فمن هم أهل البيت ؟ وهل هم معصومون ؟


أهل بيت النبي معصومون

إن عصمة أهل بيت النبوة عليهم السلام لهي من المسائل التي يحكم بها كل عقل سليم ، لأنه ما دام قد ثبت أن أولي الأمر يلزم أن يكونوا معصومين ، وثبت عقلا أنه ليس هناك من البشر من يرقى إلى هذا المقام غير أهل البيت . . فقد ثبتت بالضرورة عصمتهم .


على أن النقل قد أشار إلى عصمتهم بوضوح وصراحة ، فهم العلماء الذين يرثون بعلمهم هذا إرث الأنبياء من العمة بوضوح وصراحة ، عليهم من سبيل . وأما الأدلة التي تشير إلى هذه العصمة وتوضح اختصاصهم بمقام ولاية الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وآله ، فإليك منها ما يلي :

 

دلالة آية التطهير على العترة
 

من خلال العصمة يقول الله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ( 1 ) .

إن الأمر الذي لا شك فيه أن هذه آية من آيات القرآن الكريم ، ونحن نعلم أن القرآن منزه عن اللغط واللغو في الكلام ، فإن ذلك نوع من العبث والباطل الذي لا يخالط القرآن بأي حال من الأحوال .


ولهذا فأي عبارة في القرآن الكريم وأي كلمة تضمنتها آياته لم توضع عبثا دون أن تحتوي على معنى له أثر أساسي في تشكيل معنى الآية التي فيها تلك الكلمة .

ولهذا لا يمكن مثلا أن نتجاوز كلمة ( إنما ) المذكورة في الآية التي نحن بصددها ، ولا يمكن

 

* هامش * 1 - الأحزاب : 33 . ( * )

 

 

- ص 222 -

أن نتجاوز التطهير بعبارة ( تطهيرا ) . . . لأنه لو كانت تلك العبارات خالية من معنى أساسي فيه فائدة لكان إسقاطها من قبل الله تعالى واجبا ، لأن الحق بعيد عن ذكر ما لا فائدة فيه في الكلام ، فكان يمكن أن يكتفي مثلا في بدء الآية بقوله ( يريد الله

ليذهب عنكم الرجس . . . ) ، أي بدون ذكر ( إنما ) في البدء . أو كان يمكن أن يختم الآية بقوله : ( يطهركم ) ، بأن يقول ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ) ، فكان يمكن أن تكون الآية بعد إسقاط العبارات كالآتي : ( يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ) ، فما الإشكال في هذا ؟ !


إذا المعنى كما يبدو في الظاهر محفوظ ، وهو تطهير أهل البيت وإذهاب الرجس عنهم ! ولكن هذا نظر من لم يعرف للقرآن قدره واكتفى منه بالسطح والقشور . . فالمعنى أوسع من أن نلتمسه في ظاهر الألفاظ دون الغوص في أعماق معانيها ،

والتدبر في دقائقها ولطائفها . من الخطأ أن نكتفي من عبارة ( يريد الله ) بمفهوم الإرادة ، دون تحديد أي إرادة هي ، ومدى تعلقها بالمراد . كما أنه من الخطأ أن نكتفي من عبارة ( ليذهب ) بمعنى الإبعاد ، دون أن نتدبر في كيفيته ، ودون أن نربطه

بنوع الإرادة التي تم بها هذا الاذهاب . وعموما فمن الخطأ الفاضح أن لا نستخلص من معنى الآية ، بعد التدبر فيها ، خصوصية تميز أهل البيت عن سائر الناس . وعندئذ تنكشف حقائق ما كنا لنراها لو قنعنا بشكل الحروف وصور الألفاظ من هذه الآية .


إن الرجس هو كل قذر ، حسا ومعنى . والمعني منه هنا ما يتعلق بالنفس الإنسانية من قذارة الذنوب والمعاصي : سواء أكبرت فصارت شركا ، أو صغرت فشملت ما دون ذلك . وإذهابها هو إبعادها وإزالتها وتطهير النفس منها تطهيرا لا يعقبه تقذر أو تلوث بها .


ولكن ، كيف يتم إذهاب الذنوب والمعاصي وقاذورات النفس من الأخطاء والقبائح ؟ وبأي أسلوب يتم ذلك ؟ إن تطهير النفس البشرية لهو من الأهداف الأساسية لهذا الدين ، بل هدف لكل الأديان السماوية . وهو يتم في الغالب عن طريق أداء التكاليف التي أوجبها الله على

- ص 223 -

الناس ، لأن أداء التكاليف والالتزام بالأوامر والانصراف عن النواهي يوجب التطهير ومحو الذنوب . . وعلى هذا يكون الله تعالى قد أراد إذهاب الرجس عن الناس ، ففرض عليهم التكاليف ليتم لهم التطهير عن طريق الالتزام بالشرع والعمل به .


إن هذه الإرادة التي تستتبع تطهير النفس البشرية لا تتحقق إلا بأداء التكليف والشرع، فهي إرادة يمكن أن تتعلق بالفعل البشري الاختياري ، ويمكن أن لا تتعلق به ، لأن سبيلها هو القيام بأداء التكليف في الواقع، ومرادها عبر هذه الواسطة هو التطهير ،

ولهذا يمكن أن يتحقق ما أراده الله ، ويمكن أن لا يتحقق ، لأن الإنسان مختار في أداء التكاليف دون جبر من الله تعالى ، فإذا أدى ما عليه من تكليف على النحو المطلوب طهر وذهبت ذنوبه فيتحقق ما أراده الله ، وإذا لم يؤد ما عليه من تكاليف بقي في

أدرانه النفسية ولا يطهر فلا يتحقق المراد ، فالمسألة موصولة بموقف الإنسان من أداء التكاليف . ولا غضاضة في أن لا يقع ما يريده الله تعالى عن طريق الإرادة التشريعية ، لأن مدار الإرادة هذه هو فعل المكلف الاختياري .


ثم إن هذه الإرادة التشريعية لا تختص بأحد دون أحد أو قوم دون قوم ، ذلك لأن كل الناس مطالبون بأداء التكاليف ، فيكون الله تعالى قد أراد لهم جميعا التطهير من الذنوب والرجس . إذا ، فهي إرادة شاملة لكل فرد من المسلمين ، ولا يتحتم تحققها ، لأن من الناس من يقوم بأداء التكاليف ، ومنهم من لا يعبأ بذلك .


ولكن كيف تستقيم عمومية الإرادة التشريعية هذه وشمولها لكل فرد وعدم اختصاصها بأحد من المسلمين مع الحصر الوارد في الآية الكريمة ، والواضح في لفظة ( إنما ) التي تفيد الحصر كما هو معلوم ؟

وكيف تستقيم تلك العمومية مع اختصاص الإرادة بالتطهير بفئة معينة من الناس ؟

وكيف يستقيم أن تكون الإرادة تشريعية شاملة لكل فرد ، عبر أداء التكاليف ومن خلال القيام بالشرع ، وقد اختص الخطاب بأهل البيت دون غيرهم من الناس ، كما هو واضح في الآية ؟ !


إن أهل البيت ليس وحدهم المطالبين بأداء التكاليف والالتزام

- ص 224 -

بالشرع ، بل هو أمر شامل لهم ولغيرهم من الناس ، والتطهير عن طريق القيام بأداء التكليف حق لكل فرد مكلف . . وهنا يجب أن نعلم أن الحصر الوارد في الآية واختصاص التطهير بأهل البيت ينفي أن تكون الإرادة هنا إرادة تشريعية تقتضي

العموم ، ولذا فهي إرادة من إرادات الله التكوينية التي تتعلق بما يصدر من الله تعالى من أفعال ، ولا يتصور انفكاكها عن الفعل الصادر منه تعالى . فلا يريد الله تعالى بهذه الإرادة التكوينية شيئا إلا حدث . . فإرادته هي فعله ، وفعله هو إرادته .

وإرادة الشئ تكوينيا تعني إيجاده وخلقه وتحققه بلا انفصال . ويصور الله تعالى هذا المعنى في قوله : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ( 1 ) .


فهذا هو الايجاد والخلق . وهذه الإرادة - كما وضح - تختلف عن تلك التشريعية ، فالمكلف إذا صلى وصام مثلا يتم ما أراد له الله تعالى من تطهير ، ولكن إذا لم يؤد ذلك لا يتحقق تطهيره .


إذا ، فالإرادة التكوينية هي إرادة خاصة لا تنفك عن المراد بتاتا . ولعدم عمومية هذه الإرادة ، فهي تستقيم مع الحصر والتخصيص الوارد في الآية . ولعدم انفكاكها عن المراد فقد وقع إذا بها التطهير لأهل البيت عن الرجس والذنوب والمعاصي والقبائح . ومن وقع له ذلك التطهير بها يلزم أن يكون معصوما ، وإلا فلا معنى للتخصيص ولعدم انفكاك الإرادة التكوينية عن المراد .


ولهذا . . فأهل البيت معصومون ، وهذا هو المطلوب . ثم إن هذا التطهير ما هو إلا ذلك العلم اليقيني اللدني الذي ليس بينه وبين نفوس العترة أي تناف أو ثنائية تجعلهم كوعاء له ، بل هو علم مازج النفس منهم تمازجا ذاتيا واتحدبها اتحادا معنويا ،

كما يتضح من عدم افتراقهم عن القرآن في حديث الثقلين . فالعترة هم - كما عرفهم النبي صلى الله عليه وآله - ويكون القرآن حياتهم لا غير ، وما في ذلك إلا العصمة . ولما كان الله تعالى قد أنزل كل شئ بقدر معلوم يتطابق مع طاقة وسعة الشئ فإنه
 

 

* هامش * 1 - يس : 82 . ( * )

 

 

- ص 225 -

سبحانه وتعالى لا يكلف نفسا إلا ما تسعه ، ولا يفيض عليها إلا بقدر ما تطيقه . وليس الناس سواسية في ذلك . . ولهذا فالطاقة الروحية والسعة المعنوية لأهل بيت النبوة منذ الأزل هي التي جعلتهم في قدرة وسعة أرحب تحصلوا بها على قدر من الإيمان لا يتوفر لأي فرد من سائر الناس ، فهو إيمان أفيض عليهم طبقا لسعتهم وطاقتهم .


ولازم الإيمان العالي هذا تقوى من سنخه وطبعه وقدره ، ولازم هذه التقوى علم يوازيها : ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) ( 1 ) ، فكان هذا العلم هو العلم اليقيني الذي تتحقق العصمة به .


وفي الواقع لم يتم الأمر لهم على هذا التسلسل الذي ذكرناه في بيان ذلك المقام ، وإنما الأمر واحد كلمح بالبصر ، ومنذ الأزل . وإنما الألفاظ هي التي تخلق الانفصال بين الإيمان والتقوى ، وهذا هو العلم اللدني لأهل البيت . وهم بهذا العلم - كما

أوضحنا في بحث العصمة - عرفوا حقائق الأشياء وقبيح الذنوب معرفة ذاتية لا وصفية ، فنفرت منها نفوسهم ، إذ لا تشابه : فهي نفوس عظم فيها الله وامتلأت به نورا . . فهل يبقى مجال للتفكير في اجتناب ظلمات المعاصي فضلا عن ارتكابها ؟ ! !

 

 

* هامش * 1 - البقرة : 282 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب