|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 233 :
|
دلالة " حديث السفينة "
على عصمة العترة
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " مثل أهل بيتي مثل
سفينة نوح : من ركبها نجا " ( 2 ) . . عن حنش بن المغيرة ، عن أبي ذر .
يقول ابن حجر : " وجاء من طرق
كثيرة يقوي بعضها بعضا [ قول النبي صلى الله عليه وآله ] : " ألا إن مثل أهل
بيتي فيكم مثل سفينة نوح : من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق " ( 3 ) .
إن صراحة التعبير ، ووضوح
معاني الألفاظ في حديث السفينة . . إلى جانب أنه يقطع العذر على الناس في عدم
الاقتداء بالعترة ، وفي ترك اتباع أهل البيت النبوي ، وإلى جانب أنه يقيم الحجة
كاملة على من ركبته العصبية ، وامتطته الأهواء
النفسية والنزعات القبلية . . فهو يقسم الناس إلى فرقتين لا
غير : فرقة ركبت على متن السفينة وسلكت سبيل المؤمنين ، وفرقة أوت إلى الجبل
ليعصمها من الطوفان فكانت من الغارقين ، فصاروا لذلك حزب إبليس .
والعجب ممن يريد بيانا أصرح مما سمعنا في اتباع العترة
والاقتداء بأبناء محمد نبي الله صلى الله عليه وآله ! وأي تأويل يجوز به اتباع
غيرهم من بني آدم ؟ ! وهل عاقبة المتأولين بعد ذلك
| |
* هامش * |
|
| |
2 - كتاب عيون الأخبار
لابن قتيبة 1 : 211 .
3 - الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي : الباب
الحادي عشر - ص 234 ،
مستدرك الحاكم 3 : 151 عن كتاب معرفة
الصحابة : النهاية لابن الأثير : باب الزاي مع الخاء . ( * )
|
|
|
إلا أن يبتلعهم الطوفان ؟ ! إن هذا الحديث أيضا يتعاضد
بشدة مع آية التطهير وحديث الثقلين .
وهذه الثلاثة متضافرة يؤيد بعضها بعضا ، وهي متفقة في
الهدف ومتسقة في المعنى .
إن آية التطهير قد أوضحت زكاة العترة الطاهرة عن كل ما
يشين البشر من قبح ، فأبانت عصمتهم صريحة واضحة ، فجعلهم النبي صلى الله عليه
وآله - مع كتاب الله تعالى - ثقلين متلازمين لا يختلفان ولا يفترقان.ولذلك
صاروا - حتميا - مثل سفينة
نوح ، إذ وجه الشبه هو النجاة والسلامة . . على أن
الأولى بها نجاة الناس من الغرق في الماء، والثانية بها النجاة من الغرق في
الضلال ، وشتان ما بين النجاتين ! إن من المسلمات التي أقرها هذا الحديث هي أن
أهل البيت هم المعيار الذي يفرق به
الحق عن الباطل ، ويميز به الصالح من الطالح من الناس،
ويتضح به الصواب من الخطأ . وبالتأكيد يلزم أن يكون المعيار في منأى عن كل باطل
وخطأ ، لأن مخالطة الباطل له واشتماله على الخطأ يخرجه عن كونه معيارا لتشخيص
الحق عن الباطل
والصواب عن الخطأ ، فالميزان الذي يستعمله التاجر في
متجره للقياس والوزن لا يكون وزنه وقياسه صحيحا لو كان به عطب وخلل ، وسيفقد
بذلك معنى كونه " الميزان " .
وهذا هو معنى قوله صلى الله
عليه وآله لعلي عليه السلام : " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " .
فأهل البيت هم ميزان للحق والباطل
: فما وافق ما هم عليه فهو حق ، وما خالفه فهو باطل . وأي معنى بخلاف
ذلك لا يترك لهم خصوصية دون الناس . ولا وصف يليق بهذه الخصوصية إلا العصمة . .
كل ذلك لإحاطتهم بما في القرآن من علوم فرض على الناس العمل بها ، بل لحياتهم
القرآنية التي فيها روح النبوة وإخلاص العبودية لله عز وجل .
ولقد أوضح ابن حجر ذلك جيدا ،
فقال : " سمى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم القرآن وعترته [ الأهل
والنسل والرهط والأدنون ] ثقلين ، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون . وهذان كذلك ،
إذ كل منهما معدن العلوم اللدنية والأسرار والحكم العلية والأحكام الشرعية . .
" ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - كتاب الصواعق
المحرقة لابن حجر : الباب الحادي عشر - ص 149 . ( * )
|
|
|
فأما من حيث إنهما معدن العلوم اللدنية فهذا يبين
الاتحاد المعنوي للثقلين ، فعلوم القرآن بأسرها هي نفسها علوم العترة ولا
اختلاف ، ولهذا لا يفترقان أبدا .
وأما من حيث إن الثقل مصون ومحفوظ ، فهو واضح في القرآن :
( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ( 1 )
وأما حفظ وصون العترة فهو واضح من حيث إنهم لا يفارقون القرآن ، وبالتالي لهم
خصوصية حفظه فتمثلت في عصمتهم ليتم الانطباق وعدم الافتراق والاختلاف بينهما .
وكل ذلك يبين بكل وضوح عصمتهم التي بها علو درجتهم على الناس .
ثم يقول ابن حجر : " ولذا حث
صلى الله عليه [ وآله ] وسلم على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم ، وقال :
الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت " ( 2 ) . ولازم هذا أن الحكمة ليست
في غيرهم بالنحو الذي فيهم ، ولهذا قال رسول الله صلى
الله عليه وآله : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "
، إذ هم أهل البيت الذين خصوا بالعلوم والحكمة ، ولهذا لا يجوز اتباع من خالفهم
مهما كان عالما ، حنفيا كان أو مالكيا ، حنبليا كان أو شافعيا .
ثم يقول : " ثم الذين وقع
الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله ، إذ هم الذين لا
يفارقون الكتاب إلى الحوض ، ويؤيده الخبر السابق : لا تعلموهم فهم أعلم منكم .
وتميزوا بذلك عن بقية العلماء ، لأن الله تعالى أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا
" ( 3 ) .
إن قوله : " وتميزوا بذلك عن بقية العلماء " فيه مقايسة لا
تصح ، فلا علم لهؤلاء العلماء إلا عن طريق العترة ، فكل الناس متهافتون على
موائد علمهم ، فهم العلماء بالحقيقة وغيرهم علماء بالمجاز ، ولا قياس بين
الحقيقة والمجاز ، فالحقيقة أصل والمجاز فرع .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - الحجر : 9
. 2 -
الصواعق المحرقة : الباب الحادي عشر - ص
149
3 - نفس المصدر السابق . ( * )
|
|
|
ويقطع ابن حجر العذر على من اقتفى آثار غيرهم بقوله : "
وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك
به إلى يوم القيامة ، كما أن الكتاب كذلك ، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض " ( 1
) .
نعم ، إنهم أمان من الغرق في مفاوز الاختلاف والفتن ومحدثات
الأمور ، ولو كانوا ممن يصيبهم شئ من تلك الأشياء لما كانوا أمانا لأهل الأرض .
أجل يا ابن حجر ، لا يخلو الزمان منهم أبدا . . سواء في زمان أبي حنيفة ، أو في
زمان مالك والشافعي وابن حنبل . بل لا يخلو الزمان منهم فيما نحن فيه من زمان .
.
فكيف ولى الناس عنهم ويمموا صوب مذاهب أربعة ؟ ! وكان
فيهم الصادقون والكاظمون من أبناء الرسول وأحفاد البتول ؟!! على أن وجود
المذاهب المتنوعة ، والفرق المتعددة ، وشدة الاختلاف بينها يدل بعينه على عدم
اقتفاء آثار العترة ، ويدل على
الاكتفاء باتباع غيرها من الناس ، ذلك لأن النتيجة
الحتمية لاتباع العترة المحمدية في مسائل الدين وغيرها من نواحي الحياة هي
الاتفاق على كلمة سواء والاعتصام بالحق الذي لا يتعدد ، وعندها تنصرم حبائل
الاختلاف وتزول دواعي الشتات بين المسلمين .
ولما كان الاختلاف في أمر من الأمور ينبئ عن عدم
الاعتصام بحبل الله ، فهو - إذا - من عند غير الله بلا ريب ، لأن لازم قوله
تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )
( 2 ) أن التفرق والتشتت هو دليل على عدم الاعتصام بحبل الله ، وعلى مشاقة
الرسول صلى الله عليه وآله ومخالفة أولي الأمر ، وهم العترة كما وضح . بل لازم
هذا القول هو الانحراف عن الثقلين .
وبهذا يمكن أن نفهم بكل ارتياح ووضوح ما هو حبل الله الذي
أمر الناس بالاعتصام به . . فهل يختلف قوله تعالى : (
واعتصموا بحبل الله جميعا ) مع قوله صلى الله عليه وآله : " إني تارك
فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله ، وعترتي
أهل بيتي " ؟ ! فهم إذا حبل الله الذي تنقطع به أسباب
الاختلاف ، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وآله : " النجوم أمان لأهل الأرض من
الغرق ، وأهل بيتي
| |
* هامش * |
|
| |
1 - نفس الصدر السابق .
2 - آل عمران : 103 . ( * )
|
|
|
أمان لأمتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب
اختلفوا ، فصاروا حزب إبليس " .
وبهذا يتضح أن في اتباعهم النجاة
، وفي خلافهم الغرق . وإنما هو البعد عن الدين والاختلاف فيه ، وتنكب الطريق
والانحراف عنهم إلى غيرهم ، فمن خالفهم من الناس فلا ينضوي إلا في حزب إبليس .
ولهذا كانوا هم معيار النجاة والسلامة ، لأنهم خبراء سبيل المؤمنين ، لعصمتهم
وطهارتهم عن كل ما يتسبب في الضلالة والإضلال .
والرسول صلى الله عليه وآله
يبين ذلك بقوله ، عن زياد بن مطرف : " من أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل
الجنة التي وعدني ربي وهي جنة الخلد ، فليتول عليا وذريته من بعده ، فإنهم لن
يخرجوكم من باب هدى ، ولن يدخلوكم باب ضلالة " ( 1 ) .
وهكذا . . فإن رسول الله صلى
الله عليه وآله لم يأمر إلا باتباع القرآن والعترة دون غيرهم من الناس كيف لا
وهم مصدر الفضيلة ، ونفاة الرذيلة ، وهم أساس الدين ونور المهتدين ، وهداة
المؤمنين ، وهم الصلة بين الناس وربهم ، إذ لا طريق إليه
إلا عبر واديهم والأخذ بأطرافهم وأسبابهم ، وبهم رواء
الصادي يوم الظمأ الأكبر ، إذ أنهم سقاة حوض الكوثر . يقول جدهم محمد صلى الله
عليه وآله : " يا أيها الناس ، إن الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله
وذريته ، فلا تذهبن بكم الأباطيل " ( 2 ) .
أجل ، فكل ما خالف ما عليه أهل بيت : النبي صلى الله عليه
وآله فهو باطل ، وكل مذهب خالف ما هم عليه مجانب للحق ومفارق له .
يقول رسول الله صلى الله عليه
وآله : " في كل خلف من أمتي من أهل بيتي ، ينفون عن هذا الدين تحريف
الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين . ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله . .
فانتظروا من توفدون " ( 3 ) . فهل يبقى بعد هذا عذر لمعتذر ، أو مهرب لمتأول ؟
! !
أبدا . . فقد قامت الحجة ،
وصرح الحق عن محضه ، وبانت معالمه . . و ( كل نفس بما
كسبت رهينة ) ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - كنز العمال
للمتقي الهندي 6 : 155 / 2578 .
2 - الصواعق المحرقة لابن حجر : الباب الحادي
عشر ص 105 .
3 - الصواعق المحرقة لابن حجر : الباب الحادي
عشر ص 90 .
4 - المدثر : 38 . ( * )
|
|
|
|