|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 237 :
|
خلاصة البحث
إن الله سبحانه وتعالى ما أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه
وآله إلا لتبليغ الناس أمر الله تعالى وبيانه لهم ، للعمل به على الأساس الذي
يريده الله تعالى منهم . وكل ما كان خلاف ذلك فهو باطل يخالف أمر الله .
ولهذا لزم تبليغ الوحي الإلهي كما أراده الله تعالى ، من
غير انحراف في منهج الوحي أو تبديل لشئ منه . وقد تكفل الله تبارك وتعالى بعصمة
نبيه الكريم وإنزال وحيه عليه . كل ذلك بنحو لا يتيح أي منفذ للخطأ والتغيير
فيه حتى يصل إلى البشر عن طريق النبي الأكرم ما أنزل الله إليهم ، لتنظيم شؤون
حياتهم في كل مناحيها ، ولتحقق الغاية المقصودة من الدين .
ولما كان محمد صلى الله عليه وآله ميتا لا محالة ، ومنصرفا
عن هذه الحياة الدنيا ، ولا بد للرسالة أن تستمر في هداية الناس إلى التي هي
أقوم ، ولا يتحقق ذلك إلا على أساس الوحي كما أنزل وطبقا لمنهج النبي صلى الله
عليه وآله المعصوم في
التبليغ . . كان لا بد من شخص يقوم بأداء وظيفة النبي
صلى الله عليه وآله في نقل مضامين الوحي وتبيان كلام الله تعالى كما أراده
سبحانه إلى الناس ، لهدايتهم به إلى نفس الغاية التي لا يتم بلوغها إلا عبر
معصوم .
وإلا فسينحرف المسير بالوقوع في الخطأ وأهواء النفوس وهمزات
الشيطان ، فلا يصل الناس إلى الغاية التي أرادها الله لهم على أساس الإرادة
الشريعية . إذا ، فلا بد من عصمة خليفة النبي صلى الله عليه وآله ، ولهذا فأولو
الأمر معصومون .
وقد أقر الرازي ذلك وأشار إليه ، كما عرفت . ولما كان ليس
في مقدور الناس معرفة المعصوم من البشر ، وكان لا بد من أخذ الوحي وأحكامه من
المعصوم هذا . . كان لا بد أن يعينه الله لهم ، إذ ليس في استطاعة الناس معرفته
.
ولما لم يكن هناك أليق من أهل البيت ، وثبت عن طريق
النقل ما يشير إلى عصمتهم ، كانوا هم ولاة الأمر وأئمة المسلمين المعصومين ،
وهم الخلفاء الذين أشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله :
" لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة "
( 1 ) .
وطبقا لهذا الحديث فهم خليفة
بعد خليفة ، ولا يخلو الزمان منهم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله : "
في كل خلف من أمتي عدول . . " وقد مر عليك . من هم أهل البيت ؟ وبعد هذا
التوضيح لعصمة أهل البيت عليهم السلام ، تجب علينا
الإجابة عن السؤال التالي : من هم أهل البيت الذين خصتهم
آية التطهير بإذهاب الرجس عنهم بإرادة الله التكوينية . . فطهرت نفوسهم عن
الذنوب والآثام ، بانكشاف سوء هذه القبائح من تحت أنوار العلم اليقيني ، فبدت
مجسمة لهم عين اليقين ، فعافتها
نفوسهم الطاهرة ، فأصبحوا بذلك هداة الناس وأمانا للأمة
، فوجبت طاعتهم ، وصاروا ولاة الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! أهم
نساء النبي صلى الله عليه وآله خاصة دون أن يكون معهم رجل ، أم هم نساؤه وعترته
عليهم السلام ، أم عترته الأدنون خاصة ممثلون في علي وفاطمة والحسن والحسين
عليهم السلام ؟
لقد علمنا أن التطهير الذي حدث لأهل البيت بالإرادة
التكوينية قد استوجب عصمتهم بتزكيتهم عن الرجس من الذنوب والمعاصي والأخطاء .
فهل كانت نساء النبي صلى الله عليه وآله على هذه العصمة وهذا التطهير من
الأخطاء ؟
الواقع أن الإثم أو الخطأ من واحدة منهن ينتقي على أثره
القول بأنهن أهل البيت المطهرون عن الإثم والأخطاء ، المعصومون عن المعاصي . إن
القرآن الكريم يؤكد وقوع أم المؤمنين عائشة وحفصة بنت عمر في إثم هددهما الله
عز وجل على أثره
وأمر هن بالتوبة عنه ، فقال لهما :
( وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح
المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير . عسى ربه إن طلقكن أن يبدله
| |
* هامش * |
|
| |
1 - صحيح مسلم
8 : 5 - كتاب الإمارة . ( * )
|
|
|
أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات
قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا ) ( 1 ) ، وهذا التهديد
لتظاهرهما على النبي الأكرم .
وقوله تعالى لهما :
( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) ( 2 ) .
فالله تعالى يأمرهما بالتوبة ، ولا توبة إلا من ذنب ، وذلك لإتيانهما ما لا
يرضاه الله تعالى ، وما يعد ميلا عن الحق .
قال ابن عباس لعمر بن
الخطاب :". . . يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على النبي ؟ فقال : تلك
حفصة وعائشة " ( 3 )
وقالت عائشة : " خاصمت
النبي [ صلى الله عليه وآله ] فقلت : يا رسول الله ، أقصد ( أي أعدل ) ، فلطم
أبو بكر خدي وقال : تقولين لرسول الله أقصد ؟ ! وجعل الدم يسيل من أنفي " ( 4 )
.
وقالت للنبي صلى الله عليه
وآله : " أنت الذي تزعم أنك نبي ؟ ! ! " ( 5 ) .
إذا ، فصدور هذه الأخطاء من عائشة وحفصة يخرج نساء النبي
صلى الله عليه وآله عن مفهوم أهل البيت ، اللهم إلا أن يطلق عليهن هذا التعبير
على سبيل المجاز، وهو خارج أيضا ، لأن الله تعالى ما أراد بأهل البيت في الآية
إلا المعنى الحقيقي لهم . على أن الأحاديث وردت تؤكد أن أهل البيت هم عترة
النبي صلى الله عليه وآله دون نسائه .
يقول الثعالبي : " والرجس اسم
يقع على الإثم والعذاب وعلى النجاسات والنقائص ، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل
البيت .
قالت أم سلمة : نزلت هذه
الآية في بيتي ، فدعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا وفاطمة وحسنا
وحسينا ، فدخل معهم تحت كساء خيبري ، وقال : هؤلاء أهل بيتي ، وقرأ الآية ،
وقال : اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . قالت أم سلمة : فقلت : وأنا يا
رسول الله ؟ فقال : أنت من أزواج النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، وأنت على
خير "
| |
* هامش * |
|
| |
1 - التحريم :
4 - 5 .
2 - التحريم : 4 .
3 - البخاري ومسلم ، عند تفسير الآية . . أنظر
التفاسير .
4 - إحياء القلوب للإمام الغزالي : آداب النكاح
، وكتاب مكاشفة القلوب : الباب 94 .
5 - نفس المصدر السابق . ( * )
|
|
|
يقول الثعالبي : "
والجمهور على هذا " ( 1 ) .
وقول النبي صلى الله عليه وآله لزوجته أن سلمة عندما
طلبت الدخول في الكساء والانضمام إلى العترة : " أنت من أزواج النبي " يؤكد
خروج نساء النبي صلى الله عليه وآله عن مفهوم أهل البيت .
ثم إن مسلما قد روى بإسناده
إلى عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وآله : أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله
] وسلم" خرج ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ،
ثم جاء الحسين فأدخله معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ، ثم
قال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) " ( 2 ) .
وروى أيضا في حديث طويل : "
لما نزلت آية المباهلة دعا رسول الله ( ص ) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ، وقال :
اللهم هؤلاء أهل بيتي " ( 3 ) .
ويقول الكنجي الشافعي : "
وهذا دليل على أن أهل البيت هم الذين ناداهم بقوله : " أهل البيت " ، وأدخلهم
رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في المرط " ( 4 ) .
وعلى هذا ، فأهل البيت هم علي والزهراء والحسن والحسين
عليهم السلام ، إذ هم الذين أدخلهم رسول الله صلى الله عليه وآله في المرط
المرجل ، كما عرفت .
وروى الطبري عند تفسيره الآية
، عن قتادة : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت ويطهركم تطهيرا ) ، فهم أهل بيت طهرهم الله تطهيرا من السوء ،
وخصهم برحمة منه . ويقول : عني بأهل البيت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ]
وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم .
ذكر من قال ذلك : " عن أبي
سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : نزلت هذه
الآية في خمسة : في ، وفي علي ( رضي الله عنه ) ، وحسن ( رضي الله عنه ) وحسين
( رضي الله عنه ) ، وفاطمة ( رضي الله عنها ) ، ( إنما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت
| |
* هامش * |
|
| |
1 - تفسير الثعالبي
: سورة الأحزاب / ج 3 .
2 - صحيح مسلم 3 / 1883 .
3 - صحيح مسلم 4 / 1871 . 4 -
كفاية الطالب لمحمد بن يوسف الكنجي 22 :
5 - 7 سورة الأحزاب . ( * )
|
|
|
ويطهركم تطهيرا ) . قالت عائشة . . وذكر حديث المرط
المرجل من الشعر الأسود ، مرويا عنها ، وقد مر عليك ذكره .
وعن أنس : إن رسول الله صلى
الله عليه [ وآله ] وسلم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر كلما خرج إلى الصلاة ،
فيقول : " الصلاة أهل البيت . . ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
ويطهركم تطهيرا ) " .
وعن أم سلمة ، قالت : كان
النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عندي ، وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، فجعلت
لهم حريرة ، فأكلوا وناموا ، وغطى عليهم عباءة أو قطيفة ، ثم قال : اللهم هؤلاء
أهل بيتي ، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " .
[ عن ] أبي الحميراء ، قال رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد
النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه [ وآله ]
وسلم إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة فقال : الصلاة ، الصلاة ( إنما يريد
الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
وروى يونس بن إسحاق مثله . عن
أبي عمار ، قال : إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليا رضي الله عنه
فشتموه . . فلما قاموا قال : إجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموه : إني عند رسول
الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إذ جاءه علي
وفاطمة وحسن وحسين ، فألقى عليهم كساء له ثم قال : اللهم
هؤلاء أهل بيتي ، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . قلت : يا رسول الله ، وأنا ؟
قال : وأنت . فوالله إنها لأوثق عملي عندي .
ثم ذكر حديث أم سلمة الذي فيه تجليلهم عليهم السلام بالكساء
الخيبري ، وقوله صلى الله عليه وآله : هؤلاء أهل بيتي .
[ عن ] أم سلمة ، قالت :
جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ببرمة لها قد صنعت فيها
عصيدة ، تحملها على طبق ، فوضعته بين يديه فقال : " أين ابن
مك وابناك ؟ فقالت : في البيت . فقال : ادعيهم . فجائت
إلى علي ، فقالت : أجب النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أنت وابناك . قالت أم
سلمة : فلما رآهم مقبلين ، مد يده إلى كساء كان على المنامة ، فمده وبسطه
وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف
الكساء الأربعة فضمه فوق رؤوسهم ، وأومأ بيده اليمنى إلى
ربه فقال : هؤلاء أهل البيت ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " .
قال عامر بن سعد : قال سعد :
قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حين نزل عليه الوحي ، فأخذ عليا
وابنيه وفاطمة ، وأدخلهم تحت ثوبه ، ثم قال : " رب ، هؤلاء أهلي وأهل بيتي " .
إن الروايات في كون علي
وفاطمة والحسن والحسين هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرة
الذين أنزل الله تعالى فيهم قوله : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت ويطهركم تطهيرا ) يضيق بنا المقام عن إحصائها ، وهي مما لا ينكرها إلا
مخالف للطبع والفطرة ، ناقض للدين وأصوله ، مكابر في قوله وكلامه .
والحق ما قاله الثعالبي في
ذلك . . " والجمهور على هذا " ، وقد مر ذكره عليك .
وأما ما روي من أهل البيت هم نساء النبي صلى الله عليه
وآله خاصة ليس معهم رجل ، ففيه : أولا : إنه غير مسند . ثانيا : إنه مقدوح
المتن لمخالفته فصاحة القرآن وقواعد اللغة العربية ، لأنه لو كان أهل البيت
المذكورون في الآية هم نساء النبي صلى الله عليه وآله خاصة ليس معهن رجل -كما
روي- لكان من الواجب أن لا يأتي الخطاب في الآية مذكرا على التغليب .
ولما كن نساء ليس معهن رجل كان يجب أن يقال : إنما يريد
الله ليذهب عنكن الرجس أهل البيت ويطهركن تطهيرا ، وعندئذ فلا كلام فيما ذهب
المخالفون . ولكن الحال ليس كذلك ، فالخطاب في الآية للمذكر على التغليب . على
أن الأحاديث التي مرت عليك تقطع قول كل خطيب في هذا الأمر .
وبهذا يتضح أن أهل البيت
هم أهل العباءة الخمسة ، وأن التطهير الذي تم لعترة النبي صلى الله عليه وآله
وأهل بيته من أصحاب الكساء الخيبري والمرط المرجل بالشعر الأسود ، هو تطهير
يختص بهم دون غيرهم من الناس .
وهو بالإضافة إلى ذلك - قد تم على أساس الإرادة التكوينية
التي لا تنفك عن مرادها - فيكون بذلك قد حدث التطهير لهم وحصلت التزكية من
الرجس والآثام والذنوب والمعاصي وكل قبيح . وهذه هي العصمة ، ذلك لأن التطهير
الذي تم لهم هو تطهير معنوي بلا ريب . فلو كان تطهيرا عن طريق الإرادة
التشريعية ، فهو مما لا يختص بأحد من الناس .
ولما كان قد اختص بأهل البيت النبوي فهو تطهير من نوع خاص
لهم لا يفسر إلا بمعنى العصمة ، لعدم صدور الذنب والمعصية عنهم ، إذا أنها
قذارات وخبائث النفس .
وبعد كل تلك الأحاديث الواردة
في بيان أهل البيت النبوي لا يستطيع أحد أن يخرج واحدا من أهل العباءة باعتباره
غير معدود في أهل البيت ، كما لا يستطيع أن يضيف إليهم شخصا خارجا عنهم ، سواء
كان هذا الشخص من نسائه صلى الله عليه وآله
أو الشيخين أو سائر الصحابة . . لأن قول النبي صلى الله
عليه وآله بعد إجلاس الحسن والحسين وعلي وفاطمة على الكساء ولفه حولهم : "
هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " نفهم منه أنه لو كان هناك
أحد من أهل البيت بالمعني الحقيقي لدعاه النبي صلى الله عليه وآله وأجلسه إلى
جانبهم واشتمله معهم بالكساء .
ألا ترى أنه في بعض الروايات
، لما جاءت فاطمة انتظر النبي صلى الله عليه وآله حتى جاء الحسن ، ثم انتظر حتى
جاء الحسين ، وهكذا حتى جاء علي عليه السلام ، ثم خاطب النبي صلى الله عليه
وآله بعد ذلك ربه قائلا : " هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا "
، فنزلت الآية حين اجتمعوا جميعا على البساط .
ألا يدل ذلك على أنه ليس هناك أحد غيرهم يشمله وصف أهل
البيت النبوي ؟ !
إن إعلان النبي صلى الله عليه وآله
أن هؤلاء هم أهل البيت هو إعلان لأمر الوحي وتبليغ لأمر الله ، فلو أعلن النبي
صلى الله عليه وآله وبلغ هذا الأمر قبل أن يكتمل تعدادهم وحضورهم أفلا يكون هذا
التبليغ للوحي ناقصا مبتورا ؟ ! بلى ، لأن الناس يفهمون الوحي طبقا لتبليغه .
إذا ، لا يمكن أن ندعي أن أهل البيت ليس هم أهل الكساء
وحدهم ، ثم نضيف إليهم شخصا آخر لم يكن موجودا إلى جانبهم في ذلك الوقت ، وقت
قول النبي صلى الله عليه وآله : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، ووقت نزول الآية .
هذا إلى جانب عدم سماح النبي صلى الله عليه وآله لأم
سلمة بالدخول معهم في الكساء . . قالت : " فقلت : يا رسول الله ، وأنا ؟ قالت :
فوالله ما نعم ، وقال : إنك إلى خير " . إذا ، لم يكن تعداد أهل البيت ناقصا
حتى يضاف إليهم من هو منهم ولم
يكن موجودا ، بل اكتمل العدد وانحصر الأمر في أهل الكساء
وحدهم . وإذا خرجت أم سلمة دون أن تنال هذا الوصف فخروجها يعني خروج كل نساء
النبي صلى الله عليه وآله .
على أن عائشة لما روت هذا الحديث ذكرت إدخال النبي صلى الله
عليه وآله لأهل بيته دون أن تدعي دخولها معهم ، فلو كان قد دخلت معهم في الكساء
لما تركت ذكر ذلك ، بل لتباهت به ، لأنه شرف ومفخرة يتمناها كل شخص .
غير أن مسلما روى ما يوضح عدم
شمول معنى أهل البيت لنساء النبي صلى الله عليه وآله . . فبعد أن روى حديث
الثقلين ، ذكر أن يزيد بن حبان ومن معه سألوا زيدا عن قول النبي صلى الله عليه
وآله : " أذكركم الله في أهل بيتي " ، قال يزيد بن
حبان : فقلنا : من أهل بيته نساؤه ؟ قال : " لا وأيم
الله ، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها
وقومها . أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده " ( 1 ) .
وبهذا ينحسم الأمر والجدل في هذه المسألة ، ويتضح خروج نساء
النبي صلى الله عليه وآله عن معنى أهل البيت النبوي . ثم إن عائشة وحفصة على
هذا الأساس لا يشملهما معنى أهل البيت بلا ريب ، فخروجهما عن هذا المعنى إشارة
ودليل على خروج أبويهما أبي بكر وعمر لا محالة .
ومما يؤكد ذلك عدم إنكارهما على علي عليه السلام عندما قال
مخاطبا إياهما والمهاجرين : " فوالله يا معشر المهاجرين ، لنحن أحق الناس به -
يعني النبي صلى الله عليه وآله - لأنا أهل البيت " . وهذا يعني بلا شك إخراج
الشيخين وكل المهاجرين من دائرة الانتساب إلى أهل
| |
* هامش * |
|
| |
1 - صحيح مسلم
15 : 179 - 180 / كتاب فضائل الصحابة - بل فضائل علي بن أبي طالب . ( *
)
|
|
|
البيت الذين جللهم النبي صلى الله عليه وآله بالكساء
الذين الخيبري والمرط الأسود، وطهرهم الله تعالى وأذهب عنهم الرجس. على أن
العصمة التي أثبتناها لأهل البيت في قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )
والتلازم بين أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله والقرآن
بالمعني الذي أوضحه حديث الثقلين ، لا يدع مجالا لإعطاء هذا الوصف النبوي لأحد
غير أهل الكساء ، لأن هذا الوصف ملازم لوصف العصمة ، كما وضح .
ولهذا كان الاتصاف بالعلم والتقوى ، ولهذا كان الشرف ،
ولهذا كان التمسك بهم والأخذ منهم ، ولهذا كانت النجاة من الضلالة بهم .
يقول التفتازاني - بعد ذكره
حديث الثقلين - : ( نعم لاتصافهم بالعلم والتقوى ، وشرف النسب ، ألا يرى أنه
صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قرنهم بكتاب الله ، وكون التمسك بهم منقذا من
الضلالة ؟ ! ولا معنى للتمسك بالكتاب إلا الأخذ بما فيه من العلم والهداية ،
فكذا من العترة " ( 1 ) . أي لا معنى للتمسك بالعترة إلا بالأخذ منهم والسير
على نهجهم دون اللجوء إلى غيرهم .
على أن قول النبي صلى الله عليه وآله
عندما نزلت ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) : "
نزلت هذه الآية في خمسة : في وفي علي ( رضي الله عنه ) وحسن ( رضي الله عنه )
وحسين ( رضي الله عنه ) وفاطمة
( رضي الله عنها ) ( 2 ) يحسم الجدل . فذكره صلى الله
عليه وآله عدد الذين نزلت فيهم الآية فيهم الآية ، وإيراد أسمائهم جميعا لهو
أقوى دليل على أن نزول الآية في معنى أهل البيت قد انحصر بهم وكفى .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - كتاب شرح المقاصد
للتفتازاني 5 : 302 - 303 .
2 - هذا من الأحاديث التي أوردها الطبري في تفسيره
عند تفسير الآية 22 : 5 . ( * )
|
|
|
|