- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 24 :

رابعا : حصار أهل البيت وتكميم أفواههم


لقد كان الخليفة الأول وكذلك الخليفة الثاني يرجعان في كثير من الأمور إلى أهل البيت ، فأبو حفص كان مفزعه في أمور الدين الإمام علي ، ولهذا صدر منه مرارا قوله : " لولا علي لهلك عمر " ، وقوله : " الله أعوذ بك من معضلة ليس لها أبو الحسن " ، وهكذا كان دأبهما .


وأعلمية أهل البيت - وعلى رأسهم الإمام علي ( عليه السلام ) - من الحقائق التي لا مراء فيها ولا جدال ، وقد اعترف بذلك أبو بكر الصديق وخليفته أبو حفص .


واستمر الحال إلى زمان عثمان حيث استولى بنو أمية على مقاليد الأمور في الدولة الإسلامية ، وتصرفوا في كل شئ حتى هيمنوا على السلطة تماما ، فتغير الحال وحورب أهل البيت ، وحوصرت أقوالهم ، وسلب حقهم في المرجعية الدينية فضلا عن الخلافة .


واستمر الحال هكذا إلى آخر يوم في الدولة العباسية ، فنشأ الناس على ترك أهل البيت . ثم إن الحصار في دولة بني أمية لم يقف على إبعاد أهل البيت النبوي عن المرجعية فحسب ، بل تعدى إلى ابرازهم بنحو يؤدي إلى نفور الناس منهم ، ولهذا الغرض استنوا سب الإمام علي ( عليه السلام ) أكثر من خمسين عاما .


وضرب الحصار على من يرجع إليهم في أمور دينه ، وقتل من لم يطلق لسانه فيهم بالسباب والشتم ، وهيئت الفرص لمن يسبهم ويجافيهم . وأمر معاوية الناس في بقاع

- ص 25 -

الدولة بإبراز محاسن غيرهم في مقابل ما أبرزه النبي ( صلى الله عليه وآله ) من محاسن لهم ، ثم قتلوا بعد ذلك شر تقتيل ، فليس منهم إلا مسموم أو مقتول . كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من

فضل أبي تراب وأهل بيته ! فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته . وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة ، لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام ( 1 ) .


والسؤال الذي يطرح ببراءة : لماذا حارب الأمويون طيلة حكمهم هذا علماء أهل البيت ؟ ولأي شئ قتلوهم ؟

ولماذا نسج على منوالهم العباسيون ؟

وقد يجيب أحد بأنهم نافسوهم في الحكم والسلطة . . ولكن ، هل كان أهل البيت يعارضون حكم الأمويين لو كان قائما على ما جاء به الوحي وقضى به النبي ( صلى الله عليه وآله ) ؟ !

وهل كان من الوحي سب الإمام علي أو قتل الإمام الحسين بالصورة الوحشية التي عرفها التاريخ ؟ !

أو كان من الوحي إطعامهم السم الزعاف ؟ !

وهل كان أبناء الرسول يحبون السلطة من أجل السلطة والحكم ؟

وماذا تضرر العباسيون من عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى انتهجوا معهم ما انتهجه الأمويون ؟ !


إن أهل البيت بعد الضربات الأموية لم تبق لهم تلك الخطورة السياسية التي تعتمد على قوة الجيش والسلاح ، فقد انفض الناس من حولهم إما خوفا من القتل والسبي ، وإما انجذابا نحو الأصفر والأبيض من أموال السلطة .


وصار أهل البيت تحت المراقبة الأموية في منازلهم وبين أهليهم ، أو في المحابس وفي سجون الحكومة العباسية ، وهذا يكفي الحكام لتوطيد حكمهم . إذا . . لماذا القتل ؟ !

وهل كان لأهل البيت خطر غير الجيوش والسلاح لا يزول إلا بقتلهم ؟ ! وما ذاك الخطر ؟

وهل كان السبيل إلى الصلح والتوافق معهم قد أغلق تماما ؟ !

لقد كانت المسألة بين الحكام من الأمويين والعباسيين ، وبين أهل البيت مسألة الدين والشرع ، فالحكام في نظر أهل البيت قد خالفوا الشرع والنهج المحمدي ، وأهل
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11 : 44 ، الباب 23 . ( * )

 

 

- ص 26 -

البيت في نظر الحكام خطر ديني أساسي لا يحتاج إلى جيش وسلاح . وهذا الإمام الحسين يصور حقيقة النزاع بين الحكام وأهل البيت ، يقول الطبري : " وقام الحسين في كربلاء مخاطبا أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إن

رسول الله ( ص ) قال : من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول ، كان حقا على الله أن يدخله مدخله. ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ،

وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفئ ، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غيري " ( 1 ) .


فإذا كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد ربى أبناء الناس على الدين خير تربية ، أتراه تاركا أبناءه فإنه على غير تربية الدين ؟ ! لا ، بل لهم الأولوية في التربية والنشأة على الوحي ، وإلا فإنه يكون كالآمر بالبر والناسي لنفسه .


ولما كان هدف أهل البيت إقامة الدين وإجراء الشرع الذي تربوا عليه وهم أولى بذلك ، كان الحكام في زمانهم يهدفون إلى السلطة فحسب ، لأن الذي لا يهدف إلى شئ إلا أن يرى الدنيا قائما ، لا يضيره شئ إن قام الدين بغيره من الناس على الوجه المطلوب . وهكذا حوصر أهل بيت النبوة من كل صوب ، ومنعوا من الكلام في أي أمر في مجال الدين سياسيا وعباديا .


فإن كان هذا حال أهل البيت فمن من أتباعهم تكون له جرأة الكلام والتفوه بما يرضي العترة النبوية ؟ ! فلو استهان أمر أهل البيت عند الحكام فلأمر أتباعهم أشد هوانا .


ومع ذلك ظهر على سطح الساحة الدينية علماء صار حق الفتيا لهم ، وارتضاهم الحكام ، وقصدوا إلى فرض ما أفتوا به على الناس ونشره بينهم ، فقربوهم إليهم وأجزلوا لهم العطاء .


فلم كان ما أفتى به هؤلاء يرضي سريرة أهل البيت ويوافق ما هو عليه من أمر ، فلماذا لم يترك الحكام أهل البيت لأن يفتوا أو يقولوا بهذا ما دام لا يضيرهم منه شئ ؟ ! أم أن هؤلاء كانوا أعلم من أهل البيت بأمور الدين والوحي ؟ ! ولكن أهل
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 304 - حوادث سنة إحدى وستين . ( * )

 

 

- ص 27 -

البيت لم يكونوا ليقبلوا بالصمت أمام الظلم وجور الحكام ، كما سمعت من كلام الإمام الحسين .


وأما من قرب من العلماء وارتضى من قبل الحكام فلم يكونوا يرون ما كان يراه الإمام الحسين وأهل البيت كافة ، ولذا أفتى هؤلاء العلماء بما زعموا أنه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة

جاهلية " ! وبعد هذا كيف لا يقبل الحكام هذه الفتاوى وأصحابها من العلماء ؟ ! وكيف بعد هذا يسمع لأهل البيت فتوى في الدين ؟ ! ولهذا أبعد أهل البيت ، وقرب من خالفهم من العلماء والناس . واستمر الحال هكذا وطارت فتواهم كل مطير وانتشرت في البلاد وسار الناس على مذاهبهم ، ولم يلتفت أحد إلى بيت النبوة ومهبط الوحي ، فأخذ الناس الدين عن غيرهم .


وها نحن نرى الخلاف بين أتباع المذهب الجعفري ( 1 ) من شيعة أهل البيت وبين المذاهب السنية . أفلا يدعو هذا إلى البحث والتحقيق ؟ !
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب