- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 208 :

نظر ابن جرير الطبري


أما الطبري فقد ذكر عند تفسيره هذه الآية : " والصواب من القول في ذلك أن يقال : هو أمر من الله [ تعالى ] بطاعة رسوله في حياته فيما أمر ونهى ، وبعد وفاته في اتباع سنته ، وذلك أن الله [ تعالى ] عم بالأمر بطاعته ، ولم يخصص ذلك في حال دون حال ، فهو على العموم . .


واختلف أهل التأويل في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية ، فقال بعضهم : [ هم ] - الأمراء أصحاب السرايا على عهد النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم . - وقال بعضهم : هم أهل العلم والفقه . - هم أبو بكر وعمر .

ثم قال : " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : هم الأمراء والولاة ، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، ومنها عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال : على المرء المسلم الطاعة فيما أحب وكره

إلا أن يؤمر بمعصية ، فمن أمر بمعصية فلا طاعة . فإذا كان معلوما أنه لا طاعة واجبة على أحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل ، وكان الله قد أمر بقوله : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) بطاعة ولي أمرنا . . كان معلوما أن

الذين أمر الله بطاعتهم تعالى ذكره من ذوي أمرنا هم الأئمة ومن ولاهم المسلمون دون غيرهم من الناس. .وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر أو نهى - فيما لم تقم حجة وجوبه - إلا الأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم ، فإن على
 

- ص 208 -

من أمروه بذلك طاعتهم ، وكذلك في كل ما لم يكن لله معصية " . ( 1 )


إن من المسائل الهامة التي أثبتها وأقرها الإمام الرازي والطبري في تفسيريهما لهذه الآية هو أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على نحو من القطع والجزم .


وفي الواقع لا أظن مسلما يقول بغير ذلك ، إذ أن الآية صريحة في إيجاب طاعتهم ، بل إن الرازي قد ذهب إلى عصمة أولي الأمر ، وهو الحق بلا ريب ، وأشار الطبري إليها بقوله : " وأنه لا طاعة لأحد فيما أمر أو نهى - فيما لم تقم حجة وجوبه - إلا الأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم " .


فالذي وجبت طاعته في أمر لم يقم الدليل على وجوبه إذا أمر به لا بد أن يكون معصوما ، لأن وجود الدليل يصون الإنسان عن الوقوع في الخطأ ، ويهديه إلى الصواب ، فإذا انعدمت العصمة والفرض عدم دليل على الوجوب ، فكيف نعلم أن المأمور به صواب وأمر واجب .


ولما كانت طاعة الأئمة ، في الأمر الذي ليس له دليل يشير إلى وجوبه ، واجبة على الناس علم أن أمرهم هذا حق وصواب ولا سبيل للخطأ إليه لعصمتهم ، وإلا لما كانت طاعتهم واجبة ، فالأمر بالباطل والخطأ أمر لا يصح ولا يجب ، بل يحرم .


إذا فطاعة الإمام في أمر لا دليل على وجوبه هو لعدم نفوذ الخطأ والباطل إلى أمره هذا ، وذلك لعدم نفوذ الخطأ إلى نفس الإمام ، بسبب عصمته التي هي أساس فرض طاعته ووجوبها على الناس بلا دليل أو برهان على وجوب أمره .


ونفهم من هذا عدم جواز مسألة الإمام في أوامره ونواهيه ، كما لا يجوز مسألة النبي صلى الله عليه وآله فيما يأمر به أو ينهى عنه ، كل ذلك لعصمتها . . وبهذا يثبت الطبري أيضا عصمة أولي الأمر بقوله هذا .


ثم رجح الطبري من بين آراء العلماء الرأي القائل بأن أولي الأمر هم الأمراء والولاة وأئمة المسلمين . وهذا صحيح لا قدح فيه ، ولكنه أتبع ذلك بقوله : " ومن ولاهم المسلمون " ونفهم من ذلك أن الطبري يرى أن هؤلاء الولاة والأئمة يعينهم المسلمون ، وهذا أمر لا يصح أبدا .
 

 

* هامش *

 
 

 1 - تفسير جامع البيان لابن جرير الطبري 5 : 94 - 95 . ( * )

 

 

- ص 209 -

إننا نصرف النظر عن العصمة التي أشار إليها الطبري إشارة ، ولم يصرح بها كما صرح الإمام الرازي ، ولكن . . هل أثبت الطبري وجوب طاعة الأئمة هؤلاء فيما أمروا به أو نهوا عنه ولو لم تقم الحجة على وجوب أمرهم ونهيهم ؟ ! !


إذا ، يكفي هذا في إبطال ما ذهب إليه من قدرة الناس من المسلمين على معرفة الولاة والأئمة وتعيينهم . والسبب واضح ، فإننا ذكرنا أن البشر ليس في مقدورهم معرفة من وجبت طاعته في أوامره ونواهيه - سواء كان بدليل أو بدون دليل - على

وجوب أمره . وإذا عجزوا عن معرفته فهم عاجزون عن تعيينه وتنصيبه ، كما هو واضح ، لأن معرفة من وجبت طاعته على الناس هو فرع معرفة الواجبات .


 ولو كان الناس يعرفون الواجبات لما خالفوا منها شيئا ، ولبطل إرسال الرسل لبيان الواجبات للناس وصار إرسالهم تحصيلا للحاصل . فالناس لجهلهم بما هو واجب أرسل الله تعالى إليهم الرسل والأنبياء ليهديهم إلى تلك الواجبات ويعرفهم بها، إذ فيها

صلاحهم ونفعهم . ولكي يتحقق هذا الهدف الذي أراده الله - وهو إصلاح الناس وهدايتهم - لا بد أن يضمن وصول أوامره ونواهيه الموصلة إلى تلك الغاية ، فعصم الرسل ليسد باب التغيير والانحراف عن طريقهم ، ثم أوجب طاعتهم . ولكن رأيناه

أيضا أوجب طاعة أولي الأمر ، فلو كانت الأخطاء تعتريهم فهل يصل إلى الناس ما أراده الله لهم من نفع وصلاح ، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، وهم المتصدون لهداية الناس وإرشادهم إلى الغاية والهدف الإلهي ؟ أبدا ، فوجوب طاعتهم - مع

ارتكابهم الأخطاء - هو مدعاة للانحراف عن المسير الذي رسمه الله تعالى بوساطة رسله المعصومين ، فهنا تكمن عصمة أولي الأمر ، وهنا سر وجوب طاعتهم ، وهنا عجز الناس عن معرفة أولي الأمر . . فالمعصوم الواجب الطاعة لا يعلمه إلا

الله ، وتعيينه إذا مسند إليه ، إذ أنهم الطريق الذي يطويه الوحي المعصوم ليصل إلى الناس سالما من أي خطأ ، فإنه يجب أن يصل إليهم كما هو بعيدا عن الخطأ والباطل ، ولا يتم ذلك إلا بعصمة الأنبياء وولاة الأمر من بعدهم .


وقد يحتج علينا بما قاله الطبري : " فإن على من أمروه بذلك طاعتهم ، وكذلك في كل ما

- ص 210 -

لم يكن لله معصية " ، أو بما قاله الرازي : " إن الأمة مجمعة على أن الأمراء والسلاطين إنما تجب طاعتهم فيما علم بالدليل أنه حق وصواب ، وذلك الدليل ليس إلا الكتاب والسنة " .


لقد أورد الإمام الرازي هذا الكلام لإبطال القول بأن أولي الأمر هم الأمراء والولاة كما يقول الطبري . والرازي يرد هذا الكلام لأنه يجري وراء العصمة ويسعى لأن يجد من تتوفر فيه ، فانتهى إلى أهل الحل والعقد لعدم اجتماعهم على الخطأ ، ولكن قد رأيت ما يكتنف هذا القول من إشكالات . . . فراجع .


أما الطبري فيشترط وجوب طاعة أولي الأمر بأن لا يكون ما أمروا به فيه معصية لله تعالى ، وعندها يرتفع وجوب الطاعة على الناس . إن معرفة كون أمرهم معصية أو غير معصية يحتاج إلى دليل وبرهان وحجة ، وهذا يتناقض مع قوله : " إنه

لا طاعة لأحد فيما أمر ونهى - فيما لم يقم حجة وجوبه - إلا الأئمة " ، فهو في هذا الكلام يؤكد أن طاعتهم في الأمر والنهي ، سواء توفر الدليل على وجوبه أو لم يتوفر ، واجبة قطعا . .

فكيف يأتي مرة أخرى ويشترط طاعتهم فيما لم يكن لله معصية ؟ ! فمعرفة أن ذلك معصية أو غير معصية - أي معرفة أن طاعتهم واجبة أو غير واجبة لأنها معصية - تحتاج إلى حجة تبين الوجوب في الأمر أو النهي . . .

فأين كلامه هذا من كلامه الأول ؟ ! على أن كلامه الأول هو الأصح ، لأن طاعة أولي الأمر جاءت مساوقة لطاعة النبي صلى الله عليه وآله في العموم والإطلاق والوجوب والعصمة ، فلا تقيد بشرط ولا يطالبون بالدليل فيما يأمرون به .


والحديث الذي ذكره يختص بولاة الجور الذين يغصبون الحكم بالقوة ، ويتسلطون على الناس بالظلم ، ولا يرتبط بأولي الأمر الذين جاء الأمر بطاعتهم في الآية القرآنية ، فهم معصومون ووجوب طاعتهم عام مطلق غير مشروط .


والرازي يؤيد ذلك بقوله : " ذلك لأن الله تعالى أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة ، وهو قوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معا ، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر أيضا " .
 

- ص 211 -

إذا ، فالتقييد الذي جاء في الحديث ينافي الآية ، ومن ثم فالحديث لا يتكلم عن الأئمة العدول أولي العصمة ، لعموم وجوب طاعتهم ، كما وضح .


ثم إن تقييد طاعة أولي الأمر بكون ما أمروا به ليس فيه معصية لله ، يفرض قدرة الناس على تشخيص الخطأ من الصواب ، بإقامة الدليل على ذلك من الكتاب والسنة . . وهذا لا يتوفر لكل إنسان، وأعلمية أولي الأمر وعصمتهم تنفي أمرهم بالمعصية

فلو كانت طاعة أولي الأمر لا تجب إلا فيما وضح بالكتاب والسنة أنه حق وصواب للزم من ذلك أن يكون كل فرد ملما وعارفا بمفهوم ومعاني وتأويل وتفسير القرآن والسنة ، وهذا ليس صحيحا .


وعلى أقل التقادير سيؤدي ذلك إلى الاختلاف والنزاع في تحديد كون هذا الأمر خطأ أو صوابا . والاختلاف ممنوع قطعا ، وسيؤدي إلى تعطيل التنفيذ ، وقد يؤدي إلى فتح الثغرات لمعصية الإمام في كل ما يأمر به .


ولو فرض أن في استطاعة الجميع معرفة بعض الأدلة من ظاهر بعض الآيات لإثبات صحة وحقانية أو بطلان أمر الإمام . . فكيف تتم لهم معرفة الأدلة على صحة أو بطلان ما أمر به الإمام في المسائل التي لا تتضح إلا بالاستنباط والاجتهاد ؟ !


ونحن نعلم أن القدرة على الاستنباط والاجتهاد لتحصيل الأحكام ليست لكل أحد ، بل ليست للغالبية . ومن هنا يكون هذا الأمر مختصا بهؤلاء العلماء الذين هم أولو الأمر ، وورثة الأنبياء ، ولا أحد يعلوهم في العلم والمعرفة . فلو كان هذا الأمر مختصا بهم ، والغالبية العظمى ليس لها إدراك ذلك . .

فكيف يقنعون منهم بأن ذلك صواب وليس معصية ؟ !

وكيف يقيمون لهم الدليل ويحتجون عليهم به على صحة أوامرهم ، وعامة الناس لا يدركون شيئا من ذلك ؟ !


فإما أن يحملوهم على الأمر والنهي بالقوة والعنف ، ولا يبقى حينئذ معنى لاشتراط وجوب الطاعة بكونه في غير معصية لله . أو يتركوهم عن تنفيذ الطاعة وأداء الواجب في ذلك . . وبهذا يذهب الأمر بطاعتهم أدراج الرياح .


فنحن إذا ، محتاجون إلى التسليم لبعض أوامر أولي الأمر فيما لا ندركه ، لفقداننا قدرة الاستنباط والاجتهاد . لكن التسليم في البعض وعدمه في البعض الآخر لا يتفق
 

- ص 212 -

وعموم الأمر بالطاعة وإطلاقه في الآية . كما أنه ليس من العقل في شئ ، فلو سلم الناس لأولي الأمر فيما يصعب عليهم إدراكه وفهمه من القرآن والسنة . . فهذا التسليم ليس أولى من التسليم لهم فيما يسهل على الناس إدراكه وفهمه من ظاهر

القرآن ، لأن قدرة أولي الأمر في إدراك ما صعب على الناس إدراكه وما بعد عن أفهامهم يبث الطمأنينة والتسليم لهم فيما يأمرون به من أوامر يدركها الناس من ظاهر الآيات والسنة ، إذ لا يقول أحد إن ما يدركه الناس من ظاهر القرآن يصعب إدراكه على أولي الأمر .


إذا ، فالتسليم لأولي الأمر الظاهر دليله من الكتاب أو السنة أولى . ومن هنا فالتسليم لهم فيما صعب على أفهام الناس والتسليم لهم فيما سهل على الناس إدراكه من الظاهر ينفي اشتراط إقامة الدليل على صحة أو بطلان ما أمر به أولو الأمر . . هذا من ناحية المقايسة بين أولي الأمر وعامة الناس من حيث العلم والأعلمية .


وأما إذا ثبتت للناس ولايتهم وإمامتهم بالنص الإلهي وثبتت بذلك عصمتهم ، فإن التسليم لهم يكون أحجى وأبلغ وأكمل في هداية الناس وصيانة الأمر ، وهذا ما أراده الوحي من الأمر بطاعتهم وإيجابها .


فقول الطبري بأن أولي الأمر هو الولاة والأمراء صحيح لا غبار عليه ، ونضيف إليه قول الرازي بعصمتهم ، فنخلص عندئذ إلى قول الشيعة بأنهم الأئمة المعصومون من أهل البيت عليهم السلام . .
 

وأما قول الطبري باختيار وتولية المسلمين لهم ، وقول الرازي بأنهم أهل الحل والعقد . . فقد وضح بطلان هذين القولين ، وعدم استقامتهما شرعا وعقلا . وأما القول بأن أولي الأمر هم أبو بكر وعمر . .

فهذا قول لا يصح من وجوه :

أولا : إنهما يفتقدان العصمة ولا ينسبها أحد إليهما . وأولو الأمر قد ثبتت عصمتهم ، ووجبت طاعتهم على الناس .

ثانيا : لو كانا هما المعنيين بأولي الأمر في الآية لوجبت طاعتهما ، ولما خالفهما كبار الصحابة ، ولما امتنع أكثرهم عن بيعة أبي بكر ، ولما احتج بعضهم على استخلاف عمر ، ولما خالف سعد أبا بكر وامتنع عن بيعة الصديق ومات وهو مخالف لهما ولم يقتد بهما في
 

- ص 213 -

شئ ، ولما خاصمتهما الزهراء وامتنعت عن بيعة الصديق وكانت تدعو عليه في كل صلاة تصليها عليها السلام .


ولو كانا هما أولي الأمر لما جاز لعلي بن أبي طالب الامتناع عن بيعة أبي بكر ، بل لما قال لهما ولأفرادهما : " بل أنتم أولى بالبيعة لي " ، وقد مر عليك ذلك كله .

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب