- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 19 :

متطلبات التحقيق في أمر العقيدة


إن من حزم الأمر على التحقيق والبحث في اعتقاده فهو لا يستطيع إحراز شئ من تحقيقه إن كان مفعما بالتعصب والتقليد اللذين لا يتيحان الفرصة للتحقيق الحر ، فلا بد له لكي يكون حر الحركة والتفكير أن يفرغ نفسه من كل ما يكون أن يتسبب

في إفساد التحقيق عليه والحيلولة بينه بين ما يصبو إليه من بحثه ، وأن يهيئ نفسه جيدا لتقبل الحقيقة التي يصل إليها ، بعد نجاز التحقيق والاطمئنان إلى سلامته من حيث المنهج السليم والأدلة المقنعة بلا شك ، لأن الخوف من خوض التحقيق أو

الخوف من تقبل النتيجة عدو المحقق النزيه ، فالنتيجة تحتم عليه رحابة الصدر لتقبلها باعتبار أنها الحق ، بل تحتم عليه الدفاع عنها وعرضها على الآخرين .


ومن لا يهدف إلى هذا من تحقيقه وبحثه فعليه ألا يشرع في شئ من التحقيق لأنه يكون عندئذ مضيعة لوقته ، بل يكون عبثا ولعبا ، ولماذا يحتمل المشاق ويقطع الحجة على نفسه ثم لا يقبل نتيجة بحثه وتحقيقه ولا يدافع عنها ؟ ثم إن المحقق والباحث

في مسألة الاعتقاد الديني له ثوابت أساسية ينطلق منها باديا بحقه وتحقيقه ، فهو لا يستغني عنها أبدا ، ولا يتجافى عنها في بحثه عن الاعتقاد الكامل السليم .


وهذه الثوابت الأساسية تتمثل في :

* الإيمان بالله ، فهذا اعتقاد استقر في قلوب المسلمين ، وهم في ذلك سواء : إذا أننا لا نجد فرقة تدعي الإسلام دون أن يكون لها اعتقاد وإيمان بالله تعالى ، بل إنها بغير هذا
 

- ص 20 -

الاعتقاد تكون على نقيض الإسلام ، فالله تعالى موجود وهو لخالق والمدبر للوجود بأسره ، ما علمنا منه وما لم نعلم .


* الإيمان بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، باعتباره رسولا من قبل الله تعالى إلى الناس كافة ، وهو خاتم الأنبياء والرسل ، معصوم مبرأ عن كل ما يقلل من شأنه ، وجبت طاعته في أوامره ونواهيه .


* الإيمان بالقرآن كتاب الله الذي أنزل على نبيه المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) كتابا محفوظا تكفل الله بحفظه عن التحريف والتبديل ، وهو المعجزة التي بينت صدقه ( صلى الله عليه وآله ) .


فالقرآن هو الدليل على نبوة محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وهو - من ثم - الدليل على وجود الله وخالقيته وربوبيته ووحدانيته إضافة إلى الدلائل الأخرى المبثوثة في الأنفس والآفاق ، وذلك لأن طبيعة القرآن الإعجازية تفرض على البشر ذلك الاعتقاد ، إذ أنهم - بإزاء القرآن - قد عجزوا عن :

 1 - الإتيان بمثله . يقول الله في كتابه الكريم : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) ( 1 ) .
 

 2 - الإتيان بسورة من مثله . يقول تعالى : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) ( 2 ) . وهذا تحد صريح يثبت صدق النبي ( صلى الله عليه وآله ) في ادعائه النبوة ، الأمر الذي يثبت وجود الله وهيمنته على الوجود .
 

 3 - العجز عن تحريف القرآن . ولو بإبدال حرف واحد بحرف آخر ، وهذا من إعجاز القرآن الواضح في بقائه - منذ نزوله إلى هذا اليوم عبر القرون - على ألفاظه ، ولا غرو فقد تكفله الله بالحفظ ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ( 3 ) .

وهذا دليل قاطع يؤكد صدوره من عند الله تعالى إلى نبيه ( صلى الله عليه وآله ) .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الإسراء : 88 . ( 2 ) البقرة : 23 . ( 3 ) الحجر : 9 . ( * )

 

 

- ص 21 -

إن الباحث وهو يقف على هذه الثوابت لا يخشى خلوا عن الاعتقاد الذي يضمن له البقاء على عقيدة الإسلام ، وإن كان ربما اكتنفه النقص من حيث آخر ، لأن الإيمان بالله وبرسوله وكتابه ومفارقته فيما أمر الناس به خلل صريح في عقيدة المخالف عن عمد بعد العلم به ، ونقص في عقيدة المخالف بلا عمد لجهله بالأمر .


وهو لا يعذر لجهله هذا ، فما عليه إلا البحث والتحقيق لإزالة الجهل أو الظن أو الوهم لإكمال هذا النقص الواضح ، . وهذا هو المطلوب التحقيق فيه ، ذلك لأنه لو كان الإيمان بالله وبرسوله وكتابه كافيا لنجاة الناس لما كانت الفرقة الناجية واحدة .

ولما اختلف الناس فصاروا مذاهب وفرقا تسعى كل واحدة منها لإبطال اعتقاد الأخرى . فالإيمان بالله وبرسوله وكتابه هي السمة المشتركة بين كل الفرق المختلفة والمتخالفة ، ولا نجد فرقة تدعي الانتساب إلى الإسلام تؤمن بالله وتكفر برسوله أو

تطعن في كتابه الكريم ، ورغم ذلك فالناجية واحدة . فما هي إذا تلك السمة التي انفردت بها هذه الفرقة عن سائر الفرق ونالت بها الفوز والنجاة ؟ وبالتأكيد أن هذه السمة لا تتوفر إلا في هذه الفرقة دون غيرها ، وإلا لما كان اختلاف ، ولكانت كل

الفرق في الواقع فرقة واحدة ، فما هذه الصفة يا ترى ؟ ! وهذا هو أساس البحث والتحقيق الذي نحن بصدده . . إذا لا بد من التعرف على هذه الفرقة بهذه الصفة التي تميزت بها عن سائر الفرق .


يقول الإمام الرازي : ( إن النهي عن الاختلاف والأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحدا . وإذا كان كذلك كان الناجي واحدا [ أي الناجي فرقة واحدة من بين الفرق المتخالفة ] ( 1 ) .
 

 

* هامش *

 
 

 ( 1 ) التفسير الكبير للإمام الرازي 8 : 174 - آل عمران 103 قوله تعالى : ( واعتصموا . . . ) . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب