- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 28 :

اختلاف المسلمين حول ولي الأمر بعد النبي ( صلى الله عليه وآله )


ثم إن من المسائل التي تفرض علينا التحقيق البحث حولها باعتبارها من أهم مسائل الدين ، هي معرفة ولي الأمر .

الاعتقاد السائد بين كافة المسلمين أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) هو خاتم الأنبياء والرسل ، أي هو نبي لا نبي من بعده ، وأي اعتقاد بخلاف ذلك يستوجب الكفر بلا شك .


وفرض عدم خاتمية الرسالة يفرض نبيا آخر يأتي بعد محمد ( صلى الله عليه وآله ) لهداية الناس بعد انقضاء فترة الإسلام ، ولما لم يكن كذلك . . فهم الإسلام على ضوء ختم الرسالة بأنه دين كل زمان ومكان ، وهذا منطق بلا شك يتفق وختم الرسالة ، وعلى هذا تصافق وتوحد اعتقاد المسلمين باعتباره أمرا قرآنيا مسلما ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) ( 1 ) ، وعلى هذا فإننا نستخلص من هذا الاعتقاد المسائل التالية :

 1 - ليس هناك نبي يأتي بعد محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فهو خاتم وآخر الأنبياء والرسل .

 2 - إن الإسلام خاتم الأديان ، وهو قد جاء إذا لكافة الناس إلى يوم القيامة .

 3 - ولكي يفي الإسلام بهذه العمومية لكل البشر ، وحتى يفي بمتطلبات عموم الناس على اختلافهم وتنوعهم زمانا ومكانا ، لا بد أن يكون على درجة من القوة والكمال حتى ينهض بالناس دينيا واجتماعيا وسياسيا وخلقيا واقتصاديا ، ولهذا يقول تعالى : ( اليوم

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الأحزاب : 40 . ( * )

 

 

- ص 29 -

أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( 1 ) والله لا يرضى بما هو ناقص غير مكتمل ، كما هو واضح . بكل هذه الخصائص لا بد لهذا الدين أن يشق طريقه نحو المجتمعات ، ماضيها وحاضرها والناشئة مستقبلا ، لإرشاد الناس إلى سبيل المؤمنين ، وإبطال كل فكر واعتقاد يباعد بينهم وهذه السبيل .


فهذه مهمة لا تنجز منحصرة في عصر واحد ، بل تقتضي الحضور الدائم في كل عصر ، فكما كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) هو المتصدي لهذه المهمة يكون ولي الأمر من بعده هو المتكفل بذلك ، وهكذا أولو الأمر إلى آخرهم .


وأهمية ولي الأمر تنحصر في أمور :

أولا : فهو من ناحية أنه رئيس وقائد ومدير لشؤون الدولة الإسلامية ، فله الأهمية السياسية بكل جوانبها .

ثانيا : ومن ناحية أنه المرجع الديني للمسلمين في نواحي الدولة الإسلامية كافة ، فله الأهمية الدينية التي لا تنفصل عن حياة الناس .

ثالثا : ومن ناحية أنه واجب الطاعة فهو يمثل مسألة من أهم مسائل أصول الدين ، إذ أن طاعته أمر إلهي تعبدي لا بد من أدائه ، وذلك لقوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ( 2 ) ، فهذا أمر مطلق قطعي ، وواجب يلزم أداؤه

لولي الأمر . إذا ، فالأمر الصادر من الله تعالى بإطاعة أولي الأمر يحتم علينا التعرف على ولي الأمر هذا ، لأداء واجب الطاعة له ، تنفيذا لأمر الله تعالى .


والطاعة هذه تكون لولي الأمر في كل ما يقول ويأمر به وينهى عنه ، فمخالفته في شئ بعد تعيينه معصية صريحة ، ومخالفته في أمر بسبب الجهل به ليس فيه عذر ، لأن تصريح القرآن بالأمر بطاعته هو إشارة إلى وجوده وتعيينه ، وإلا يكون تكليفا فوق الطاقة .


فمن هو ولي الأمر من بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ؟ لقد اختلف المسلمون في ذلك ، وانحصر الاختلاف بينهم في ولي الأمر بين أبي
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) المائدة : 3 .

( 2 ) النساء : 59 . ( * )

 

 

- ص 30 -

بكر بن أبي قحافة وعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . وذلك لاستلام أبي بكر زمام الخلافة بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ولادعاء الإمام علي أحقيته في ذلك ، وقد قال ( عليه السلام ) في ذلك : " ولقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أن محلي منها كمحل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير " ( 1 ) . وهو يعني بذلك الخلافة وأحقيته فيها .


فمن هو الخليفة وولي الأمر ؟ ولا بد أن يكون واحدا ، إذ لا يصح أن يكون وليان للأمر في زمان واحد لدولة واحدة . ولما كانت طاعته واجبة فهو إما أن يكون أبا بكر أو علي بن أبي طلب ( عليه السلام ) .


ونحن مسؤولون عن معرفة الولي المطاع ، طبقا للآية الكريمة ، ومن هنا تظهر أهمية التحقيق والبحث بل وجوبه حول هذه المسألة المصيرية .

 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) نهج البلاغة : من الخطبة رقم 3 ( الشقشقية ) . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب