|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 263 :
|
خلافة علي عليه السلام في حديث الثقلين
إن حديث الثقلين من الأحاديث التي تبين حقيقة الخلافة بوضوح
وجلاء ، وتحكي عن استخلاف النبي صلى الله عليه وآله لعترته من بعده مبينا في
عبارات صريحة طريق النجاة والسلامة من الضلال والانحراف عن سبيل المؤمنين . لقد
خاطب
النبي صلى الله عليه وآله الناس فقال لهم : "
إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله حبل ممدود ما بين
السماء والأرض - أو ما بين السماء إلى الأرض - وعترتي أهل بيتي . وإنهما لن
يفترقا حتى يردا على الحوض " ( 1 ) .
إن المتدبر في هذا الحديث -
لا سيما قوله صلى الله عليه وآله : " إني تارك فيكم خليفتين " - لا يجد في هذه
العبارة ، ولا يفهم منها سوى خلافة العترة . وهذا مما لا يحتاج إلى كبير عناء ،
ولا يجوز لمسلم أن يتلو هذا الحديث دون أن يتدبر في معانيه وعباراته .
إن استخلاف القرآن لا يعني بأي حال من الأحوال تركه بين
الناس مصحفا مدونا ليأخذ كل فرد منه على حدة حسبما يفهمه هو ويدركه ، ويعمل على
أساس ذلك ، لأن التعامل مع القرآن بهذا الأسلوب لا يؤدي إلا إلى التشتت
والافتراق ، فالتناحر والخصام والاختلاف .
إن القرآن - وهو دستور الحياة الذي فرض على الناس العمل به
والعيش على أساس هدايته - يحتاج إلى من يبينه للناس بيانا لفظيا وعمليا .
والالتفات حول فرد
| |
* هامش * |
|
| |
1 - مسند أحمد بن حنبل
5 : 182 . ( * )
|
|
|
واحد لأخذ معاني ومفاهيم القرآن ، ولكسب طريقة العيش على
أساسه . . هو أحجى وأبلغ في تحقيق التعاضد والوحدة والتماسك ، بل هو الطريق
الأوحد ، للهداية إلى التي هي أقوم .
وما دام الاختلاف والنزاع قد منعا بين الذين آمنوا ،
فأسبابهما وعللهما التي تؤدي إليهما أيضا ممنوعة بلا ريب . واحد هذه الأسباب
التي تؤدي إلى الاختلاف هو الأخذ من القرآن حسبما يرى كل فرد على حدة ، وكيفما
شاء له فهمه الشخصي المتأثر بشتى العوامل ومختلف التأثيرات .
إذا ، فلا بد من شخص يتفق عليه الناس في أخذهم من القرآن
عبره ، وتتوحد في أمره ونهيه آراء الناس فيما يتعلق بأمور الدين ، بل بأساسيات
الحياة الأخرى . وها هو الثقل الثاني ، وها هم أهل بيت النبي صلى الله عليه
وآله . .
إذا ، فهم الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وآله لأخذ
معاني ومفاهيم وأوامر ونواهي القرآن منهم ، لأنه على هذا يكون اتباعهم
والاقتداء بهم في الواقع اتباعا لكتاب الله واقتداء بالثقل الأول ، إذ هما لا
يفترقان أبدا .
إذا ، فالخليفة الإجرائي والعملي واحد ، وأما القرآن فهو
الدستور والقانون الذي يستنطقه الخليفة في إدارة شؤون الناس على أساسه ويستنبط
منه بما آتاه الله من علم اليقين .
ولهذا أعلن النبي صلى الله عليه وآله في كثير من المواطن ،
بل طيلة مدة حياته منذ بدء الرسالة إلى يوم وفاته ، خلافتهم وخلافة القرآن فيهم
، إذ هما نفس واحدة بصورة لا تقبل الانفصال ، ليكونا خليفتين في الواقع الخارجي
بين الناس ، فالخليفة
الذي تركه وخلفه الرسول صلى الله عليه وآله من بعده
للناس ليعتصموا به ولا يتفرقوا هو العترة النبوية ذات الخلق القرآني ، بل
العترة التي هي القرآن يمشي على نسق النبي الأكرم .
وإذا فصل القرآن عن ذات العترة تصورا وذهنا فهما شخص واحد
في الحقيقة والواقع الخارجي ، وهما شئ واحد بالذات لا غير . لقد أعلن النبي صلى
الله عليه وآله ذلك في كثير من المواطن ، مؤكدا خلافتهم وخلافة القرآن في
خلافتهم ، فأعلن ذلك
مرة بصراحة في حجة الوداع بغدير خم ، ومرة في حجرته
والناس حوله في لحظة مرضه الذي مات فيه ( 1 ) ، فقال للناس خاتما حياته بإعلانه
خلافة العترة ،
| |
* هامش * |
|
| |
1 - الصواعق المحرقة
ص 89 - الباب الحادي عشر . ( * )
|
|
|
مبتدئا خلافتهم بخلافة علي عليه السلام ، فقال موصيا لهم
: " أيها الناس ، يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي ، وقد قدمت إليكم القول
معذرة لكم ، ألا إني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل ، وعترتي أهل بيتي " . ثم أخذ
بيد علي فرفعها ، فقال : " هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي ، لا يفترقان حتى
يردا على الحوض " . ( 1 )
وبهذا توج النبي الأكرم خلافة العترة
بإعلانه خلافة القرآن في علي وخلافة علي في خلافة القرآن ، ولا ننسى هنا قول
النبي صلى الله عليه وآله لبني عبد المطلب : " فأيكم يؤازرني على أمري هذا ،
على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ ! " ولا ننسى قبول علي هذا العرض
الإيماني الإلهي ، وقبوله المؤازرة .
ومن الطبيعي أن يفي الله تعالى بوعده ، ولا بد للنبي صلى
الله عليه وآله أن يعطي عليا ثمن المؤازرة التي شهدت لها السماء : " لا فتى إلا
علي ، لا سيف إلا ذو الفقار " ، وكان علي مع القرآن والقرآن مع علي ، وكان هو
الخليفة الأول في سلسلة خلافة العترة .
وليس هذا الاعلان بجديد ، فقد سمعناه في أول الدعوة ، وها
نحن نسمعه في اللحظات الأخيرة من أيام الداعي الأعظم . وبين البداية والنهاية
كانت إعلانات عديدة ، فقبل من قبل ، وأبى من أبى ، لشئ في نفس يعقوب ! وإني لا
أرى في قبالة هذا الأمر الذي يبين معية علي والقرآن ، والقرآن وعلي . . إلا
البخوع والسرور بخلافة علي عليه السلام ، عديل القرآن وقرينه .
وما أجمل أن ينصاع المؤمن لأمر هكذا ، لا لشئ سوى قوة الحجة
وصراحة الدليل ولياقة أمير المؤمنين علي عليه السلام . وبعد هذا لا يجوز بأي
حال من الأحوال اتباع الناس دون العترة ، لأن النبي عليه السلام أمر باتباع
العترة والتمسك بهم دون غيرهم من الناس ، إذ أن الواجب التعبدي يلزم كل أحد
باتباع العترة لأداء الطاعة لنبي الإسلام الكريم في أمره بذلك .
وهذا الأمر النبوي باتباع علي عليه السلام وذريته يجب أن
يدرك من خلال قوله تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم
عزيز عليه ما عنتم
| |
* هامش * |
|
| |
1 - نفس المصدر ص 57 . الباب التاسع . ( * )
|
|
|
حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم )
( 1 ) إن أمر النبي صلى الله عليه وآله المؤمنين باتباع علي عليه السلام وأهل
بيته وعترته الكرام نابع من الحرص عليهم وصادر من الرأفة والرحمة بهم ، لأن
النبي صلى الله عليه وآله - وهو أعلم بسبيل
النجاة والسلامة ، ويود نجاة المؤمنين بلا ريب - وجه
الناس صوب العترة عدول القرآن وقرنائه ، فقال : " ألا إني مخلف فيكم كتاب الله
عز وجل وعترتي أهل بيتي " .
ثم بين ذلك برفع يد علي عليه السلام معلنا أنه مع القرآن ،
والقرآن معه ، بل لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض ، فهو يعني أن من أراد أن يرد
علي الحوض يوم القيامة فعلية بعلي لأنه عليه السلام سبيل المؤمنين ونجاتهم .
| |
* هامش *
1 - التوبة : 128 . ( * )
|
|
|
|