|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 266 :
|
عمر بن
الخطاب يقول الحق ! !
ولعمر بن الخطاب مواقف غلب
فيها على أهواء النفس وهمزات الشيطان ، وأزال فيها عن الحق ما علق به من غبار ،
ولكن بعد انكسار الزجاجة وانسكاب ما كان فيها ! قال عمر ابن الخطاب في أيام
خلافته لابن عباس : " يا ابن عباس ، أتدري ما
منع قومكم منكم ؟ فقال ابن عباس : فكرهت
أن أجيبه ، فقلت : إن لم أكم أدري ، فإن أمير المؤمنين يدري . فقال عمر : كرهوا
أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا ، فاختارت قريش
لأنفسها ، فأصابت ووفقت ! قال
[ ابن عباس ] : يا أمير المؤمنين ، إن
تأذن لي في الكلام ، وتمط عني الغضب تكلمت . قال [ عمر ] : تكلم . قال ابن عباس
: فقلت : أما قولك يا أمير المؤمنين : اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت . .
فلو أن قريشا اختارت لأنفسها
من حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير
مردود ولا محسود . وأما قولك إنهم أبوا أن تكون النبوة والخلافة . . فإن الله
عز وجل وصف قوما بالكراهة ، فقال : ( ذلك كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) .
فقال عمر : هيهات يا ابن عباس ! قد كانت تبلغني عنك أشياء أكره أن أقرك عليها
فتزيل
منزلتك مني . قال ابن عباس : فقلت : ما هي يا أمير
المؤمنين ؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتك مني ، وأن كانت باطلا فمثلي
أماط الباطل عن نفسه . فقال عمر : بلغني أنك تقول : إنما حرفوها عنا ، حسدا
وبغيا وظلما . فقال ابن عباس ،
أما قولك حسدا ، فإن آدم حسد ونحن ولده المحسودون . فقال
عمر : هيهات هيهات ! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا لا يزول . قال ابن
عباس : فقلت : مهلا يا أمير المؤمنين ! لا تصف بهذا قلوب قوم أذهب الله عنهم
الرجس وطهرهم تطهيرا " ( 1 ) .
إن قول عمر : " كرهوا يجمعوا
لكم النبوة والخلافة . . فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت " يفرض علينا طرح
سؤال لا بد منه ، إذ أن في قوله هذا نوعا من الابهام وتمويها للحقيقة . .
فسؤالنا : من هم قوم أهل
البيت الذين كرهوا أن يجمعوا النبوة والخلافة لهم ؟
ومن هي قريش تلك التي اختارت لأنفسها فأصابت ووفقت ؟ !
إن المطالع لحوادث السقيفة يعلم أن أولئك القوم هم
المهاجرون من قريش ، كما يعلم أيضا أن الذين كانوا في مقابلة الأنصار يوم
السقيفة من المهاجرين لم يكونوا سوى أبي بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ، فهؤلاء
الثلاثة هم الذين كانوا من المهاجرين المتصدين لدفع الأنصار عن مقام الخلافة .
وفي حوارهم مع الأنصار لم
يقدم أبو بكر عليا معرفا إياه للأنصار على أنه صاحب الحق في خلافة ، بل قدم لهم
عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف ليختار الأنصار منهما واحدا .
إذا ، فهو بتقديمه هؤلاء الاثنين يصرف الخلافة عن علي
وأهل البيت النبوي ، كما هو واضح . ولما رفض عمر ذلك لم يقل لأبي بكر : قدم
عليا فهو أحق ، بل قال لأبي بكر : مد
| |
* هامش * |
|
| |
1 - الكامل في التاريخ
: 3 : 24 - حوادث سنة 23 ، سيرة عمر ، السقيفة
لأبي بكر الجوهري : ص 52
ونقله ابن أبي الحديد شرح النهج 2 : 57 .
( * )
|
|
|
يدك يا أبا بكر أبا عك ، فمد يده وبايعه عمر . إذا ، فلو
كان قوم أهل البيت في قول عمر : " أتدري ما منع قومكم منكم . . ؟ ! " هم الذين
كرهوا اجتماع النبوة والخلافة لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، فهؤلاء
القوم هم المهاجرون بلا ريب .
ولما لم يكن من المهاجرين في السقيفة غير أبي بكر وعمر وعبد
الرحمن بن عوف . . فهم القوم الذين كرهوا ذلك . بل عندما جاء عمر إلى بيت النبي
صلى الله عليه وآله - والمسلمون قد تجمعوا هناك وعلي مشغول في غسل جسد النبي
صلى الله عليه وآله الطاهر - أخبر عمر أبا بكر باجتماع الأنصار في السقيفة خفية
، ولم يطلع عليا بذلك .
وبهذا يتضح أن الذين كرهوا اجتماع
النبوة والخلافة لأهل البيت وأن قريشا التي اختارت لأنفسها . . ليسوا
سوى أبي بكر وعمر، فهما اللذان كرها واختارا ، وهما اللذان استصغرا عليا عليه
السلام على الخلافة. فقد قال عمر لابن عباس : " يا ابن
عباس ، ما أرى صاحبك ( يعني عليا ) إلا مظلوما " ، غير
أنه قال هذه المرة : يا ابن عباس ، ما أظن منعهم عنه إلا أنه استصغره قومه !
قال ابن عباس : فقلت : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ " براءة
" من صاحبك " ( 1 ) ، يعني بذلك أبا بكر .
وقد وضح لك من هم القوم الذين استصغروا عليا . بيد أن الصغر
أو الكبر في العمر ليسا دليلا على القدرة أو عدمها في القيام بأعباء المسؤوليات
. والأمثلة كثيرة لتأييد ذلك ، فقد ولى النبي صلى الله عليه وآله أسامة بن زيد
قيادة الجيش في حرب
الروم وله من العمر - على أكثر التقديرات - عشرون عاما ،
وكان أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وغيرهم من المهاجرين والأنصار جنودا في ذلك
الجيش يعلمون بأمر أسامة .
فهل كان النبي صلى الله عليه وآله يولي الصغار والأطفال على
كبار السن ، ويسند إليهم قيادة الجيوش لعبا ولهوا ؟ ! بل قال النبي صلى الله
عليه وآله عن أسامة عندما طعن الناس فيه : " إنه لخليق للإمارة " . . فكيف
| |
* هامش * |
|
| |
1 - شرح نهج
البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 105 . ( * )
|
|
|
صار خليقا بها وهو صغير السن ؟ ! وكيف صار علي صغيرا على
الخلافة غير خليق ؟ ! فصغر العمر أو كبره ليس معيارا للعظمة أو القدرة على
القيام بالمسؤولية أبدا .
إن الإمام علي عليه السلام
لما أعلن مؤازرته للنبي صلى الله عليه وآله في " يوم الدار " لم يقل له النبي
صلى الله عليه وآله : إجلس يا علي ، فإنك صغير على أمر الخلافة ! بل أخذه من
رقبته ، وقال لكبار قريش ، وفيهم حمزة والعباس وأبو لهب وأبو طالب : إن هذا أخي
ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا .
فالقول بأن الإمام عليا صغير على
الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله هو :
أولا : خلاف لما كان يراه
النبي صلى الله عليه وآله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، فإذا
أعلن الوحي خلافة علي في سن العاشرة ، فما بالك به وهو في سن الثلاثين ؟ !
ثانيا : أن القول بصغر
الإمام على الخلافة فيه ظلم شنيع للإمام ، فهو على أقل تقدير لا يقل من حيث
العقل والحنكة والتدبير عن أسامة بن زيد شيئا ، فظلم أن يوصف بذلك وهو الذي له
من هذا العقل وهذه الحنكة والتدبير ما له .
ولهذا قال عمر لابن عباس : ما
أري صاحبك إلا مظلوما ! إذ لو كان حقا صغيرا لما وقع الظلم هذا ، ولكن . . كان
القوم يعلمون في قرارة نفوسهم بعلو مكانه ورفعة مقامه وقدرته على القيام بأعباء
الخلافة .
وقال عمر مرة لابن عباس : كيف
خلفت ابن عمك ؟ قال ابن عباس : فظننته يعني عبد الله بن جعفر . . . فقلت :
خلفته مع أترابه . فقال [ عمر ] : لم أعن ذلك ، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت .
قال [ ابن عباس ] : قلت : خلفته يمتح بالغرب ( 1 )
وهو يقرأ القرآن . قال [ عمر ] : يا عبد الله ، عليك
دماء البدن إن كتمتنيها . . هل بقي نفسه شئ من أمر الخلافة ؟ قال [ ابن عباس ]
: قلت : نعم . قال [ عمر ] : أيزعم أن رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] نص
عليه ؟
| |
* هامش * |
|
| |
1 - الغرب : الدلو العظيمة . والمتح : جذب
حبل الدلو ، تمد بيد وتأخذ بيد على رأس البئر . والماتح : الذي يملأ
الدلو من أسفل البئر .
|
|
|
قال ابن عباس : قلت : نعم وأزيدك ، سألت أبي عما يدعي -
أي النص على الخلافة - فقال : صدق . فقال عمر : كان من رسول الله في أمره ذرو
من قول لا يثبت حجة ، ولا يقطع عذرا ، ولقد كان يربع في أمره وقتا ، ولقد أراد
في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته من ذلك " ( 1 ) .
نعم ، وذلك عندما كان النبي صلى الله عليه وآله مريضا
والحجرة غاصة بالناس من حوله ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله : " قربوا
أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده " . فقال عمر : " إن الرجل قد غلب عليه الوجع ،
إن الرجل ليهجر ! حسبنا
كتاب الله ، عندنا القرآن " . وردد الناس ما قال عمر !
فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله غاضبا : قوموا ! . . ولم يكتب الكتاب الذي
كان سيصرح فيه باسم علي عليه السلام ، إذ أن عمر منعه من ذلك بما قاله من قول
نسج الناس عليه ، كما
عرفت ! على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يترك التصريح
لفظا باسم علي عليه السلام ، كما مر عليك ، إذ قال صلى الله عليه وآله : " ألا
إني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل وعترتي " . . ثم أخذ بيد علي وقال : " هذا علي
مع القرآن ، والقرآن
مع علي ، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض " . فكان من
النبي صلى الله عليه وآله والوحي استخلاف علي والتصريح باسمه ، وكان من قريش
المنع والاعتراض وكراهة اجتماع النبوة والخلافة في أهل البيت ! غير أن القوم لم
يكتفوا بصرف
الخلافة عن علي وعترة النبي صلى الله عليه وآله ، بل
أخذوا عليا عنوة لبيعة أبي بكر ، فجئ به يساق - كما قال معاوية - كالجمل
المخشوش ، وهو يقول : " أنا عبد الله وأخو رسول الله " ! فقيل له : بايع ! قال
[ علي ] : أنا أحق بهذا الأمر منكم .
لا أبايع ، وأنتم أولي بالبيعة لي . أخذتم هذا الأمر من
الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ،
وتأخذونه منا أهل البيت غصبا . ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم
، لما كان محمد منكم ، فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة ؟ فإذا أحتج عليكم
بمثل ما احتججتم على الأنصار ، نحن أولى
| |
* هامش * |
|
| |
1 - شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد 3 : 97 . ( * )
|
|
|
برسول الله حيا وميتا ، فانصفونا إن كنتم تؤمنون ، وإلا
فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون . فقال له عمر : إنك لست متروكا حتى تبايع ! فقال
له علي : احلب حلبا لك شطره ، وشد له اليوم يردده عليك غدا . ثم قال : والله يا
عمر، لا أقبل قولك ولا أبايعه
فقال أبو بكر : إن لم تبايع ، فلا أكرهك . ثم قال [ عليه
السلام ] : الله الله يا معشر المهاجرين ! لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من
داره وقعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم ، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه
، فوالله يا معشر المهاجرين
لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت . ونحن أحق بهذا الأمر
منكم ، ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول
الله ، المتطلع لأمر الرعية ، الدافع عنهم الأمور السيئة ، القاسم لهم بالسوية
، والله إنه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى
فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا عن الحق بعدا . فقال له
بشير بن سعيد الأنصاري : لو كان هذا كلام سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي
بكر ما اختلف عليك ! " ( 1 ) .
وهكذا ظل الإمام رافضا مهادنة أبي
بكر ستة أشهر حتى رأى مصلحة الإسلام في الصبر والجلوس في بيته ، ومهادنة
القوم ، كما يوضح ذلك هو بنفسه عليه السلام : يقول الإمام علي عليه السلام : "
وأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت
عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله
، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما تكون المصيبة له علي
أعظم من فوت ولايتكم التي هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول
السراب ، وكما ينقشع السحاب " .
وقال عليه السلام : " ولقد
تقمصها ( أي لبسها قميصا ، يعني الخلافة ) ابن أبي قحافة ، وهو يعلم أن محلي
منها محل القطب من الرحى : ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إلي الطير ، فسدلت عنها
ثوبا وطويت
| |
* هامش * |
|
| |
1 - السقيفة
لأبي بكر الجواهري ص 60 - 61 . ( * )
|
|
|
عنها كشحا ، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر
على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى
يلقى ربه . . فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق
شجى ، أرى تراثي نهبا . . . " ( 1 ) .
ومعنى هذا كله أن حادثة الظلم
الذي أقر بوقوعه الفاروق في حق الإمام علي هي حقيقة تاريخية لا تخلو منها
مدونات التاريخ ، واعترف بها شهود العيان اعترافهم بالمسلمات .
ومنها ما ضمنه معاوية بن أبي سفيان
رده على خطاب محمد بن أبي بكر الصديق مشيرا إلى ذلك الظلم بشكل أوضح ، يكشف ثقل
الظلم الذي وقع على أمير المؤمنين ، بحيث اعترف به عمر بن الخطاب ، لأن وقوعه
ليس من قبيل ما ينكر أو يخفى .
كتب محمد بن أبي بكر رضي الله عنه خطابا إلى معاوية ،
يردعه على تطاوله على أمير المؤمنين علي عليه السلام ، ويبين فيه شأن الإمام
ورفعة مقامه . . يقول فيه : " من محمد بن أبي بكر ، إلى الغاوي معاوية بن صخر .
سلام على أهل طاعة
الله ، ممن هو سلم لأهل ولاية الله . أما بعد : فإن الله
بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته ، خلق خلقه بلا عبث منه ولا ضعف في قوته ، ولا
حاجة به إلى خلقهم ، لكنه خلقهم عبيدا وجعل منهم غويا ورشيدا ، وشقيا وسعيدا .
ثم اختار ، على علم ،
فاصطفى وانتخب منهم محمدا ( ص ) ، فاختصه برسالته ،
واختاره لوحيه ، وائتمنه على أمره ، وبعثه رسولا ومبشرا ونذيرا ، مصدقا لما بين
يديه من الكتب ، ودليلا على الشرائع ، فدعا إلى سبيل أمره بالحكمة والموعظة
الحسنة ، فكان أول
من أجاب وأناب وآمن وصدق وسلم : أخوه وابن عمه علي بن
أبي طالب ( عليه السلام ) . صدقه بالغيب المكتوم ، وآثره على كل حميم ، ووقاه
بنفسه من كل هول ، وواساه بنفسه في كل خوف ، و حارب حربه وسالم سلمه ، فلم يبرح
مبتذلا
لنفسه في ساعات الأزل ومقامات الروع ، حتى برز سابقا لا
نظير له في جهاده ، ولا
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد 1 : 25 - الخطبة رقم 3 ( الشقشقية ) . ( * )
|
|
|
مقارب له في فعله . وقد رأيت تساويه ، وأنت أنت ، وهو
السابق المبرز في كل خير ، أول الناس إسلاما ، وأصدق الناس نية ، وأفضل الناس
ذريه ، وخير الناس زوجة ، وأفضل الناس ابن عم . أخوه الشاري لنفسه يوم مؤتة ،
وعمه سيد الشهداء
يوم أحد ، وأبوه الذاب عن رسول الله ( ص ) وعن حوزته .
وأنت اللعين ابن اللعين ، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل ، وتجهدان
في إطفاء نور الله ، تجمعان على ذلك الجموع ، وتبذلان فيه المال ، وتؤلبان عليه
القبائل . على هذا مات
أبوك ، وعلى ذلك خلفته ، والشاهد عليك بذلك من تدنى
ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ورؤساء النفاق والشقاق لرسول الله ( ص ) . والشاهد
لعلي - مع فضله المبين وسابقته القديمة - أنصاره الذين معه ، الذين ذكرهم الله
تعالى في القرآن ، فضلهم
وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار ، فهم معه كتائب
وعصائب ، يجالدون حوله بأسيافهم ، ويهرقون دماءهم دونه ، يرون الحق في اتباعه
والشقاء في خلافه . فكيف ، يا لك الويل ، تعدل نفسك بعلي ، وهو وارث رسول الله
( ص ) ووصيه
وأبو ولده ، وأول الناس له اتباعا وأقربهم به عهدا ،
يخبره بسره ويطلعه على أمره ، وأنت عدوه وابن عدوه ؟ ! فتمتع في دنياك ما
استطعت بباطلك ، وليمددك ابن العاص في غوايتك ، فكان أجلك قد انقضى ، وكيدك قد
وهى ، وسوف يتبين لك
لمن تكون العاقبة العليا . واعلم أنك إنما تكايد
ربك الذي قد أمنت كيده ، وأيست من روحه ، وهو لك بالمرصاد ، وأنت منه في غرور .
والسلام على من اتبع الهدى " . ( 1 )
فهذا كان خطاب محمد بن أبي بكر إلى
معاوية ، وقد وضحت لك عباراته وانكشفت معانيها . ووضح لك فضل أمير
المؤمنين من حيث إنه أول الناس إيمانا برسول الله ، ومن حيث إنه فاق غيره جهادا
وارتباطا برسول الله ، وهو الوارث له . كما وضح لك قدر معاوية
| |
* هامش * |
|
| |
1 - مروج الذهب
للمسعودي 2 : 59 : شرح نهج البلاغة لابن
أبي الحديد 1 : 283 : جمهرة رسائل العرب
1 : 457 . ( * )
|
|
|
وشأنه . . فماذا قال معاوية في رده على محمد بن أبي بكر
؟ !
يقول ابن هند : من معاوية بن
صخر إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر . سلام على أهل طاعة الله . أما بعد :
فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في عظمته وقدرته وسلطانه ، وما أصدق به
رسول الله ( ص ) مع كلام كثير ألفته ووضعته
لرأيك في تضعيف ، ولأبيك فيه تعنيف . ذكرت فيه فضائل ابن
أبي طالب وقديم سوابقه وقرابته مع رسول الله ( ص ) ونصرته له ومواساته إياه في
كل هول وخوف ، فكان احتجاجك علي وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك ، فاحمد ربا صرف
هذا الفضل عنك وجعله لغيرك . فقد كنا وأبوك معنا في حياة
نبينا نعرف حق ابن أبي طالب لازما لنا وفضله مبرزا علينا ، فلما اختار الله
لنبيه ( عليه الصلاة والسلام ) ما عنده وأتم له ما وعده ، وأظهر دعوته ، وأفلج
حجته ، وقبضه الله إليه
( صلوات الله عليه ) ، كان أبوك وفاروقه أول من ابتزه
حقه وخالفه على أمره، على ذلك اتفقا واتسقا. ثم دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما
وتلكأ عليهما ، فهما به الهموم وأرادا به العظيم . ثم إنه بايعهما وسلم لهما ،
وأقاما لا يشركانه في أمرهما ، ولا
يطلعانه على سرهما ، حتى قبضهما الله ، وانقضى أمرهما .
ثم قام ثالثهما عثمان فهدى بهما وسار بسيرتهما فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه
الأقاصي من أهل المعاصي ، فطلبتما له الغوائل حتى بلغتما فيه منا كما. فخذ حذرك
يا ابن أبي بكر
، فسترى وبال أمرك ، وقس شبرك بفترك تقصر عن أن توازي أو
تساوي من يزن الجبال حمله ، ولا تلين على قسر قناته ، ولا يدرك ذو مدى أناته .
أبوك مهد له مهاده ، وبنى ملكه وشاده ، فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله ،
وإن يك جورا
فأبوك استبد به ، ونحن شركاؤه ، فبهديه أخذنا وبفعله
اقتدينا .
لو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ،
ولسلمنا إليه ، لكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا ، فأخذنا بمثاله واقتدينا
بفعاله ، فعب أباك بما بدا لك أو دع . والسلام على من أناب ورجع من غوايته وتاب
. ( 1 )
وها هو خطاب معاوية في رده
على خطاب محمد بن أبي بكر ، فتدبر في قوله : " فقد كنا وأبوك معنا في حياة
نبينا نعرف حق ابن أبي طالب لازما لنا وفضله مبرزا علينا " .
فما هو حق علي بن أبي طالب الذي كان لازما لمعاوية وأبي
بكر وبقية الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
ثم أين ذلك الحق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
وأما قوله : " كان أبوك
وفاروقه أول ابتزه حقه وخالفه على أمره " ففيه بيان الأساس الذي قامت عليه
خلافة الصديق وعمر من بعده ، والشاهد على هذا الأساس معاوية نفسه تصريحا ومحمد
بن أبي بكر إقرارا . وعلى هذا الابتزاز والمخالفة ، تم الاتفاق والاتساق بين
أبي بكر وفاروقه ، كما أوضح معاوية .
وإشارة معاوية إلى هذا توضح
اشتراكه في ذلك ، إذ أن أبا بكر هو الذي مهد وشيد له ملكه بسنه ابتزاز حق
الإمام ومخالفته في أمره ، بعد أن كان حقه لازما لهم في حياة النبي صلى الله
عليه وآله . فما هي العلاقة والارتباط بين ما وقع من ابتزاز لحق الإمام
ومخالفته على أمره ، وبين قول النبي الأكرم لأبي بكر : " لا أدري ما تحدثون
بعدي " ؟ !
وهكذا انشعب الإسلام بعد تلك الحوادث
، وانشعب الناس على أساس ذلك إلى قوم تعبدوا بما تمخضت عنه الحوادث بعد وفاة
رسول الله في السقيفة ، واقتدوا بأهل البيت السقيفي ، وقوم ولوا الظهور لذلك
وصوبوا نحو أهل البيت النبوي ، يقتدون بعلي
وأهل بيته عملا ولفظا ، ويمزجون حبهم للعترة باقتفاء
الآثار منهم . . ليس كمن مزج حبهم باقتفاء آثار غيرهم من الفقهاء والعلماء وهم
يخالفونهم في كثير من المسائل .
فهلموا - أيها الناس - إلى سبيل المؤمنين من أهل بيت الرسول
وأبناء البتول ، فهم
| |
* هامش *
1 - نفس المصدر السابق . ( * )
|
|
|
أمان للناس من الغرق في مفاوز الضلال وشعاب الاختلاف .
يقول علي عليه السلام : " أين
الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا ، كذبا علينا أن رفعنا الله ووضعهم ،
وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ؟ ! بنا يستعطى الهدى ، ويستجلى العمى ، إن
الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح
الولاة من غيرهم " ( 1 ) .
ويقول عليه السلام : " حتى
إذا قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ، رجع قوم على الأعقاب ، وغالتهم السبل
واتكلوا على الولائج ، ووصلوا غير الرحم ، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته ،
ونقلوا البناء عن رص أساسه ، فبنوه في غير مواضعه
معادن كل خطيئة ، وأبواب كل ضارب في غمرة ، وقد ماروا في
الحيرة ، وذهلوا في السكرة ، على سنة من آل فرعون ، من منقطع إلى الدنيا راكن ،
أو مفارق للدين مباين " ( 2 ) . "
فيا عجبي ! وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على الاختلاف
حججها في دينها ؟ ! لا يقتفون أثر نبي ، ولا يقتدون بعمل وصي ! " ( 3 ) .
والحمد لله على منه وتوفيقه
| |
* هامش * |
|
| |
1 - شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد 2 : 36 .
2 - نفس المصدر السابق 2 : 48 .
3 - نفسه 1 : 145 . ( * )
|
|
|
|