|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 181 :
|
وسوف نبحث هذا الموضوع من خلال نقطتين :
1 - هل كانت الشورى هي الحاكمة بين المتنازعين في
السقيفة ؟
2 - هل ترك النبي صلى الله عليه وآله تعيين خليفته
لرأي الناس وحكم الشورى ؟
السقيفة والشورى
المزعومة
إن ما دار في سقيفة بني ساعدة ، وما تمخض عن ذلك لم يكن قد
قام على أي نوع من الشورى وأسلوب التحاور ، ذلك لأن الشورى - كما يفهمها الساذج
من الناس والفطن منهم - تقوم على أساس الاعتراف بحق الأطراف في المسألة
المطروحة للشورى ، وإبداء النظر باعتبارها مسألة تخص جميع الأطراف .
فهذا هو الحق المعترف به لكل فرد ، إما من حيث إن كل فرد
خليفة بالقيام باعبائه ، أو من حيث إنه محفوظ لكل فرد في المشاركة باختيار من
يقوم به من بين الآخرين ، دون أن يستبد به قوم دون قوم ، أو فرد دون فرد .
بيد أن السقيفة لم تكن على هذا القرار ، ولم تسر على هذا
المنهج . وهذا واضح جدا في عبارات المتخاصمين من أهل السقيفة ، وفي طبيعة الجو
الذي كان سائدا آنذاك .
وواضح أيضا من حيث أن الأمر حصر في قوم دون شموله لقوم
آخرين لا يقلون عنهم شيئا إن لم يفوقوهم في كل شئ ، وأعني عليا عليه السلام
وأصحابه من بني هاشم ، كما عرفت . وعدم وجود هؤلاء في السقيفة - وهم بهذا
المقام من بين أهل
الحل والعقد - يؤكد النزعة الاستبدادية التي كانت طاغية
على أعضاء السقيفة ، ويدحض كل ادعاء يتوسل بالشورى ليصف بها ما دار في السقيفة
لاختيار الخليفة .
إن أبا بكر لم يكن يرمي من كلامه في يوم السقيفة إلى
استشاره الطرف الآخر بقدر ما كان يرمي إلى بيان أحقيته هو في الأمر ، من غير أن
يكون للأنصار حق فيه ، بل يتضح من كلامه أن المطالبة بتولي هذا الأمر من قبل
الأنصار يدخل الأنصار في زمرة الظالمين .
يقول أبو بكر : " إن رسول
الله ( ص ) لما بعث عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخالفوه وشاقوه . وخص
المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه ، فهم أول من عبد الله في
الأرض ، وهم أولياؤه وعترته ، وأحق الناس بالأمر بعده ،
ولا ينازعهم فيه إلا ظالم " . .
وهذا كلام واضح العبارات والجمل ، إذ لا يحتوي على شاهد
ترى فيه الدعوة إلى الشورى .
فالسابقون بالإسلام ، وأولياء النبي صلى الله عليه وآله
وعترته الكرام - في كلام أبي بكر - هم أهل هذا الأمر من بعد النبي الكريم ،
ولهم أن يخلفوه صلى الله عليه وآله دون غيرهم من الناس .
بل يكون الناس ظالمين إذا اشرأبت أعناقهم وتطلعت نفوسهم إلى
هذا الأمر ينازعون فيه أهله ! ولكن ، ماذا قالت الأنصار إزاء هذا الكلام الذي
جردهم تماما من حقهم ، بل وصفهم بالظلم ، ووصف مطالبتهم بهذا الأمر بأنه منازعة
لأهله بلا حق ؟ !
قال الحباب بن المنذر يدعو
قومه الأنصار إلى التمسك بحقهم كما يعتقد هو أيضا ، يقول : " يا معشر الأنصار ،
املكوا عليكم أمركم ، فإن الناس في ظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولا
يصدرون إلا عن رأيكم . أنتم أهل العز وأولو العدد
والمنعة وذوو البأس ، وإنما ينظر الناس ما تصنعون ، ولا
تختلفوا فيفسد عليكم أمركم ، إن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنكم أمير "
( 1 ) .
وقال أيضا في رده على كلامهم :
" يا مشعر الأنصار ، لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر
، فإن أبوا عليكم فأجلوهم من هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور ، فأنتم والله
أحق بهذا الأمر منهم ، فإنه بأسيافكم دان الناس لهذا
الدين ، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ! أنا أبو شبل
في عرينة الأسد ، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة - أي فتية - . فقال عمر : إذا ،
ليقتلك الله ! فرد عليه الحباب : بل إياك يقتل " ( 2 ) .
إذا ، فالمسألة في نظر الأنصار ليست
خاضعة للشورى ، بل هي مسألة دار ومكان ونصرة للدين ، إذ بهذا استحق
الأنصار هذا الأمر . وإلا فالمسألة فيما يظهر من حوارهم مسألة اقتسام " منا
أمير ومنكم أمير " .
غير أن سعد بن عبادة سيد الأنصار
لم يكن ليرضى
| |
* هامش * |
|
| |
1 - الكامل في التاريخ
2 : 329 - حوادث سنة إحدى عشرة .
2 - الكامل في التاريخ 2 : 330 - حوادث سنة
إحدى عشرة . ( * )
|
|
|
حتى بهذه القسمة الضيزى في رأيه ، فقال رافضا إياها : "
هذا أول الوهن " ( 1 ) .
فهذا سعد إذا لا يرى لأبي
بكر وعمر ومن حالفهم حقا في الخلافة ، ولو كان على مستوى الأمير . عندئذ تصدى
عمر للدفاع عن حقه بعبارات لم تدع للأنصار حقا يطلب ، فقال : " هيهات ! لا
يجتمع سيفان في غمد ! من ذا يخاصمنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته ،
إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، أو متورط في هلكة ؟ ! " ( 2 ) .
ها هو عمر يقطع قول كل خطيب
بنفيه الشورى . أجل ، لم يأت عمر إلى السقيفة لمشورة الأنصار ، بل جاء ليدفع كل
من يخاصمه منهم في سلطان محمد ! إذا ، فليس للأنصار في هذا الأمر حق حتى
يستشيرهم فيه أبو بكر أو عمر ، وكيف يستشيرونهم فيما يرثانه من إرث تركه لهما
رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ !
وهل في الإرث استشاره لإثبات حق الوارث فيه ؟ ! ! لا وحاشا
، فالخصم عندهما لا يخرج - وهو ينازع في ميراث محمد - عن حدود ثلاثة . . فهو
إما سالك لطريق الباطل ، أو مرتكب للذنب والإثم بأخذه إرث غيره ظلما ، أو معرض
نفسه في ذلك للموت والهلاك .
إذا ، فلا شورى مع الأنصار
يراها عمر ، ولا يثوب الأنصار في نزاعهم في هذا الأمر إلا بالباطل ولا يكون إلا
الإثم ولا يحصدون إلا الهلاك .
من هذا كله يتضح جليا أن
مسألة اختيار الخليفة ، والنزاع الذي دار في السقيفة بسببها لم تبن على أي شورى
مقصودة بالأصل في هذا الأمر ، وإنما هو نزاع حدث بين طرفين متخاصمين في أمر
مختلف فيه يرى كل طرف منهما الحق إلى جانبه ، ويسعى كل فريق للدفاع عن حقه
المهدد بالغصب .
إن هذه حقيقة تاريخية حرفت أو
لم تفهم على ما كانت عليه ، إذ سعى المؤيدون لما تمخض عن نزاع السقيفة إلى
تفسيرها بما يتطابق مع ما أيدوا من نتائج ، فألبسوها ثوب الشورى وهي عنه عارية
، حتى يقفوا أمام مخالفة المعارضين لنتيجة السقيفة ، وربما
| |
* هامش * |
|
| |
1 - تاريخ الطبري
: حوادث سنة إحدى عشرة - ج 2 .
2 - تاريخ الطبري 2 : 446 - حوادث سنة إحدى
عشرة ، سيرة ابن هشام 1 : 658 . ( * )
|
|
|
لإقناع أنفسهم أيضا بما ظنوا وحسبوا ، لو يغنيهم الظن عن
الحق شيئا . غير أن أبا حفص يدحض مزاعم هؤلاء فيما ادعوه من الشورى ، فقد قال
أيام خلافته : " كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمت ، وإنما
كانت كذلك ، إلا أن الله قد وقى شرها . فمن بايع رجلا من غير مشورة المسلمين
فإنه لا بيعة له " ( 1 ) .
فعمر إذا ، يحذر من تكرار
بيعة أبي بكر التي كانت فلتة من غير مشهورة ، تحمل في طياتها الشر المستطير لو
لا لطف الله بعباده .
وهذا لعمري هو الحق ، إذ
قد سلت السيوف وكادت أن تقع الفتنة ، وكادوا أن يضربوا عنق الإمام علي عليه
السلام ، ذلك أن ما يكون عن فلتة تحفه الفتن والشرور ، فهو لا يمكن أن يكون
صادرا عن مشورة يتمخض عنها الرضا والقبول ، أو على أقل تقدير يتمخض عنها الخضوع
لرأي الأغلبية ، فلا يكون بعد ذلك فلتة ولا تخشى الفتنة والشرور .
ومن هذا نخلص إلى أن النبي
صلى الله عليه وآله لم يأمر بالشورى في مسألة اختيار الخليفة من بعده ، وإلا
لما حدث ما حدث من نزاع تمخض عن بيعة فلتة .
وعدم أمر النبي صلى الله عليه وآله بالشورى في هذا الأمر لا
يستنبط من عدم انتهاج أعضاء السقيفة لها فحسب ، بل يفهم من أن تعيين الإمام
وخليفة المسلمين من بعد النبي صلى الله عليه وآله هو أمر من صميم واجبات النبي
الكريم ، كما أشرنا إلى جانب من ذلك .
ذلك أن النزاع بين الناس في مثل هذا الأمر مغروس في طبيعة
وفطرة البشر ، والقومية والقبلية هي التي تلد الناس . فالنزاع إذا ، هو أمر
ملازم لأبناء القومية والقبلية .
ثم إن الوحي وضع حلا لكل نزاع يجول في نفوس الناس ، ولهذا
أمرهم بقوله ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول
) ( 2 ) . فلو رد المسلمون موضوع نزاعهم في السقيفة إلى الله والرسول
فلا شك أنهم سيجدون حلا لهذا النزاع .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - صحيح البخاري
4 : 119 - باب رجم الحبلى إذا أحصنت .
2 - النساء : 59 . ( * )
|
|
|
|