاني رسول الله ( ص ) فقال : إذا أنا مت فغسلني بسبع قرب " ( 1 ) .
 

وروى الحاكم في مستدركه ، والذهبي في تلخيصه ، عن علي [ عليه السلام ] ، قال : " غسلت رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] ، فجعلت أنظر ما يكون من الميت ، فلم أر شيئا ، وكان طيبا حيا وميتا " ( 2 ) .


وروى عمر بن الخطاب ، عن رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] أنه قال لعلي : " أنت غاسلي ودافني " ( 3 ) .


أجل ، لقد أوصى النبي صلى الله عليه وآله الإمام عليا عليه السلام بأن يغسله إذا مات ويدفنه ، فهذا صحيح .

وقد عرفنا أن النبي صلى الله عليه وآله كان قد علم بموته ، ورأينا كيف تشدد في أمر الجيش بالخروج ، وفيه كبار الصحابة ، أبو بكر وعمر وغيرهما ، تحت لواء أسامة ، ورأينا كيف كانت المدينة تخلو - بذهاب الجيش إلى مؤتة - من كل الصحابة ومن النبي صلى الله عليه وآله نفسه ، إذ توفي في نفس اليوم المقرر لخروج الصحابة في الجيش .


لقد رأينا كل ذلك ، وكان يمكن أن يمتد غياب الصحابة إلى ما يفوق الشهر ، بغض النظر عن إمكانية استشهادهم .

أجل ، رأينا النبي صلى الله عليه وآله قد فعل كل ذلك . .

فهل يا ترى كان النبي صلى الله عليه وآله يترك دولة الإسلام مدة شهر أو عشرين يوما بلا خليفة حتى يعود أبو بكر ؟ !

وهل يا ترى كان يذهب النبي صلى الله عليه وآله ويترك الدولة الإسلامية الفتية الطرية العود بلا راع ، وعلي بن أبي طالب عليه السلام فيها ، بل هو الذي أبقاه فيها عامدا إلى ذلك وقد قال له من قبل : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى ؟ !

إذا ، فلها رون أن يخلف موسى في قومه ، كما هي الإرادة الإلهية المقدسة .

ولعمر الله ، هذا ما كان يرمي إليه النبي صلى الله عليه وآله ، إذ لا معنى لإرسال جيش عبئ فيه كل الصحابة مهاجريهم وأنصارهم بكريهم وعمريهم ، ثم يحتفظ بعلي عليه السلام إلى جواره ، ثم تخلو المدينة
 

 

* هامش *

 
 

 1 - كنز العمال 4 : 54 .
 2 - مستدرك الحاكم 3 : 59 ، وأخرجه الذهبي في تلخيصه ، وقال : صحيح الإسناد إلى علي .
 3 - كنز العمال 6 : 155 - الحديث رقم 2583 . ( * )

 

 

- ص 178 -

من راع يرعاها ، والنبي صلى الله عليه وآله يعلم ذلك ، ثم لا يخلف عليا عليها خليفة على المسلمين ! لقد أراد النبي صلى الله عليه وآله إبعادهم ، بإخلاء المدينة منهم ، حتى يصفو له الجو ويخلف عليا عليه السلام .


فعل ذلك لكي لا تتكرر رزية أخرى كرزية يوم الخميس ، يوم اجتمعوا حوله في حجرته صلى الله عليه وآله ، فأراد أن يكتب لهم كتابا ينجون به من الضلال ، فقال عمر وأفراده : هجر رسول الله ! وإن الرجل قد غلب عليه الوجع ! حسبنا كتاب الله ، عندنا القرآن ! فمنعوا بذلك كتابة الكتاب .


لقد اتهموا النبي صلى الله عليه وآله بالهجر والهذيان في يوم الخميس ، وطعنوا في تأمير أسامة يوم السبت . . فماذا تراهم يقولون لو ولى عليهم عليا عليه السلام يوم الأحد ؟ ! فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله توالي الطعن منهم في أوامره ،

وعدم العمل بها ، بل رأى أنهم طعنوا في عصمته . . أمرهم بالخروج عن المدينة في هذا البعث ، وولى عليهم أسامة لكي يولي عليا في غيابهم ، وإلا فلا معنى لإرساله كل الصحابة في ذلك البعث وهو يعلم أنه سيموت ، بأبي هو وأمي .


 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب