رابعا : حصار أهل البيت وتكميم أفواههم
لقد كان الخليفة الأول وكذلك الخليفة الثاني يرجعان في كثير من الأمور إلى أهل
البيت ، فأبو حفص كان مفزعه في أمور الدين الإمام علي ، ولهذا صدر منه مرارا
قوله : " لولا علي لهلك عمر " ، وقوله : " الله أعوذ بك من معضلة ليس لها أبو
الحسن " ، وهكذا كان دأبهما .
وأعلمية أهل البيت - وعلى رأسهم الإمام علي ( عليه السلام ) - من الحقائق التي
لا مراء فيها ولا جدال ، وقد اعترف بذلك أبو بكر الصديق وخليفته أبو حفص .
واستمر الحال إلى زمان عثمان حيث استولى بنو أمية على مقاليد الأمور في الدولة
الإسلامية ، وتصرفوا في كل شئ حتى هيمنوا على السلطة تماما ، فتغير الحال وحورب
أهل البيت ، وحوصرت أقوالهم ، وسلب حقهم في المرجعية الدينية فضلا عن الخلافة .
واستمر الحال هكذا إلى آخر يوم في الدولة العباسية ، فنشأ الناس على ترك أهل
البيت . ثم إن الحصار في دولة بني أمية لم يقف على إبعاد أهل البيت النبوي عن
المرجعية فحسب ، بل تعدى إلى ابرازهم بنحو يؤدي إلى نفور الناس منهم ، ولهذا
الغرض استنوا سب الإمام علي ( عليه السلام ) أكثر من خمسين عاما .
وضرب الحصار على من يرجع إليهم في أمور دينه ، وقتل من لم يطلق لسانه فيهم
بالسباب والشتم ، وهيئت الفرص لمن يسبهم ويجافيهم . وأمر معاوية الناس في بقاع
الدولة بإبراز محاسن غيرهم في مقابل ما أبرزه النبي (
صلى الله عليه وآله ) من محاسن لهم ، ثم قتلوا بعد ذلك شر تقتيل ، فليس منهم
إلا مسموم أو مقتول . كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت
الذمة ممن روى شيئا من
فضل أبي تراب وأهل بيته ! فقامت الخطباء في كل كورة وعلى
كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته . وكان أشد الناس
بلاء حينئذ أهل الكوفة ، لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام ( 1 ) .
والسؤال الذي يطرح ببراءة :
لماذا حارب الأمويون طيلة حكمهم هذا علماء أهل البيت ؟ ولأي شئ قتلوهم ؟
ولماذا نسج على منوالهم العباسيون ؟
وقد يجيب أحد بأنهم نافسوهم في الحكم والسلطة . . ولكن ،
هل كان أهل البيت يعارضون حكم الأمويين لو كان قائما على ما جاء به الوحي وقضى
به النبي ( صلى الله عليه وآله ) ؟ !
وهل كان من الوحي سب الإمام علي أو قتل الإمام الحسين
بالصورة الوحشية التي عرفها التاريخ ؟ !
أو كان من الوحي إطعامهم السم الزعاف ؟ !
وهل كان أبناء الرسول يحبون السلطة من أجل السلطة والحكم
؟
وماذا تضرر العباسيون من عترة النبي ( صلى الله عليه
وآله ) حتى انتهجوا معهم ما انتهجه الأمويون ؟ !
إن أهل البيت بعد الضربات الأموية لم تبق لهم تلك الخطورة
السياسية التي تعتمد على قوة الجيش والسلاح ، فقد انفض الناس من حولهم إما خوفا
من القتل والسبي ، وإما انجذابا نحو الأصفر والأبيض من أموال السلطة .
وصار أهل البيت تحت المراقبة الأموية في منازلهم وبين
أهليهم ، أو في المحابس وفي سجون الحكومة العباسية ، وهذا يكفي الحكام لتوطيد
حكمهم . إذا . . لماذا القتل ؟ !
وهل كان لأهل البيت خطر غير الجيوش والسلاح لا يزول إلا
بقتلهم ؟ ! وما ذاك الخطر ؟
وهل كان السبيل إلى الصلح والتوافق معهم قد أغلق تماما ؟
!
لقد كانت المسألة بين الحكام من الأمويين والعباسيين ،
وبين أهل البيت مسألة الدين والشرع ، فالحكام في نظر أهل البيت قد خالفوا الشرع
والنهج المحمدي ، وأهل
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد 11 : 44 ، الباب 23 . ( * )
|
|
|
البيت في نظر الحكام خطر ديني أساسي لا يحتاج إلى جيش
وسلاح . وهذا الإمام الحسين يصور حقيقة النزاع بين الحكام وأهل البيت ، يقول
الطبري : " وقام الحسين في كربلاء مخاطبا أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم
قال : أيها الناس ، إن
رسول الله ( ص ) قال : من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم
الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم
والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول ، كان حقا على الله أن يدخله مدخله. ألا
وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ،
وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ،
واستأثروا بالفئ ، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غيري " ( 1 ) .
فإذا كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد ربى أبناء الناس
على الدين خير تربية ، أتراه تاركا أبناءه فإنه على غير تربية الدين ؟ ! لا ،
بل لهم الأولوية في التربية والنشأة على الوحي ، وإلا فإنه يكون كالآمر بالبر
والناسي لنفسه .
ولما كان هدف أهل البيت إقامة الدين وإجراء الشرع الذي
تربوا عليه وهم أولى بذلك ، كان الحكام في زمانهم يهدفون إلى السلطة فحسب ، لأن
الذي لا يهدف إلى شئ إلا أن يرى الدنيا قائما ، لا يضيره شئ إن قام الدين بغيره
من الناس على الوجه المطلوب . وهكذا حوصر أهل بيت النبوة من كل صوب ، ومنعوا من
الكلام في أي أمر في مجال الدين سياسيا وعباديا .
فإن كان هذا حال أهل البيت فمن من أتباعهم تكون له جرأة
الكلام والتفوه بما يرضي العترة النبوية ؟ ! فلو استهان أمر أهل البيت عند
الحكام فلأمر أتباعهم أشد هوانا .
ومع ذلك ظهر على سطح الساحة الدينية علماء صار حق الفتيا
لهم ، وارتضاهم الحكام ، وقصدوا إلى فرض ما أفتوا به على الناس ونشره بينهم ،
فقربوهم إليهم وأجزلوا لهم العطاء .
فلم كان ما أفتى به هؤلاء يرضي سريرة أهل البيت ويوافق ما
هو عليه من أمر ، فلماذا لم يترك الحكام أهل البيت لأن يفتوا أو يقولوا بهذا ما
دام لا يضيرهم منه شئ ؟ ! أم أن هؤلاء كانوا أعلم من أهل البيت بأمور الدين
والوحي ؟ ! ولكن أهل
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تاريخ الطبري 4
: 304 - حوادث سنة إحدى وستين . ( * )
|
|
|
البيت لم يكونوا ليقبلوا بالصمت أمام الظلم وجور الحكام
، كما سمعت من كلام الإمام الحسين .
وأما من قرب من العلماء وارتضى من قبل الحكام فلم يكونوا
يرون ما كان يراه الإمام الحسين وأهل البيت كافة ، ولذا أفتى هؤلاء العلماء بما
زعموا أنه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " من خرج عن الطاعة وفارق
الجماعة مات ميتة
جاهلية " ! وبعد هذا كيف لا يقبل الحكام هذه الفتاوى
وأصحابها من العلماء ؟ ! وكيف بعد هذا يسمع لأهل البيت فتوى في الدين ؟ ! ولهذا
أبعد أهل البيت ، وقرب من خالفهم من العلماء والناس . واستمر الحال هكذا وطارت
فتواهم كل مطير وانتشرت في البلاد وسار الناس على مذاهبهم ، ولم يلتفت أحد إلى
بيت النبوة ومهبط الوحي ، فأخذ الناس الدين عن غيرهم .
وها نحن نرى الخلاف بين أتباع المذهب الجعفري ( 1 ) من شيعة
أهل البيت وبين المذاهب السنية . أفلا يدعو هذا إلى البحث والتحقيق ؟ !
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام )
. ( * )
|
|
|