إن حادثة السقيفة لهي من الحوادث التاريخية التي لا تخلو
منها مصنفات التاريخ الإسلامي ، إذ أنها من الحوادث التي لها أثر مشهود في ماضي
وحاضر المسلمين .
إنها من الحوادث التي لم يكن للتاريخ إلا أن يسجلها ويحفظها
لأجيال المسلمين ، إذ بها لبس الإسلام ثوبا واتخذ مسارا جديدا بعد حياة النبي
صلى الله عليه وآله . فهل كان ما دار فيها وما تمخض عنها مبنيا على أساس الشورى
؟
وقبل أن نجيب عن هذا التساؤل - إذ أنه سيأتي ذلك في محله -
علينا أن نشهد مختصرا من حكاية تلك الواقعة ، كما يرويها الطبري : " اجتمعت
الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، وتركوا جثمان الرسول [ صلى الله عليه وآله ]
يغسله أهله ، فقالوا :
نولي هذا الأمر بعد محمد [ صلى الله عليه وآله ] سعد بن
عبادة . وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض ، فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر سابقة
الأنصار في الدين ، وفضيلتهم في الإسلام ، وإعزازهم للنبي [ صلى الله عليه وآله
] وأصحابه ، وجهادهم
لأعدائه ، حتى استقامت العرب ، وتوفي الرسول [ صلى الله
عليه وآله ] وهو عنهم راض ، وقال : استبدوا بهذا الأمر دون الناس . فأجابوه
جميعا أن : قد وفقت الرأي ، وأصبت في القول ، ولن نعدو ما رأيت ، نوليك هذا
الأمر . . إلى آخر كلامه . فسمع عمر وأبو بكر بذلك ،
فأسرعا إلى سقيفة بني ساعدة مع أبي عبيدة بن الجراح ، وانحاز معهم أسيد بن خضير
، وعاصم بن عدي من بني العجلان " ( 1 ) .
ما نفهمه من هذا - كما أشرنا
سابقا - أن بني هاشم وبعض من انحاز إليهم من الصحابة لم يكن لهم وجود في
السقيفة في ذلك اليوم ، إذ أنهم كانوا مشتغلين بغسل وتجهيز جثمان النبي صلى
الله عليه وآله . وبعد نزاع وخصام حاد ، انتهى الأمر بتولي أبي بكر زمام
الخلافة ، وعرف بعد ذلك بالخليفة الأول ، أو خليفة رسول الله صلى الله عليه
وآله .
عن أبي سعيد الخدري ، قال :
سمعت البراء بن عازب يقول : " . . . فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه
عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم معتجرون بالأزر الصنعانية ، لا
يمرون بأحد إلا خبطوه ، وقدموه فمدوا يده
فمسحوها على يدي أبي بكر ، شاء ذلك أو أبى . فأنكرت عقلي
، وخرجت اشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضربا
عنيفا ، وقلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة ! فقال العباس : تربت
أيديكم إلى آخر
الدهر " ( 2 ) . وقال بعضهم لبعض : " ما كان المسلمون
يحدثون حدثا نغيب عنه ونحن أولى بمحمد . فقال العباس : فعلوها ورب الكعبة ! " (
3 ) .
ونتيجة لما تمخض عن واقعة السقيفة
، يقف اليوم كثير من المسلمين موقف المؤيد لما انتهج في السقيفة آنذاك لاختيار
إمام المسلمين ، باعتبار أن الشورى هي التي كانت حاكمة بين المتخاصمين في سقيفة
بني ساعدة . وتقبلوا ما نتج عنها قبولا لا
يقبل الرد باعتباره أمرا مسنودا بآيات القرآن ، من حيث
إنه أمر بالشورى في مثل هذه الأمور ، لقوله تعالى : (
وأمرهم شورى بينهم ) ( 4 ) ، ولقوله تعالى (
وشاورهم في الأمر ) ( 5 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - تاريخ الطبري
: حوادث سنة إحدى عشرة - ج 2 ، العقد الفريد
لابن عبد ربه 4 : 258 .
2 - كتاب السقيفة ص 46 .
3 - تاريخ اليعقوبي 2 : 124 ،
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 21
.
4 - الشورى : 38 .
5 - آل عمران :
159 . ( * )
|
|
|