|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 247 :
|
الفصل الخامس : الخليفة
بعد النبي صلى الله عليه وآله علي عليه السلام
* خلافة علي عليه السلام في آية الولاية .
* علي عليه السلام ولي كل مؤمن بعد النبي صلى الله عليه وآله .
* خلافة علي عليه السلام في حديث الدار والإنذار .
* خلافة علي عليه السلام في حديث الثقلين .
* عمر بن الخطاب يقول الحق ! !
خلافة علي عليه السلام
في آية الولاية
إن نزول آية الولاية في علي عليه السلام من الحقائق التي لا
يكون إنكارها إلا مكابرة . و بدلالة هذه الآية على خلافته عليه السلام تنكشف
حقيقة الأمر ، وتثبت خلافة الإمام بما لا يدع مجالا للشك أو الظن .
وقدح القادحين في دلالة الآية على خلافة الإمام إنما هو مشي
ضد تيار الحقيقة ، وتصلب في قبالة أوامر الله تعالى ، وهذا مما لا يستمع إليه
ولا يهتم به . يقول تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله
والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون *
ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم
الغالبون ) ( 1 ) .
إن الولاية التي أسندها الله تعالى إلى نفسه ورسوله والذين
آمنوا إنما هي ولاية عامة في دلالتها على ما تحمله الكلمة من المعاني التي يمكن
أن تتناسب مع المقام الإلهي ، لأن بعض معاني " الولي " لا يصح أن يسند إلى الله
تعالى ورسوله ،
ولهذا يجب صرفها عن هذه المعاني . فمن معاني الولي :
الصديق ، والتابع ، والجار ، والصهر ، والنصير ، والمتصرف في الأمر . . .
ومعاني أخر لا تستقيم والمقام الإلهي . فأما دلالتها على معنى الصديق ، والتابع
، والجار ، والصهر فلا يصح
أن تنسب إلى الله تعالى ، فالله تعالى ليس صديق أو تابع
أو جار ( بالمعنى الحقيقي ) وهو سبحانه ليس صهر أحد من الناس ، فلا يبقى إلا
معنى المتصرف والنصير والمحب .
| |
* هامش *
1 - المائدة : 55 و 56 . ( * )
|
|
|
فولاية الله تعالى ، لكونها عامة فيما يليق به من معاني
، يجب أن تفهم بهذا العموم ، فالله تعالى طبقا لذلك يليق به أن يكون المتصرف ،
والنصير ، والمحب ، دون سائر المعاني .
ولما كان معنى الولاية في الآية مشتركا بين من نسب إليهم ،
فيلزم أن توضع جميع المعاني المشتركة في الاعتبار عند نسبتها إلى من دلت عليهم
دون أي استثناء . ولهذا يجب اختيار المعاني التي يمكن نسبتها إلى الجميع دون
اختلاف أو تفاوت ، فمثلا
لا يمكن أن نفسر الولاية بمعنى ( الصهر ) ، لأن نسبة ذلك
المعنى إلى الله تعالى لا تجوز ، فتختلف نسبتها إلى الجميع بهذا المعنى ، لجواز
نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وآله وإلى الذين آمنوا .
وعلى هذا الأساس يكون المعنى المناسب لقوله تعالى : ( إنما
وليكم ) هو أن المتصرف في أمركم ، والناصر لكم ، والمحب هو الله ورسوله والذين
آمنوا .
إن النصرة والمحبة من الله لرسوله والمؤمنين أمر واضح ،
والنصرة والمحبة من الرسول للمؤمنين أمر لا يخفى . ونصرة ومحبة المؤمنين بعضهم
لبعض أمر أوضحه القرآن وبينته السنة في كثير من المواطن :
( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء
بعض ) ( 1 ) ، " أنصر أخاك
ظالما أو مظلوما " . فهذه معان يشترك فيها المؤمنون كافة ، ولا تنحصر في أفراد
بعينهم ولا تختص بقوم دون قوم .
ولكنا رأينا انحصار الآية واختصاصها بعبارة ( إنما )
المذكورة في ابتداء الآية . . ونحن علمنا أن النصرة والمحبة أمر عام وواجب بين
المؤمنين بعضهم لبعض دون انحصار واختصاص .
إذا ، نسبة إلى انحصار الآية لقوله ( إنما ) - وهي للحصر
كما هو معروف ومضبوط في اللغة - يخرج معنى النصير والمحب من معنى الولي ،
لعمومهما بين المؤمنين ، ويبقى معنى " المتصرف " وحده . وهذا المعنى يليق بالله
تعالى ، فهو
المتصرف في شؤون الناس . وهو يليق بالنبي صلى الله عليه
وآله ، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم في إدارة أمورهم . كما إنه يليق بالذين
آمنوا . ومعنى الذين آمنوا هنا ليس شاملا لكل المؤمنين ، لانحصارية معنى
المتصرف فيمن لهم
| |
* هامش *
1 - التوبة : 71 . ( * )
|
|
|
حق التصرف في إدارة شؤون الناس ، وهو الإمام والراعي .
ثم إن الخطاب في قوله تعالى ( إنما وليكم ) يمنع شمول حق
التصرف للجميع ، فالولي المتصرف هذا بسبب الخطاب يلزم أن يكون خارجا عن
المخاطبين ، لأنه لا يجوز أن يكون الفرد الواحد وليا ومولى أو مخاطبا به
ومخاطبا في وقت واحد .
ولا يجوز أن يكون الفرد الواحد وليا ومولى أو مخاطبا به
ومخاطبا في وقت واحد ، إذ أن هذا يستوجب الاتحاد بين المخاطب به والمخاطب ، أو
بين الولي والموالي ، وهذا محال .
فلو قال المعلم للتلاميذ : إنما رئيسكم الذين طالعوا دروسهم
، فلا يمكن أن يكون كل المطالعين رؤساء ، لأن الخطاب يحكم بوجود طرفين ، رئيس
ومرؤوس وهم سائر التلاميذ . . فالخطاب دائما يستلزم التفكيك بين الرئيس
والمرؤوس ، وقوله
تعالى : ( إنما وليكم ) كذلك ، فبسبب الخطاب يلزم
التفكيك بين الولي والمخاطب به والموالي وهم المخاطبون ، وهذا أمر بديهي وواضح
.
ولهذا لا يمكن أن يكون المعني بقوله : ( إنما وليكم ) هم
كافة المؤمنين ، للاستحالة في اتحاد طرفي الخطاب ( مخاطب به ومخاطب ) . على أن
الصفات التي ذكرها الله تعالى في الآية واصفا بها ( الذين آمنوا ) تبين عدم
شمول الأمر للجميع ،
فبقوله تعالى :
( الذين يقيمون الصلاة ) يخرج الذين لا يقيمونها
من المؤمنين ، أو أولئك الذين لا يقيمونها على الوجه المطلوب ، لأن الله تعالى
لم يقصد إلا المعنى الأكمل في إقامة الصلاة ، وليس صلاة كل المؤمنين كذلك .
وبقوله تعالى :
( ويؤتون الزكاة ( 1 ) وهم
راكعون ) يخرج أولا الذين لا يؤتون الصدقات بتاتا تكاسلا وإهمالا ، أو
جهلا بقدرها ، ويخرج ثانيا الذين يؤدونها ولكن ليس في حال الركوع ، بل يخرج من
يؤديها في ركوعه بعد نزول الآية ،
لاختصاص الآية بالموقف الأول . لأن الموقف الأول سبب في
نزول الآية ، وأما الموقف الثاني فقد كانت الآية سببا في حدوثه .
| |
* هامش *
1 - الزكاة في الآية بمعني الصدقة . ( * )
|
|
|
ثم إن ذكر الركوع بالذات في الآية ليس المقصود منه
الإشارة إلى أداء الصلاة وإقامتها على نحو عام باعتبارها صفة لمن استحق الولاية
على الناس ، لأن ذكر الصلاة بهذا القصد قد جاء في الأول صراحة في قوله : (
الذين يقيمون الصلاة )
ولهذا لا يتكرر مرة أخرى ، إذ لا فائدة من ذكره لوضوح
القصد والمعنى سابقا . وأما قوله : ( الذين آمنوا ) فلا يدل على كافة المؤمنين
، وذلك بالبيان الآتي :
أولا : للحصر الذي
في الآية الواضح من لفظة ( إنما ) .
ثانيا : لطبيعة الخطاب
الذي في قوله : ( إنما وليكم ) إذ لا بد من طرفي الخطاب .
ثالثا : لخصوصية التصرف ،
فهو ليس لكل فرد ، بل هو لمن له الحق في ذلك ، لأنه لو ثبت التصرف لكل فرد مؤمن
، ففي أمر من يكون التصرف ؟ ولو كان كل مؤمن متصرفا ، فمن هو المتصرف في أمره
منهم ؟ ومن هو الراعي ؟ ومن هم الراعية ؟ إذ لا بد من هذه التفرقة بين هذين
الطرفين في القضية .
فقوله : ( والذين آمنوا ) جمع ، ولكن بسبب الحصر وثبوت معنى
التصرف والخطاب يمنع أن تكون دلالته على الجمع ، لا سيما وأن وصف الذين آمنوا
بإيتائهم الزكاة وهم في حال الركوع يحصر المعنى في فرد واحد ، وهو الذي آتى
الزكاة وهو على تلك الحال ، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام . . ، كما أكدت
ذلك الروايات .
ولله تبارك وتعالى حكمة في ذكر لفظ الجمع للدلالة على فرد
واحد ، وهي التعظيم والإكبار . أو قل إنه لفظ جمع دل على جمع على نمط القضية
الحقيقية ، وهي القضية التي تشمل مصاديقها في الحال والمستقبل ، فلفظ ( الذين
آمنوا ) يشمل أولي الأمر وأصحاب الولاية والتصرف ، وهم جماعة . فأين الغرابة في
أن يأتي الوصف بالجمع ؟ !
على أن في القرآن أمثلة متوافرة فيها دلالة الجمع على الفرد
كقوله : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم )
، فلفظ الناس جمع دل على فرد ، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي بإجماع أهل التفاسير
والأخبار . إذا ، فالمعني ب ( الذين آمنوا ) هو علي بن أبي طالب عليه السلام ،
لنزول الآية فيه عندما تصدق بخاتمه في حال ركوعه ، وهو بالمسجد يصلي .
يقول الآلوسي : " وغالب
الأخباريين على أنها نزلت في علي كرم الله وجهه " .
ولقد ذكر الزمخشري نزولها
في علي عليه السلام ، ولتبرير مجئ الآية على لفظ الجمع يقول : " جئ به على لفظ
الجمع ، وإن كان السبب فيه رجلا واحدا ، ليرغب الناس في مثل فعله " ( 1 ) .
وفي الذخائر : " ومنها قوله
تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) نزلت فيه " ( 2 ) ، ويعني
نزلت في علي عليه السلام . قال أبو ذر : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم بهاتين ، وإلا صمتا ، ورأيته بهاتين وإلا عميتا ، يقول :
علي قائد البررة ، وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول
من خذله . أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم فسأل سائل في
المسجد ، فلم يعطه أحد شيئا ، وكان علي راكعا ، فأومأ بخنصره إليه - وكان يتختم
بها - فأقبل
السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره ، فتضرع النبي صلى الله
عليه وآله إلى الله عز وجل يدعوه، فقال : اللهم إن أخي موسى سألك ، قال :
( رب اشرح لي صدري . ويسر
لي أمري . واحلل عقدة من لساني .
يفقهوا قولي . واجعل لي
وزيرا من
أهلي .
هارون أخي . اشدد به أزري
. وأشركه في أمري . كي
نسبحك كثيرا . ونذكرك كثيرا .
إنك كنت بنا بصيرا ) ( 3 ) فأوحيت إليه : ( قد
أوتيت سؤلك يا موسى ) . ( 4 ) اللهم إني عبدك ونبيك فاشرح لي صدري ،
ويسر لي أمري ، واجعل
لي وزيرا من أهلي عليا ، اشدد به ظهري . قال أبو ذر :
فوالله ما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله الكلمة حتى هبط عليه الأمين
جبرائيل بهذه الآية : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين
آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون *
ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم
الغالبون ) " .
أجل ، فالآية قد نزلت في علي عليه السلام ، وأوضحت ولايته
وخلافته على الناس من بعد نبي الله الأكرم ، إذ هو المتصرف في شؤون وأمور الناس
، وهو أولى بهم من أنفسهم . وهذا أمر أوضح من أن يحتاج إلى توضيح ، فقد قال
النبي صلى الله عليه وآله : " أولستم تعلمون ، أو لستم
| |
* هامش * |
|
| |
1 - تفسير الكشاف
للزمخشري 1 : 649 .
2 - ذخائر العقبى ص 88 .
3 - طه : 25 - 35 .
4 - طه : 36 . ( * )
|
|
|
تشهدون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ ! " ( 1 ) .
فعبارة : " أولى بكل مؤمن من نفسه " تبين معنى التصرف في
إدارة الشؤون ، والرئاسة والقيادة .
ثم قال : " فمن كنت مولاه " أي فمن كنت أولى به من نفسه
" فعلي مولاه " أي أولى به من نفسه ، لأن الرسول صلى الله عليه وآله قاس ولاية
علي عليه السلام على الناس بولايته صلى الله عليه وآله على الناس ، فأوضح النبي
صلى الله عليه وآله
بهذا القياس تساوي الولايتين من حيث المعنى الذي في
ولاية النبي صلى الله عليه وآله ، ولهذا لا يمكن أن يفسر معنى ( وليكم ) إلا
بالمتصرف في أموركم ، وبالقائد والرئيس والمسؤول عنهم .
| |
* هامش *
1 - مسند أحمد بن حنبل 3 : 532 . ( * )
|
|
|
|