|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 189 :
|
الفصل الرابع : أولو
الأمر هم أهل البيت عليهم السلام
* الاستخلاف واجب على النبي صلى الله عليه وآله .
* من هم أولو الأمر ؟
* نظر الإمام الرازي .
* نظر ابن جرير الطبري .
* أولو الأمر هم أهل البيت .
* ما هي العصمة ؟
* أهل البيت النبي معصومون . دلالة آية " التطهير " على العترة من خلال العصمة
.
* دلالة " حديث الثقلين " على عصمة العترة .
* دلالة " حديث السفينة " على عصمة العترة .
* خلاصة البحث . من أهل البيت ؟
الاستخلاف واجب على
النبي صلى الله عليه وآله
إن ما يجعل العقل أسير الحيرة والدهشة ما يذكره كثير من
علماء المسلمين من عدم تعيين النبي صلى الله عليه وآله خليفة له من بعده ،
وإماما يتولى أمور المسلمين في غيابه .
وفي الواقع إن هذا كلام لا ينتظر من أولئك الذين وصفوا
بالعلم والمعرفة . وأنا أجزم بأن الذين يرددون هذا الكلام لم يكلفوا أنفسهم ولو
قليلا من البحث والتحقيق حول مسألة تنصيب الإمام وتعيينه من جانب النبي صلى
الله عليه وآله ، إذ أنهم ركنوا
إلى تقليد من سبقهم من العلماء ، وتعودوا على اجترار ما
قالوا في هذا الأمر ، دون أن يفطنوا إلى أن القول بهذا فيه اتهام شديد للنبي
صلى الله عليه وآله بتركه الواجب وعدم تبليغ أمر الله بتعيين ولي الأمر من بعده
! فإنه أمر تالله - يبعث إلى
الدهشة والذهول العقلي ، إذ كيف يصرف النبي صلى الله
عليه وآله النظر عن تعيين خليفته من بعده ، وكيف هان عليه هذا الأمر ، ولقد ثبت
أن النبي صلى الله عليه وآله حينما نعيت إليه نفسه طفق يورد الوصية للمسلمين
تلو الوصية في أمور شتى ، مظهرا اهتماما عظيما بأمر الدين ، ومبديا قلقا بليغا
بحال المسلمين بعد وفاته ؟ !
لقد حذر النبي صلى الله عليه وآله
المسلمين من الاختلاف والفتن ، ووعظهم غداة ومساء وهجيرا . . كل ذلك لكي يبين
لهم طريق النجاة والسلامة إذا ما أقبلت الاختلافات والفتن كقطع الليل . .
فهل كان النبي صلى الله عليه وآله
لا يرى لولي الأمر من بعده أثرا في نجاة الناس من هذه الفتن ولم الشمل إذا ما
حلت بدارهم الاختلافات ؟ ! أم كان إدراكه صلى الله عليه وآله قد قصر - وحاشاه -
عن
إدراك هذا الأمر ، فأدركه أبو بكر وفهمه عمر ومعاوية ؟ !
وفطن إليه بنو أمية وبنو العباس ؟ !
وهل الأمر الذي صدر به الوحي موجبا طاعة أولي الأمر لم
يكن النبي صلى الله عليه وآله يرى أنه يوجب عليه تنصيب خليفة ووليا لأمر الناس
؟ ! أم كان يرى أن الله يكلف الناس فوق طاقتهم ، فيوقعهم بعد نبيهم في الاختلاف
والتنازع والفتن ؟ !
لقد ثبت ، بما لا يدع مجالا للريب ، أن النبي صلى الله عليه
وآله ما كان يخرج من المدينة لغزوة إلا ويعين عليها شخصا خليفة له ريثما يعود .
.
فهل كان يرى أهمية الوالي على المسلمين في غيابه القصير
في حياته ، ولم يكن يرى له أهمية في غيابه الطويل بعد وفاته ؟
فما هذا القول ؟ !
وأي عقل سليم يحكم بذلك ؟ !
وأي حكمة يمكن لمسها فيه ؟ !
وأي مصلحة تعود للمسلمين من فعل كهذا ؟ !
وهل له نتيجة غير الخلاف والنزاع والخصام ، كما حدث في سقيفة بني ساعدة . . .
فاضطر ذلك العلماء للزج بأنفسهم في تبرير لا يسمن ولا يغني من جوع ؟ !
وكما وضح لك أن عدالة كل الصحابة
بقضهم وقضيضهم لا تصح ، لانحراف البعض عن سواء السبيل ، وارتكاب بعضهم ما حرم
الله تعالى، ولهذا لا يمكن أن يوصي النبي صلى الله عليه وآله باتباع أي كان من
الصحابة للنجاة والسلامة من الاختلاف
والانحراف ، ذلك لأن أمرا كهذا ينسب إلى النبي صلى الله
عليه وآله - بل إلى الوحي - فيه تجويز لارتكاب الأخطاء وفتح الطريق إلى النزاع
والاختلاف .
إن اختلاف الصحابة فيما بينهم أمر معلوم ، وقتل بعضهم بعضا
مسألة تعج بها صفحات التاريخ ، وانحراف الكثير منهم عن الحق تثبته كتب السير
والأخبار ( 1 ) .
ثم إننا علمنا أنه كان في
زمان النبي صلى الله عليه وآله بعض المنافقين ، علمت أحوالهم وخصالهم ووضح
نفاقهم للمسلمين ، ولكن كان هناك أيضا منافقون لم يعلم عنهم شئ ولم يعرف نفاقهم
، ولم تنكشف أحوالهم وقد أخبر الله تعالى نبيه الكريم بذلك في قوله تعالى :
( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا
على النفاق لا تعلمهم نحن
| |
* هامش * |
|
| |
1 - شرح المقاصد
للتفتازاني 5 : 302 . ( * )
|
|
|
نعلمهم ) ( 1 ) .
ويمكنك أن تتصور خطورة الموقف الذي سيؤول إليه مصير
الإسلام وهو بلا راع ، عرضة لهؤلاء المنافقين المتمرسين بالنفاق ، المبتعدين عن
الأنظار والأفكار .
إذا كان المنافق المعروف نفاقه أخطر على المسلمين من الكافر
المعروف كفره ، فسيكون أولئك المنافقون الذين لم يكن المسلمون يعرفون عنهم شيئا
أخطر من أولئك الذين عرفوا ، وذلك لجهل المسلمين بهم ، لشدة خفائهم إذ تمرسوا
بالنفاق ومردوا عليه وأتقنوه .
وعلى هذا الأساس لا يستطيع أحد يجردهم عن الصحبة للنبي صلى
الله عليه وآله ، يل كيف يجرد هم عنها وهو لا يعرفهم ؟ ! بل سيثني عليهم
وسيصفهم بالإخلاص والتقوى بلا ريب ، بحكم ما يبدونه من مظهر ديني يضمن لهم
مقاما بين الصحابة العدول ، وبالتالي سيهبهم بكل ارتياح صفة العدالة والوثاقة !
!
فكيف نسد منافذ الخطر والضلال الصادر من من هؤلاء
المنافقين في الباطن ، المؤمنين العدول في الظاهر ؟
ولهذا كله فمن المحال الممتنع أن يأمر النبي صلى الله
عليه وباتباع كل من هب ودب ممن كانت له صحبة معه من الناس في زمانه ، وهو يعلم
أن من بينهم وممن حولهم منافقين مستورين مردوا على النفاق وصقلوا فيه .
إذا فالقول بعدالة كافة الصحابة
خطأ فاحش ، والأمر باتباع كافتهم دون تمييز لهم عن طريق الوحي أمر ينطوي
على خطر بليغ يهدد الإسلام من أساسه ، فلا يأمر به النبي صلى الله عليه وآله
بحال من الأحوال .
ولهذا تسقط كل الأحاديث التي تجعل من اتباع كافة
الصحابة وسيلة للنجاة من الاختلافات والابتداع والإحداث في دين الله ، كما وضح
. وبعد ذلك كله . .
فكيف لم يعين النبي صلى الله عليه
وآله خليفة من بعده ويترك الناس يتناوشهم المنافقون من ظهر منهم ومن بطن
، ويتر صدهم اليهود والنصارى الحاقد منهم على الإسلام والكامن له ؟ ! !
| |
* هامش * |
|
| |
1 - التوبة :
101 . ( * )
|
|
|
وكيف يسهل على العقل الساذج القبول بأن النبي صلى الله
عليه وآله مات بين السحر والنحر ولم يوص بشئ ؟ !
وكيف تسكن النفوس النفوس إلى القول بأن النبي صلى الله
عليه وآله لم يستخلف أحدا من بعده ، وذهب لا يلوي من حال المسلمين في غيابه على
شئ ؟ ! ! ! إن هذا كلام لا يلتفت إليه ، إذ أنه تهمة لنبي الإسلام صلى الله
عليه وآله .
اتهموه بأنه ترك أمته بلا راع
عرضة للاختلاف والنزاع والاقتتال ، وهذا فيه اتهام له صلى الله عليه وآله بترك
الواجب ! اتهموه بها وهو صلى الله عليه وآله الرحيم بأمته ، الرؤوف بالمؤمنين ،
الذي يأسى لهم ويحرص على هداهم ، كما قال عنه ربه تبارك وتعالى :
( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص
عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) ( 1 ) .
كل ذلك كان منهم في غفلة تصحيح ما نتج من حوادث السقيفة ،
فقالوا : لم يوص النبي صلى الله عليه وآله بشئ ، ومن هنا لا يكون عيب في أن
يتولى الخلافة أي كان من الناس ، حتى لو كان فاسقا أو خارجا طاعة الله تعالى .
يقول التفتازاني : " ولا
ينعزل الإمام بالفسق ، أو بالخروج عن طاعة الله تعالى " ( 2 ) !
ويقول الباقلاني : " لا
ينخلع الإمام بفسقه ، وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار ، وتناول النفوس المحرمة
، وتضييع الحقوق ، وتعطيل الحدود ، ولا يحب الخروج عليه " ( 3 ) !
ثم ذكر : " بل يجب وعظه
وتخويفه ، وترك طاعته في شئ مما يدعو إليه من معاصي الله " . وهذا إضراب عجيب
من الباقلاني ، فلو كان الخروج على الإمام الفاسق غير جائز فكيف جاز ترك طاعته
في بعض المعاصي ؟ !
وهل وجوده على كرسي الحكم - والحالة هذه - لا يعد معصية في ذاته ؟
ولماذا بعض المعاصي ؟ !
وكيف جاز تخويفه ؟
وكيف يكون تخويفه ؟
أو ليس تخويفه هذا خروجا عليه ؟ ! !
ولو كان استطاعة الناس تخويفه
وترك أوامره في بعض الأحوال بهذه السهولة فلم لا يعزلونه ، أمرا بالمعروف ونهيا
عن المنكر ، وهو فاسق ؟ !
| |
* هامش * |
|
| |
1 - التوبة :
128 . 2 - شرح العقائد النسفية : 185 -
186 . 3 - التمهيد للقاضي الباقلاني 181
. ( * )
|
|
|
ما هذه إلا خطرفة سببها تجويز إمامة الفاسق .
وللسياسة في ذلك الوقت دور كبير في ظهوره هذه الفتاوى
وانتشار تلك العقيدة : إمامة الفاسق ! لقد ذكرنا أن القول بأن النبي صلى الله
عليه وآله لم يستخلف أحدا على المسلمين من بعده قول يحمل أخطر الاتهامات للنبي
صلى الله عليه وآله ، ذلك لأن
أمر الله تعالى بطاعة أولي الأمر على سبيل من الجزم
والقطع ، كما هو واضح في قوله تعالى : ( وأطيعوا الرسول
وأولي الأمر منكم ) . . يوضح أن أولي الأمر طاعتهم واجبة كطاعة صلى الله
عليه وآله .
ووجوب طاعة أولي الأمر توجب . على النبي صلى الله عليه وآله
تعيينه ، فالقول بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يستخلف اتهام له صلى الله
عليه وآله بترك الواجب .
إن العقل يحكم بأن الأمر بإطاعة أولي الأمر وإيجاب طاعتهم
إنما هو على قرار طاعة النبي صلى الله عليه وآله ، مما يستوجب تعيينهم من قبل
الله تعالى بوساطة نبيه الكريم ، ولا يجوز ترك تعيينهم للناس ، لأن ذلك ليس في
مقدورهم ،
فمعرفة الناس لأولي الأمر - بدون أن يعرفهم الوحي لهم -
يفرض أن الناس قادرون على المعرفة من تجب طاعته من البشر ، في حين أن الناس
ليسوا قادرين على ذلك .
ولو كان الناس استطاعتهم معرفة من وجبت طاعته من البشر -
نبيا كان أم غيره - لما احتاج النبي صلى الله عليه وآله إلى إبداء المعجزة حتى
يعجز الناس بأمره ويصدقوه فيطيعوه .
فالنبي صلى الله عليه وآله واجب الطاعة ، ولكن اتهمه الناس
بالكذب والسحر الجنون ولم يصدقوه ، إذا فالناس لا يقدرون على معرفة أولي الأمر
، ولم ترك لهم تعيين أولي الأمر فستنتج المفاسد التالية :
إما أن يولي الناس الفاسق ، والله لم يأمر بطاعته ، بل إنه
لا يحب الفاسقين .
وإما أن يشتد الخلاف عند اختيار ولي الأمر ، وتقع الفتن من
الناس ، لعصبياتهم وقبلياتهم وغيرها من صفات حب الذات . والاختلاف ممنوع ،
والنزاع يجب إرجاعه إلى الكتاب والسنة لفضه .
وأيضا إن هذا الواجب إن كان الناس مسؤولين عنه فيستلزم
التكليف بما لا يطاق ، لأنهم لا يعرفون أولي الأمر . وإن لم يكونوا مسؤولين عنه
فيستلزم البعث في أفعال الله تعالى - تنزه الله عن ذلك -
حيث أمر أمر وجوب ( كوجوب طاعة الله وطاعة الرسول ) ومع
ذلك لا يسأل عنه هل أنجز هذا الأمر الواجب أم لا ؟
ولهذا فلما كان عجز الناس عن معرفة وتعيين أولي الأمر يؤدي
إلى تولية الفاسق أو وقوع الاختلاف والتناحر حول تعيين ولي الأمر ، أو يكون
التكليف بما لا يطاق ، أو ينسب العبث إلى الله تعالى في فعله . . اتضح أن تعيين
أولي الأمر لم يتركه الله لاختيار الناس ، بل إنه مسند إليه تعالى .
|