- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 179 :

الباب الثالث الشورى


إن حادثة السقيفة لهي من الحوادث التاريخية التي لا تخلو منها مصنفات التاريخ الإسلامي ، إذ أنها من الحوادث التي لها أثر مشهود في ماضي وحاضر المسلمين .


إنها من الحوادث التي لم يكن للتاريخ إلا أن يسجلها ويحفظها لأجيال المسلمين ، إذ بها لبس الإسلام ثوبا واتخذ مسارا جديدا بعد حياة النبي صلى الله عليه وآله . فهل كان ما دار فيها وما تمخض عنها مبنيا على أساس الشورى ؟


وقبل أن نجيب عن هذا التساؤل - إذ أنه سيأتي ذلك في محله - علينا أن نشهد مختصرا من حكاية تلك الواقعة ، كما يرويها الطبري : " اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، وتركوا جثمان الرسول [ صلى الله عليه وآله ] يغسله أهله ، فقالوا :

نولي هذا الأمر بعد محمد [ صلى الله عليه وآله ] سعد بن عبادة . وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض ، فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر سابقة الأنصار في الدين ، وفضيلتهم في الإسلام ، وإعزازهم للنبي [ صلى الله عليه وآله ] وأصحابه ، وجهادهم

لأعدائه ، حتى استقامت العرب ، وتوفي الرسول [ صلى الله عليه وآله ] وهو عنهم راض ، وقال : استبدوا بهذا الأمر دون الناس . فأجابوه جميعا أن : قد وفقت الرأي ، وأصبت في القول ، ولن نعدو ما رأيت ، نوليك هذا
 

- ص 180 -

الأمر . . إلى آخر كلامه . فسمع عمر وأبو بكر بذلك ، فأسرعا إلى سقيفة بني ساعدة مع أبي عبيدة بن الجراح ، وانحاز معهم أسيد بن خضير ، وعاصم بن عدي من بني العجلان " ( 1 ) .


ما نفهمه من هذا - كما أشرنا سابقا - أن بني هاشم وبعض من انحاز إليهم من الصحابة لم يكن لهم وجود في السقيفة في ذلك اليوم ، إذ أنهم كانوا مشتغلين بغسل وتجهيز جثمان النبي صلى الله عليه وآله . وبعد نزاع وخصام حاد ، انتهى الأمر بتولي أبي بكر زمام الخلافة ، وعرف بعد ذلك بالخليفة الأول ، أو خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله .


عن أبي سعيد الخدري ، قال : سمعت البراء بن عازب يقول : " . . . فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم معتجرون بالأزر الصنعانية ، لا يمرون بأحد إلا خبطوه ، وقدموه فمدوا يده

فمسحوها على يدي أبي بكر ، شاء ذلك أو أبى . فأنكرت عقلي ، وخرجت اشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا ، وقلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة ! فقال العباس : تربت أيديكم إلى آخر

الدهر " ( 2 ) . وقال بعضهم لبعض : " ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه ونحن أولى بمحمد . فقال العباس : فعلوها ورب الكعبة ! " ( 3 ) .


ونتيجة لما تمخض عن واقعة السقيفة ، يقف اليوم كثير من المسلمين موقف المؤيد لما انتهج في السقيفة آنذاك لاختيار إمام المسلمين ، باعتبار أن الشورى هي التي كانت حاكمة بين المتخاصمين في سقيفة بني ساعدة . وتقبلوا ما نتج عنها قبولا لا

يقبل الرد باعتباره أمرا مسنودا بآيات القرآن ، من حيث إنه أمر بالشورى في مثل هذه الأمور ، لقوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ) ( 4 ) ، ولقوله تعالى ( وشاورهم في الأمر ) ( 5 ) .
 

 

* هامش *

 
 

 1 - تاريخ الطبري : حوادث سنة إحدى عشرة - ج 2 ، العقد الفريد لابن عبد ربه 4 : 258 .
 2 - كتاب السقيفة ص 46 .
 3 - تاريخ اليعقوبي 2 : 124 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 21 .
 4 - الشورى : 38 .

 5 - آل عمران : 159 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب