- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 22 :

الأسباب الموجبة للتحقيق في أمر العقيدة


لا شك أن ما ندين من عقائد يحتوي على قدر جيد من الحقيقة ، بل بالنظر إلى وجود القرآن بيننا يجعلنا نستطيع أن نجزم بأن ما بين أيدينا هو كل الحقيقة ، ولكن وجود الحقيقة بيننا شئ والعمل على أساس هذه الحقيقة شئ آخر ، فالنبي ( صلى الله

عليه وآله ) لم يأمر باتباع القرآن أو العمل به فحسب بل قرن به ما قرن ، وهذا المقرون بالقرآن ليس فيه حقيقة تنفصل عن القرآن وتخالفه ، بل يبين ما اشتمل عليه القرآن من الحق .


إذا فالمقرون بالقرآن هذا لا نستطيع أن نقف من دونه على ما جاء به القرآن من الحق . وهذا هو السبب الذي لا نستطيع معه أن نقطع بأن ما ندين به يشتمل بلا ريب على اليقين دون الظن ، وكثير من الأسباب أدت إلى عدم القطع هذا فكان دافعا للتحقيق والبحث ، ومن هذه الأسباب :


أولا : الفتن والاختلافات الحادة وهي الفتن والاختلافات عصفت بالمجتمعات والأفراد المسلمين ، منذ نعومة أظافر الإسلام . وقد بدأت هذه الاختلافات والنبي ( صلى الله عليه وآله ) لما يرتحل من بين الناس آنذاك ، فلقد اختلفوا في أهم مسألة ترتبط

بمصير المسلمين وهم جلوس في حضور نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) ، وهو الاختلاف الذي عرف فيما بعد ب‍ " رزية يوم الخميس " . ولا تخلو من حكايته كتب السير والأحاديث . ولا شك أن هذا الاختلاف قد ألقى بظلاله على زماننا ، وأحيطت الحقيقة

- ص 23 -

على أثره بقدر من الإبهام أدى إلى صعوبة التعرف عليها بعينها ، ولا سيما بعد افتراض عدالة كافة الصحابة الذين كانوا أول من اختلف في أمور الدين ، فقد أسدلت هذه العدالة الشاملة ستارا معتما على كثير من الأمور ، ومنعت التطرق إلى البحث والتحقيق فيما وقع بين الصحابة من اختلاف بهدف إدراك الحقيقة ، فتهيب الناس السؤال عما حدث لمعرفة الحق من الباطل .


وبسبب هذه العدالة استوى عند المسلمين في هذا العصر الخطأ والصواب ! لأن المتخالفين من الصحابة كلهم مأجورون ومثابون ! فانتشر الإسلام على هذا ، يدين الناس بأمور كثيرة مختلف عليها فيه .


ثانيا : تعدد الفرق الإسلامية ذلك أن اختلافا كهذا حدث بين الرعيل الأول - ولا سيما بعد الركون إلى عدالتهم كافة - قد أدى إلى بروز فرق لا تحصى ولا تعد في المجتمع الإسلامي .


والعجيب أن أعضاء هذه الفرق - وهم لا يجوزون بحث الخلاف بين الصحابة - تراهم يبحثون حول ما حدث بينهم من اختلاف ، وقد غفلوا عن أن اختلافهم هذا كثير منه معلول الاختلافات الأول ، فإثبات الحق لفرقة وسلبه عن فرقة أخرى ،

هو في الواقع نسبة ذلك الحق إلى رأي من آراء بعض الصحابة في المسألة المختلف فيها ، وسلبه عن الفرقة الأخرى هو سلب هذا الحق عن البعض الآخر منهم في نفس مسألة الاختلاف ، وقد طعنوا بذلك في عدالة كافة الصحابة من مكان بعيد .


ثالثا : بعد المسافة الزمنية بين زماننا وزمان النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهذا من الأسباب القوية التي تؤدي بلا شك إلى بعث غريزة التحقيق والبحث في أمور الدين ، لأن ما صدر من النبي ( صلى الله عليه وآله ) لا بد له أن يطوي كل تلك

المسافة متنقلا بين أنواع أفراد البشر والمجموعات المتخالفة التي لا تعتمد إلا ما وافق الرأي منها ولا تحتفظ إلا بما تراه صوابا . وهي في تحديدها الصواب من الخطأ تتنازعها أمور وتتناوشها أشياء ، فالنسيان
 

- ص 24 -

والخطأ والهوى والتقليد والعصبية والقبلية والحقد . . . كل ذلك سيضع آثاره على ما روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) من كلام ، وجب علينا التعبد به ونحن في هذا العصر البعيد عن زمن الرسالة . فالذين ينقون ما يمر عبرهم من أقوال وأفعال صدرت عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) . . على أي معيار يعتمدون في هذه التنقية ؟


ومن يجرح غيره ويتهمه بالنسيان وكثرة الخطأ يجرحه بأمور هو نفسه عرضة لها وإن كان ثقة عادلا ، هذا فضلا عن الذين شمروا عن سواعدهم لوضع ما لم يكن عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) صدوره ونسبته إليه بعد ذلك ، وهم أكثر وأشد نشاطا وفعالية . وعملهم أسهل وأهون من عمل الإصلاح .


 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب