- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 199 :

نظر الإمام الرازي


يقول الفخر الرازي ( 1 ) : " إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية. ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد أن يكون معصوما عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون

قد أمر الله بمتابعة ، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد ، وإنه محال . فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما . فثبت قطعا أن أولي الأمر المذكورين في الآية لا بد أن يكونوا معصومين " .

ثم يدل الرازي إلى تحديد أولي الأمر المعصومين هؤلاء ، حسبما يرى ويظن ،


فيقول : " ثم نقول : ذلك المعصوم إما مجموع الأمة ، أو بعض الأمة ، لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعا . وإيجاب طاعتهم قطعا ومشروط بكوننا عارفين بهم ، قادرين على الوصول إليهم ، والاستفادة منهم . وإننا نعلم بالضرورة أننا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم . . . " .
 

ولقد ذهب الرازي إلى أن أولي الأمر هم بعض الأمة ، يتمثلون في أهل الحل والعقد

 

* هامش *

 
 

 1 - تفسير الإمام الرازي 10 : 144 . ( * )

 

 

- ص 199 -

وبسبب بعد إجماعهم عن الخطأ - على ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله : " لا تجتمع أمتي على الخطأ " - تتحقق بذلك العصمة المطلوبة في أولي الأمر .

قوله : إن مجموع الأمة ليس هم أولي الأمر واضح لا يحتاج إلى إثبات .

وأما كون أولي الأمر هم بعض الأمة فأمر نتفق فيه مع الفخر الرازي ، غير أن قوله : إن هذا البعض من الأمة - أي أولي الأمر - هم أهل الحل والعقد قول تكتنفه إشكالات عدة ، تجعل عدة ، تجعل قبوله أمرا مستحيلا .

فأولها : إمكانية وقوع الإجماع ليست متحققة .

ثانيها : من يعرفهم للأمة باعتبارهم أهل الحل والعقد ؟ !

ثالثها : أين نتحصل على عصمتهم ؟ ! هل في الأفراد منهم أو في هيأتهم الاجتماعية ؟ !

إن إمكانية تحقق وقوع الإجماع من المستحيلات في هذه الأمة ، لا سيما في اختيار القادة والرؤساء ، ودونك الواقع يصرح مؤكدا ما نقول .

نعم ، من المحال أن تجتمع الأمة على الخطأ بأسرها ، لكن من المحال أن يتحقق إجماع الأمة بأسرها ، وفرق شاسع بين الحالتين ، فلو دعا بعض فالأمة إلى الحق فلا بد أن يوجد من يخالفهم من الناس سبب من الأسباب التي لا حصر لها ،

فالقومية ، والعصبية ، والنعرات القلبية ، واختلاف الإدراك ووجهات النظر ، والعناد ، واللجاج . . . كلها منفردة أو مجتمعة تجعل من وقوع الإجماع أمرا لا يرجي تحققه بين الناس .


وإن مسألة الخلافة من المسائل التي كان للأمة أن تجتمع عليها ، لو كان للإجماع إمكانية الوقوع ، مع قلة المجتمعين في السقيفة ، وما كان لهم من الصحبة التي تجعلهم في مصاف أهل الحل والعقد في زمانهم .


وعلى رغم ذلك فقد نشب الخلاف واستحال الإجماع ، وسلت السيوف ، وأخذ البعض بالقوة ، وأغري آخرون بالمال . . فكيف للرازي أن يحلم بإجماع استحال أن يقع بين صحابة النبي صلى الله عليه وآله وهم الجيل الأول الذي عاصر النبي

صلى الله عليه وآله ، ليقع بين الناس في عصره أو ما تلاه من عصور ، أو في هذا العصر الذي ازداد فيه تشعب العقائد وتشتت الأفكار ؟ ! !

- ص 200 -

على أن الانقسام المشاهد في كل فرقة من الفرق الإسلامية هو تصريح باستحالة تحقق الإجماع . ولا أري إمكانية وقوع الإجماع بين أهل السنة فيما بينهم ، ولا بين الشيعة بانفرادهم ، فضلا أن يقع الإجماع بينهما مجتمعين . فاجتماع الأمة بأسرها على الخطأ ممكن ، ولكن لا يمكن أيضا اجتماعها على الحق بأسرها .
 

إن واقعة صفين كانت بين أمة المسلمين ، وقد كان الحق عند أحد الطرفين بلا شك ، ولكن لم يجتمع المسلمون عليه كما لم يجتمعوا على ما يقابله من الباطل ، فنشبت بينهم الحرب ، وقتل بعضهم بعضا . .

فلماذا يتكلم الإمام الرازي بكلام يبعد عن الواقع ويعطي مصدقا لآية قرآنية ليس له وجود ؟ !

ثم كيف يتم التعرف على أن أهل الحل والعقد هم هؤلاء ؟ !

فالإشكال الذي أشكل به الإمام الرازي - وهو إشكاله بصعوبة التعرف على الأئمة المعصومين، واستحالة الوصول إليهم - هو إشكال يرد عليه ، إذ كيف يتم التعرف على أهل الحل والعقد والوصول إليهم ؟ ! . من الذي يقدمهم إلى الأمة بهذه الصفة ؟!


ونحن ليس لدينا في مجال التعيين إلا الإجماع أو الانتخاب والترشيح أو النص . فأما القول بضرورة الإجماع عليهم فنحن به محتاجون إذا إلى إجماعين :

إجماع من الأمة يعرفنا بأهل الحل والعقد ، وإجماع آخر يعرفنا بصواب ما يصدره أهل الحل والعقد من أحكام وأوامر ونواه ، بحيث تلتزم الأمة بما يصدر عنهم . وبهذا تتضاعف المشكلة ، لأن العبور من الإجماع الأول إلى الإجماع الثاني محال ، لعدم إمكانية وقوع الإجماع الأول .


فالجهد الذي قام به الإمام الرازي لإبعاد نفسه عن الاعتراف بالأئمة المعصومين على قول الشيعة - لا سيما بعد الاعتراف الموفق منه بعصمة أولي الأمر - فهو جهد مقدر ومشكور علميا ، لكنه ناقص ولا يحل المشكلة ، فقد كان عليه أن يبين لنا

معيار وملاك الاتصاف بأهلية الحل والعقد ، وكيفية تعريف الأمة بهم ، وعلى رغم أن ذلك تترتب عليه مشكلاته ، غير أنه يتيح فرصة أطول لمن أراد السفسطة .
 

- ص 201 -

وأما الترشيح . . فكيف لنا أن نطمئن لمن جاء بهم الترشيح ، وأنهم ممن يملكون أهلية الحل والعقد دون منازع ؟! إن الانتخاب أو الترشيح قد يأتيان بالجاهل أو الفاسق أو المنافق أو بكل من هو بعيد عن هذه المسؤولية . والتجارب في ذلك كثيرة .


ثم كيف نتصور عصمة أهل الحل والعقد على رأي الإمام الرازي ، لا سيما وأنها ناتجة عن عدم اجتماعهم على الخطأ ؟ ! إن تحقق العصمة على هذا القول الذي ذهب إليه الرازي يواجه بمشكلتين أساسيتين :

الأولى : لا تتحقق هذه العصمة إلا بتحقق الاجماع ، وقد أثبتنا عدم إمكانية وقوعه .

الثانية : أن الاجماع - من حيث هو - أمر اعتباري ، إذ أنه لا يعدو أن يكون سوى الهيئة الاجتماعية الاعتبارية للمجتمعين ، فلو نسبت العصمة إلى هذه الهيئة فهي - لاعتباريتها - ليس لها وجود متحقق ، بل هي عدم محض .


فكيف تتعلق العصمة بشئ عدمي ، والعصمة هي في الواقع معلول للعلم اليقيني الذي هو حاصل للمعصوم ؟ ! وأما إذا نسبت إلى الأفراد من أهل الحل والعقد . . فمن ينسبها إليهم فلا بد له من دليل على ذلك . ولو أنه تحصل عليه فسيتفق مع الشيعة في قولهم : إن أولي الأمر هو الأئمة المعصومون ، أو يقول بقولهم من حيث لا يشعر بهذا الاتفاق .


يقول الإمام الرازي : " إن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعا ، وإيجاب طاعتهم قطعا مشروط بكوننا عارفين بهم ، قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم . وإننا نعلم بالضرورة أننا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم . . . " .


أجل ، فلو عصم الله تعالى أولي الأمر وأوجب طاعتهم على الناس ثم ترك للبشر التعرف عليهم بوساطة أنفسهم فصحيح أننا عاجزون عن معرفتهم ولا يستقيم لنا ذلك ، ولكن لا يقومه كلام الرازي بأن إيجاب طاعتهم مشروط بكون الناس عارفين بهم . لماذا ؟ ! ذلك لأن أولي الأمر معصومون ، كما ثبت ، وأوجبت طاعتهم قطعا ، كما هو واضح ،
 

- ص 202 -

فلو ترك أمر تعيينهم والتعرف عليهم للناس فسيظل الناس عاجزين عن ذلك أبدا ، ولا يمكنهم الوصول إليهم بأي حل من الأحوال ، لما علم أن الناس ليس في مقدورهم معرفة المعصوم الواجب الطاعة من البشر .


إذا ، فعجزهم أبدي في هذا الأمر ، وعلى هذا يكون الله تعالى قد عصم وأوجب قطعا طاعة من ليس له طاعة على الناس ، لأن طاعته مشروطة بكون الناس عارفين ، به وليس ذلك في وسعهم بتاتا . ولا يبقى بعد ذلك معنى لعصمتهم ولا لوجوب طاعتهم ، ولا يبقى إلا العبث - تنزه الله عن ذلك وعلا علوا كبيرا - .


وعلى هذا فالشرط الذي ذكره الرازي في إيجاب طاعة أولي الأمر بكون الناس عارفين بهم شرط لا معنى له ، لأن الإمام الرازي يعلم جيدا أن الناس لا يمكنهم معرفة أولي الأمر ذوي العصمة ، لو أسند أمر التعرف عليهم إلى هؤلاء الناس . . فيبقى عدم وجوب الطاعة أبديا ليس مؤقتا بشرط . ولكن ما أراد الله هذا .

فهل أمر بطاعتهم لكي لا يطاعوا ؟ !

أم أوجبها على الناس قطعا وإطلاقا لكي يقف عجز الناس عن معرفة المعصومين أمام قطعها وإطلاقها ؟ ! !

إن الله سبحانه وتعالى ما عصم أولي الأمر إلا ليحفظ بهم الوحي ، وما أوجب طاعتهم إلا ليهتدي الناس بهم . ولا يتم ذلك إلا إذا كانوا معروفين ومعينين للناس ، حتى يؤدى لهم واجب الطاعة . ولهذا كله فلا يعقل أن يسند الله تعالى أمر تعيينهم إلى الناس ، أو يترك التعرف عليهم لجهد الناس العاجزين في الحقيقة عن معرفتهم .


إن الإمام الرازي غفل عن أن الله تعالى هو المتكفل بتعيين أولي الأمر وتعريفهم إلى الناس ، فلما رأى وجوب الطاعة القطعي المطلق ، وعجز الناس الأكيد عن معرفة أولي الأمر . . اضطر إلى تقييد الاطلاق بشرط لا معنى له ، فأبعد وابتعد .


ثم عمد الرازي إلى إبطال قول من حمل معنى " أولي الأمر " في الآية على الأئمة المعصومين من أهل البيت عليهم السلام . وأورد ثلاثة أدلة لإبطال هذا القول : والواقع أن المرء يقف مندهشا بين مقام الرازي العلمي وضعة قوله في إبطال قول من يفسر " أولي الأمر " بالأئمة المعصومين .
 

- ص 203 -

إن أصحاب هذا القول لا يعنون بالأئمة المعصومين إلا العلماء من عترة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل بيته الكرام. فالرازي الذي على عصمة أولي الأمر . . يصرفها عن الأئمة من عترة النبي صلى الله عليه وآله ، فلمن يعطيها يا ترى ؟ !

لأهل الحل والعقد ؟ ! ومن الذي يراه الرازي له أهلية الحل والعقد من الناس غير علي وفاطمة والحسن والحسين وأبنائهم على مر العصور ؟ ! ! إنهم إلى العصمة أقرب من غيرهم ، وحمل معنى " أولي الأمر " عليهم أولى وأسلم من حمله على أناس لا يمكن التعرف عليهم ولا سبيل إلى الوصول إليهم .


يقول الرازي : " وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين - على ما تقول الروافض - ففي غاية البعد ، لوجوه : أحدها : ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة [ أي مشروطة بكون الناس عارفين بهم ] " .
 

وأنا لا أدري . . أيكون الإمام الرازي لا يعلم بالأئمة المعصومين الذين يعنيهم الشيعة ، ويحملون عليهم معنى " أولي الأمر " في الآية ؟ ! أم إنه يعلم بذلك ويعرف هؤلاء الأئمة ، ولكنه لا يعرف لهم عصمة تجعلهم من أولي الأمر ؟ !


على أن قوله بأن طاعتهم مشروطة بكون الناس عارفين بهم قول قد اندفع بأن الله تعالى هو المتكفل بتعيين أولي الأمر وتعريفهم للناس ، منذ إعلانه وجوب طاعتهم ، بل منذ بدء الرسالة .


ولهذا لا يبقى لشرط الرازي معنى ، ويبقى العموم والإطلاق . في الأمر يوجوب طاعتهم على ما عليه الأمر بوجوب طاعة النبي صلى الله عليه وآله من العموم والإطلاق . وأما كون الأئمة المعصومين هم العلماء من عترة النبي صلى الله عليه وآله فسيأتي إثباته في محله إن شاء الله .


وأما دليل الثاني فيقول فيه : " إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر ، و " أولي الأمر " جمع ، وعندهم - أي عند الروافض ، ويعني بهم الشيعة - لا يكون في الزمان إلا إمام واحد ، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر " .


وهذه من المسائل التي ارتعش فيها يراع الرازي ، لأن ذكر " أولي الأمر " بلفظ الجمع في هذه الآية لا ينافي وجود إمام واحد في الفترة الزمانية الواحدة ، ثم يليه الذي بعده
 

- ص 204 -

فيبقى في فترة زمانية واحدا ، ثم يليه الذي بعده . . وهلم جرا إلى اثني عشر إماما . وإنما ورد ذكرهم بلفظ الجمع لاشتراكهم في حكم واحد ، فجمعهم هذا الحكم لفظا لا زمانا ، فإن كانوا مجتمعين فلهم هذا الحكم ، وإن تفرقوا في الأزمان حسب التسلسل فلكل واحد منهم نفس هذا الحكم ، وهو الأمر بوجوب طاعتهم .


إذا ، فلا تنافي بين الإمام الواحد في زمانه وبين ذكر " أولي الأمر " في الآية بلفظ الجمع . وأما حمل الجمع على الفرد الذي هو خلاف الظاهر ، فهو أن يطلق لفظ الجمع ويراد به واحد بعينه من أفراده ، دون قصد بيان حكم مشترك بين الأفراد .

وهناك من النصوص ما يؤيد ذلك . فالأمر بطاعة الخلفاء واتباع سنتهم جاء على قرار الأمر بطاعة أولي الأمر في الآية ، يقول : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء . . " .


فالخلفاء جمع ، فلا يجوز أن يقال هو خلاف الظاهر لحمله على الفرد ، إذ أننا رأينا الخلفاء الأربعة قد جاء في كل زمان واحد منهم ، فلم يتناف ذلك مع لفظ الجمع " الخلفاء " ، ولم يقل أحد بلزوم مجيئهم جميعا في زمان واحد ، فأولو الأمر من هذا القبيل .


وأما قوله في دليله الثالث فهو : " لو كان المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم ، لوجب في قوله تعالى : ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) أن يقال : فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الإمام المعصوم " ! فهذا شئ عجاب ، إذ أن قوله

تعالى : ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) لا يعارض كون أولي الأمر هم الأئمة المعصومين الذين يجب الرجوع إليهم عند النزاع والاختلاف بعد الرسول الأكرم . إن الله أمر برد النزاعات إلى نفسه وإلى الرسول ، وهذا لا ينحصر في نزاع دون نزاع ، بل يشمل كل النزاعات التي تحدث بينهم في حياة الرسول وبعد وفاته .


إذا ، فالنزاعات مستمرة بعد الرسول صلى الله عليه وآله ، ولا بد من حلها طبقا للوحي وما يقول به الرسول صلى الله عليه وآله ، فمن الذي سيتصدى لهذا الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
 

- ص 205 -

ولو ترك الأمر لكل الناس في حل منازعاتهم فرجوعهم إلى الكتاب والسنة لا يكون غير رافع لنزاعاتهم فحسب ، بل سيؤدي إلى شدة النزاع .
 

وليس التقصير أو القصور في الكتاب والسنة ، وإنما القصور في عقول الناس ، وإدراكاتهم متباينة ومتفاوتة ، والفرق التي نشاهدها - سواء في الماضي أو الحاضر - هي نتيجة لتلك الإدراكات المختلفة . . إذا ، فالنزاع باق . والنزاع والاختلاف -

كما نعلم - أمر ممنوع وغير مسموح به ، وإن رفعه وتجنبه أمر واجب بنص القرآن ، ولا يتم هذا إلا بالرجوع إلى أولي الأمر . وهذا مما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب إذا . وعدم ذكر الرجوع إليهم عند المنازعات في الآية لا يتعارض مع وجوب الرجوع إليهم .


ولكن ، ما هو السر في عدم ذكرهم في الآية الآمرة برد المنازعات إلى الله والرسول ؟ إننا نعلم أن موضوع الإمام المعصوم نفسه من المسائل التي حدث فيها النزاع ، كما رأيت في سقيفة بني ساعدة . كما أننا لا نشك في أن الله تعالى يعلم خائنة

الأعين وما تخفي الصدور ، فهو إذا عالم بوقوع النزاع الذي حدث في أمر الإمام في سقيفة بني ساعدة قبل نزول هذه الآية ، ولهذا لا يمكن أن يأمر برد النزاعات إلى الإمام المعصوم ، وهو متنازع فيه مع أنه قد عين وحدد . ونحن نعلم أن النزاع

بطبيعة الحال لا ينتج إلا عن العصبية والقبلية ، واتباع الهوى ، أو التأويل الخاطئ للنصوص . ولأن الله تعالى لطيف بعباده يهيئ لهم دائما سبل الثوبة والأوبة ، فأمرهم - رحمة منه وتذكيرا لهم - برد النزاع في الإمام المعصوم مرة أخرى إلى

الكتاب وما قاله الرسول في ذلك ، عسى أن يتذكر الناس ، أو يعلم الجاهل ، أو ينتبه الغافل ، أو تلين قناة المعاند اللاج ، أو يطلع المتأول خطأ على الصواب . وما دام الله قد أمر برد النزاعات إلى الكتاب والسنة ، فحل هذه النزاعات لا محالة

موجود فيهما . وما دام قد وقع النزاع في الإمام المعصوم فبيانه موجود في الكتاب والسنة ، وإلا يكون رد النزاع إليهما لا معنى له إن كانا لا يتضمنان الحل . ولما كان الكتاب والسنة فيهما الحل لما وقع من نزاع حول الإمام فمن المحال أن لا يكون النبي صلى الله عليه وآله قد
 

- ص 206 -

أعلمهم بذلك وبلغهم إياه ، لأن التبليغ واجب عليه ، بل التبليغ البين المزيل لكل إبهام وإيهام ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) ( 1 ). على أن الله تعالى يقول: ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ( 2 )

، فالرد إلى أولي الأمر فيما يجهل الناس حلوله - سواء كان نزاعا أو حكما من الأحكام - أمر ثابت . ولكن لوقوع النزاع فيهم أنفسهم أجل الأمر بذلك إلى بعد الثوبة والأوبة ، بالنظر في كتاب الله وسنة رسوله .


وقد يشكل علينا بما قلنا بأن أخذ الناس مباشرة من الكتاب والسنة أمر لا يرتفع به النزاع ولا يزداد به الطين إلا بلة ، فكيف يرجع الناس النزاع في أولي الأمر وهم غير معروفين لهم ، والناس لا تدرك من القرآن والسنة إدراكا واحدا ، فكيف تحل مسألة النزاع في أمر الإمام هذا ؟


ونجيب : إننا قد ذكرنا أن الإمام المتنازع في أمره قد عين من قبل النبي صلى الله عليه وآله إذا ، فهو موجود بين المتنازعين ، فواجب عليه - بحكم إمامته - أن يبين لهم الأمر إذا أراد الناس أن يعلموه وردوا نزاعهم إلى الكتاب والسنة .


فالإمام في هذه الحال لا بد أن يقيم الحجة والدليل على إمامته وأحقيته في الأمر من الكتاب والسنة ، إذ أنه بهما أعلم إذا ، فهو - كفرد من أفراد الناس وطرف من أطراف النزاع - سيتكفل برفع النزاع حتى تثبت إمامته . . هذا إذا كان المتنازعون قد تأولوا خطأ ، أو كانوا لا يعلمون .

وأما إن كانت العصبية والقبلية والعناد واللجاج : ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ) ( 3 ) .


ثم إن الإمام الرازي ركز على العجز عن معرفة الإمام ، سواء في عصره خاصة ، أو ما يليه من عصور . . فهل يعني هذا أن العجز عن معرفة الإمام المعصوم كان في عصر الإمام الرازي فقط ، وأنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله لم يكن الناس عاجزين عن معرفة الإمام المعصوم
 

 

* هامش *

 
 

 1 - النور : 54 ، العنكبوت : 18 .             2 - النساء : 83 .              3 - الجاثية : 27 . ( * )

 

 

- ص 207 -

في ذلك الزمان ؟

فنقول : إن كان الناس في تلك العصور ، من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، عاجزين عن معرفة الإمام المعصوم . .

فلماذا يحصر الرازي الكلام في عجز الناس عن معرفة الإمام المعصوم بعصره فقط أو بما بعده من عصور ؟ !

وإن لم يكونوا عاجزين فكيف تولى الأمر من هو غير معصوم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ؟ !

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب