|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 254 :
|
علي عليه
السلام ولي كل مؤمن بعد النبي صلى الله عليه وآله
وهناك أحاديث لها طرق عديدة ،
تؤيد نزول هذه الآية في علي بن أبي طالب دون غيره من المؤمنين ، وهي الأحاديث
التي فيها بيان ولايته على المسلمين من بعد النبي صلى الله عليه وآله ، ومنها
قوله عليه السلام : عن عمر بن حصين قال :
" جهز رسول الله صلى الله عليه [ وآله ]
وسلم جيشا استعمل عليهم علي بن أبي طالب ، فمضى في السرية فأصاب جارية ،
فأنكروا عليه . وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم :
إذا بعثنا - أي أمرنا بالرجوع - رسول
الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أخبرناه
ما صنع ( وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر يبدأون برسول الله صلى الله عليه [
وآله ] وسلم ) ، فقام أحد الأربعة فقال : يا رسول الله ، ألم تر أن علي بن أبي
طالب صنع كذا وكذا ؟ ! فأعرض عنه
رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم . ثم
قام الثاني وقال مثل ذلك . ثم الثالث فقال مقالته ، ثم الرابع فقال مثل ما
قالوا . . فأقبل النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، والغضب يبصر في وجهه ،
فقال :
" ما تريدون من علي ؟ ! إن عليا مني وأنا منه ، وهو
وليكم بعدي " ( 1 ) .
وعن البراء بن عازب ، قال :
كنا مع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في سفر ، فنزلنا في غدير خم ،
فنودي الصلاة جامعة ، وكسح لرسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم تحت شجرتين
، فصلى الظهر ، وأخذ بيد علي بن أبي طالب
رضي الله عنه فقال : " ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين
من أنفسهم ؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟
قالوا : بلى . فأخذ بيد علي بن أبي طالب [ عليه السلام ] فقال : " من كنت مولاه
، فعلي مولاه . اللهم وال من
والاه وعاد من عاداه " . قال : فلقيه عمر بعد ذلك فقال
له : " هنيئا لك يا ابن أبي طالب ! أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة " ( 2 ) .
وقال وهب بن حمزة : سافرت مع
علي فرأيت منه جفاء ، فقلت لئن رجعت لأشكونه ، فرجعت فذكرت عليا لرسول الله
فنلت منه ، فقال : " لا تقولن هذا لعلي ، فإنه وليكم بعدي " ( 3 ) .
إن أقوال النبي صلى الله عليه وآله : " وهو ولي كل مؤمن
بعدي " " من كنت مولاه فعلي مولاه " " لا تقولن هذا لعلي ! فإنه وليكم بعدي "
وتهنئة عمر لعلي بعد ذلك بقوله : " هنيئا لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت
مولى كل مؤمن ومؤمنة " . . .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - الخصائص العلوية
للإمام النسائي ص 23 ، المستدرك 3 : 110
- 111 كتاب معرفة الصحابة ،
مسند أحمد 5 : 632 ، كنز العمال 6
: 400 .
2 - مسند أحمد بن حنبل 4 : 281 ، حديث البراء
بن عازب .
3 - كنز العمال للمتقي الهندي 6 : 155 ،
الإصابة لابن حجر العسقلاني 9 : 319 /
579 . ( * )
|
|
|
أن أقوال النبي صلى الله عليه وآله هذه وما لم نذكره من
أقول ، يوضح بكل صراحة أن عليا عليه السلام هو ولي المؤمنين من بعد النبي صلى
الله عليه وآله ، وهو أولى بهم من أنفسهم .
وقد فهم الناس ذلك في زمان
النبي صلى الله عليه وآله كما وصح من تهنئة عمر لعلي عليه السلام ، وكما وضح
للحارث بن النعمان الفهري فما هي حكاية الحارث بن النعمان هذا ؟ إنه لما بلغه
خبر ولاية الإمام علي ، جاء إلى نبي الله عليه وآله
السلام غاضبا لاجا في غيه وطغيانه ، فقال : يا محمد !
أمرتنا أن نصلي خمسا فقبلنا منك ، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا ، وأمرتنا أن نصوم
رمضان فقبلنا ، وأمرتنا بالحج فقبلنا ، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ( 1 )
ابن عمك تفضله علينا فقلت : من
كنت مولاه فعلي مولاه ؟ ! فهذا شئ منك أم من الله ؟ !
فقال صلى الله عليه وآله : " فوالله الذي لا إله إلا هو إن هذا لمن الله عز وجل
" . فولى الحارث يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فامطر
علينا حجارة من السماء أو ائتنا
بعذاب أليم . فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله سبحانه
بحجر سقط على هامته ، فخرج من دبره فقتله ، وأنزل الله تعالى :
( سأل سائل بعذاب واقع .
للكافرين ليس له دافع . من الله ذي المعارج )
( 2 ) . وجاء قوم إلى علي عليه السلام ، فقالوا :
السلام عليك يا مولانا . قال : كيف أكون مولاكم وأنتم
قوم عرب ؟ قالوا : سمعنا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يوم غدير خم
يقول : " من كنت مولاه فإن هذا مولاه " ( 3 ) . إن الحارث بن النعمان لو كان قد
فهم معنى الولي على أنه
المحب والناصر والصديق لما ثار ثورته تلك ، ولما رجح
العذاب على صداقة ومناصرة ومحبة علي عليه السلام . ولكنه فهم
| |
* هامش * |
|
| |
1 - الضبع : العضد .
2 - تفسير الثعلبي : تفسير سورة المعارج ،
أنوار الأبصار للشبلنجي المصري ص 11
والآيات من سورة " المعارج " 1 - 3 .
3 - مسند أحمد 5 : 419 . ( * )
|
|
|
معنى التصرف في شؤونه ، وفهم أن عليا عليه السلام أولى
به من نفسه . . ولهذا قال للنبي صلى الله عليه وآله : " حتى رفعت بضبعي ابن عمك
تفضله علينا " .
ولهذا أقسم النبي صلى الله عليه وآله
ذلك القسم لا ليؤكد له أن عليا محبكم وناصركم ، وإنما لتأكيد أمر أخطر وأكبر
يغضب له أمثال الفهري هذا ويفضلون عليه العذاب ، وإنما ذلك الأمر هو الإمامة
والخلافة والولاية على المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وآله . . ولذا أقسم
النبي صلى الله عليه وآله ليؤكد أنه من الله تعالى .
فلا يصح لمؤمن بالله ورسوله أن يشك في ولاية علي عليه
السلام بمعنى الخلافة والقيادة ، إذ ليس لهذا الشك أي دليل ولا حجة ، فعلي ولي
الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله مباشرة دون فصل .
يقول الشيخ علي بن زين العابدين أطال الله بقاءه : " روى
أبو داود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لعلي بن أبي طالب
كرم الله وجهه ورضي الله عنه : أنت ولي كل مؤمن بعدي . "
وليست البعدية بعدية زمانية ، كما يتبادر لبعض الأذهان ،
بل المقصود : ليس أحد أولى بالمؤمنين في الترتيب بعد رسول الله صلى الله عليه [
وآله ] وسلم في وجوده وبعده من علي كرم الله وجهه ، فالبعدية بعدية ترتيبية لا
زمانية " .
وبعد أن تقرر هذا نعلم أن الولاية قد انحصرت في ثلاثة :
الله تعالى ، والنبي صلى الله عليه وآله ، والذين آمنوا . ولما كان علي هو ولي
المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل فيكون الذين آمنوا هم عليا عليه
السلام . ولم يدع أحد الولاية
على المسلمين بالنص النبوي الإلهي غيره ، فيكون النبي
صلى الله عليه وآله قد شرح وبين معنى ( الذين آمنوا ) بذكره ولاية علي من بعده
. وكما وضح ، فلا يصح أن يفسر معنى الولاية هنا بالنصرة والمحبة ، لأننا ذكرنا
أن النصرة والمحبة للمؤمنين
لا تختصان بعلي وحده ، لكي يضطر النبي صلى الله عليه
وآله إلى إعلان ذلك مرات ومرات ، فهما صفتان يجب أن تتوفرا بين المؤمنين كافة ،
وإلا فيجب أن يعني هذا أن أبا بكر وسائر الصحابة ليس لهم تلك النصرة وهذه
المحبة نحو المؤمنين .
وإن كانت لهم ، فلماذا أعلن النبي صلى الله عليه وآله
ذلك مختصا به عليا عليه السلام دون أبي بكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة ؟ فهل كل
هؤلاء ليس لهم محبة ونصرة للمؤمنين ؟ ! أم أن المسألة تعني شيئا آخر غير هاتين
الصفتين ؟
ولو فرض أن عليا عليه السلام مختص بهذا المحبة وتلك
النصرة للمؤمنين دون غيره من الصحابة . . فلماذا انحصرت محبته للمؤمنين ونصرته
لهم بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله ، كما يقول من يفسر الولاية بالمحبة ؟ !
ألم ، يقل النبي صلى الله عليه وآله لعلي : أنت ولي كل مؤمن
بعدي، وقوله صلى الله عليه وآله لهم : إنه وليكم بعدي، فلازم هذا هو أن لا تكون
لعلي محبة ونصرة للمؤمنين في زمان النبي صلى الله عليه وآله ! إذا ، فليس معنى
الولي في الآية وهذه الأحاديث هو الناصر والمحب ، وإنما المعنى هو المتصرف
والمتولي أمر المسلمين من بعد النبي صلى الله عليه وآله .
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله
في حديث طويل ذكره أحمد بن حنبل في مسنده عن عمر بن ميمون ، وهو حديث يتضمن
خصالا لم تكن لأحد غيره من الصحابة منها قوله : " وخرج رسول الله في غزوة تبوك
، وخرج الناس معه ، فقال له علي :
أخرج معك ؟ فقال : لا . فبكى علي [ عليه السلام ] ، فقال
له رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من
موسى ، إلا أنه ليس بعدي نبي . إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " ( 1 ) .
وهذا من الأحاديث التي أوضح
فيها النبي صلى الله عليه وآله خلافة علي بكل صراحة ووضوح . فأنت ترى أنه يمنح
عليا كل مرتبة يمكن أن تكون لنبي إلا النبوة . والنبي صلى الله عليه وآله جامع
لكل المراتب ، وهي النبوة والإمامة والتصرف ، فأعطاها لعلي مستثنيا منها النبوة
، بقوله : إلا أنه ليس بعدي نبي .
والنبي صلى الله عليه وآله لم يكن يعني باستخلاف علي على
المدينة أن يكون ذلك في لحظة غيابه غازيا فحسب بل يمتد هذا الاستخلاف إلى ما
بعد وفاة وذهاب النبي صلى الله عليه وآله ، لأنه لو لم يكن يعني ذلك لنفى عنه
النبوة ، كان يقول : إلا أنه ليس معي نبي كما ليس بعدي نبي ، لا بقوله : ليس
بعدي نبي .
فالنبي صلى الله عليه وآله إذا كان يتحدث عن زمان بعد زمانه
، فيكون معنى قوله صلى الله عليه وآله هو : لك يا علي كل ما لي من وظائف
ومسؤوليات من بعدي إلا النبوة ، لأنه ليس نبي بعدي . فالكلام عن المستقبل لا
الحاضر وإن كان استخلافه له في المدينة في
| |
* هامش * |
|
| |
1 - مسند أحمد بن حنبل
1 : 330 ، مستدرك الحاكم 3 : 123 وقد
صححه الذهبي ، الخصائص للإمام النسائي ص
6 . ( * )
|
|
|
حياته هو جزء من تلك الخلافة التي لا تأخذ شكلها العملي
الكامل إلا بعد وفاة وذهاب النبي صلى الله عليه وآله .
وقوله : وإنه لا ينبغي أن
أذهب إلا وأنت خليفتي . . يوضح ذلك جيدا ، لأنه لو كان يعني استخلافه في حياته
على المدينة لكان الاستخلاف على المدينة في حياة النبي الكريم من نصيب علي
ومختصا به دوما ، فتدبر في قوله : " إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي "
فالذهاب لم يقيد بمكان وزمان ، فهو عام .
إنه من البين أن الاستخلاف
على المدينة في حياة النبي الكريم لم يكن مختصا بعلي ، فمقصود النبي صلى الله
عليه وآله هو أنه لا يجوز أن أنتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد نصبتك خليفة على
المسلمين من بعدي ، ولهذا أعلن النبي صلى الله عليه وآله
عهده إليه بالخلافة في غدير خم عند عودته من حجة الوداع
، وفي حجرته لحظة احتضاره ، ثم ذهب النبي صلى الله عليه وآله وعلي قد نصب خليفة
من بعده بوساطة النبي الكريم صلى الله عليه وآله نفسه ، إذ لا ينبغي غير ذلك .
ثم إن هارون كان خليفة موسى على قومه
، وهذا ما عناه النبي صلى الله عليه وآله بقوله لعلي : " أما ترضى أن تكون مني
بمنزلة هارون من موسى ؟ ! " واستثنى نبوة هارون ، إذ لا نبي بعد محمد الخاتم
صلى الله عليه وآله .
إذا ، فقوله : " أنت ولي كل مؤمن بعدي " ، وقوله : " إنه
وليكم بعدي " لا يعنيان إلا منزلة هارون يوم خلفه موسى عليه السلام على قومه
عند ذهابه إلى ربه ، ومثل ذهاب موسى إلى ربه هو مثل التحاق النبي صلى الله عليه
وآله بالرفيق الأعلى،
ولهذا قال صلى الله عليه وآله : " لا ينبغي أن أذهب . .
" ، أي لا يصح مني أن أذهب إلى الرفيق الأعلى وأنا لم أعينك خليفة من بعدي على
قومي . ولهذا كان الحديث من أدلة خلافة الإمام علي عليه السلام ، إذ لا يحتمل
أي معنى غير الخلافة .
فلو قلت كان الاستخلاف على المدينة فقط ، فما هو إذا معنى
استثناء النبوة والنبي موجود ؟ !
فهل كان النبي صلى الله عليه وآله يخشى - لو كان الإمام
علي مدعي النبوة - أن يدعيها في حياته وعند استخلافه على المدينة ؟ ! ! إن
عاقلا لا يقول بهذا ، كما هو بين جلي .
|